
لم تنشأ أزمة الوقود في روسيا مع تصعيد موجات قصف المسيّرات الأوكرانية لمنشآت تكرير النفط في أواسط الشهر المنصرم، وإن كانت قد تفاقمت بشدة بعد هذا التاريخ. وليست حرب روسيا على أوكرانيا بعيدة عن أسباب الأزمة. لكن المسؤولين الروس يجهدون لتخفيض أثر الحرب على الأزمة، في محاولة لمحاصرة أثر القصف الأوكراني في تفاقمها المستجد. لكن هذه المحاولة لم تنجح في ذلك، كما يبدو من رد فعل الروس المنتظرين في طوابير سياراتهم أمام محطات الوقود. فإذا كان رد فعل هؤلاء قد اتسمت في البداية بالتحفظ والإحجام عن توزيع الشتائم “من الزنار ونازل”، تظهر شرائط الفيديو التي تنتشر هذا الأيام عن عودة الروس إلى لغتهم اليومية المعتادة التي تندر فيها الكلمات الطبيعية، غير توزيع الشتائم في كل الاتجاهات. وشتيمة “الزعرنة” لا تقتصر لدى الروس على البالغين من الرجال فقط، بل تشمل النساء وجميع الفئات العمرية من الجنسين. وتتداول شبكات التواصل نكتة عن “لغة المات” (لغة الشتائم من “الزنار ونازل”) الشائعة وسط الروس هذه الأيام: – يا ولد بعد ما بتعرف تمشي وبلشت تسب “مات”؛ – إنت بتعرف تمشي؟ طيب “انتا…” وزحلط من هون.
للتملص من حقيقة فعالية القصف الأوكراني لمنشآت النفط الروسية في تفجير أزمة الوقود الحالية، لم يوفر الإعلام الروسي المرحلة السوفياتية لتحميلها قسطاً من المسؤولية عن الأزمة. في بدايات تصعيد القصف الأوكراني لمنشآت النفط الروسية، نقل موقع ForPost الروسي الإقليمي في 9 الشهر المنصرم عن وكالة نوفوستي تلمسها “أثراً سوفياتياً” في الأزمة.
فقد نقل الموقع عن خبير روسي تحدث لوكالة نوفوستي عن أثر الدخل الفردي في الفروقات بين أسعار الوقود وكمياته التي بوسع المواطن الحصول عليها، قوله إن التوزيع السوفياتي لمنشآت البنية التحتية النفطية قد لعب دوره أيضاً في المستويات المختلفة للأزمة بين المناطق. وأشار إلى أن مصافي النفط الكبرى شُيِّدت تاريخيًا مع تركّزها في الجزء الغربي من البلاد، ولذلك يكون البنزين في المناطق النائية أعلى سعرًا بسبب تدني طاقات التكرير وتعقيد الخدمات اللوجستية. وأشار الخبير إلى أنه، حتى في الحقبة السوفيتية، كانت الحياة الاقتصادية مرتبطة أيضاً إلى حدّ كبير بالمراكز الحضرية الكبرى. فقد كان الناس يسافرون عبر نصف البلاد إلى موسكو “لشراء النقانق”. أما في الولايات المتحدة، فلا يمكن أن يخطر ببال أحد أن يسافر إلى واشنطن لشراء المواد الغذائية.
كان من غير اللائق أن يتجاوز الخبير هذا مسألة الأمن وظروف الحرب التي يشعر بها الروس للمرة الأولى بهذه الحدة وعلى هذا النحو الملموس. ومن دون أن يأتي على ذكر القصف الأوكراني للمنشآت النفطية، وانسجاماً مع تعنت الكرملين وإصراره على شروطه الأولية لإنهاء الحرب وإطالة أمدها، قال إن أحداً لا يستطيع اليوم أن يحدد بدقة الموعد الذي سيستقر فيه الوضع بشكل نهائي، “لكن من الواضح أن ذلك سيتطلب وقتًا طويلًا”.
بوتين، وفي مقابلة صحافية نشر تفاصيلها في 28 الشهر المنصرم موقع الكرملين الرسمي على الإنتنرت، اعترف بفعالية القصف الأوكراني للمنشآت النفطية ودوره الرئيسي في أزمة الوقود الحالية في روسيا. لكن اعترافه لا يعني أن “النصائح” التي تتلقاها مواقع الإعلام الروسي تستحسن الاعتراف بهذه الفعالية.
في رده على السؤال الأول حول جدية الأضرار التي يلحقها القصف الأوكراني بالمنشآت النفطية، قال بوتين إن الضربات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية عمومًا، وبنية الطاقة التحتية على وجه الخصوص، من المؤكد أنها تسببت في مشكلات، وهذا أمر واضح. “ونحن نشهد حاليًا نقصاً معيناً، لكنه ليس خطيراً”. ورأى أن زيادة إنتاج وسائل الدفاع الجوي زيادة كبيرة وسريعة، تأتي في طليعة المهام التي على روسيا تحقيقها الآن. كما عليها أيضاً مواصلة تطوير هذه الوسائل باستمرار بما يتوافق مع متطلبات سير العمليات القتالية، وحماية المنشآت ذات الصلة، مع الأخذ في الاعتبار الوسائل التي يستخدمها العدو الأوكراني، وكذلك الطائرات المسيّرة الجديدة المزودة بالتقنيات الحديثة التي يتلقاها من أوروبا أيضًاً. ويضيف بأن الضربات التي تستهدف البنية التحتية المدنية لا تُنفَّذ، في المجمل، بهدف إلحاق الضرر بنا فحسب، بل كذلك لتطوير حملة إعلامية، أو الأدق، عملية إعلامية تشكل جزءًا من المواجهة مع روسيا. وتهدف هذه العملية، على أقل تقدير، إلى زرع الشعور بعدم الثقة بالنفس وبقدرات روسيا. والأفضل بالنسبة للأوكران، برأيه، أن تؤدي إلى إحداث انقسام داخل المجتمع الروسي، وأن تدفع روسيا إلى تعليق هجوم قواتها على خطوط جبهة القتال، ولو لفترة قصيرة، بما يهيئ الظروف لبدء عملية تفاوضية بشروط تصب في مصلحة الأوكران.
وعلى السؤال حول وجود قنوات اتصال مع الأوكران في ظل توقف المفاوضات، وما إذا كان هؤلاء قد طرحوا اقتراحات جديدة، أكد بوتين وجود مثل هذه القنوات “وعلى عدة خطوط” دفعة واحدة. كما أكد وجود اقتراحات أوكرانية جديدة، لكنه جدد رفضه للقاء الرئيس الأوكراني ووقف العمليات القتالية عند خط التماس الحالي “ولو خلال وقت قصير”.
اعتراف بوتين شبه المكره الذي جاء على خلفية طوابير السيارات أمام محطات الوقود، من أقصى الشرق الروسي وحتى القرم المحتل، لم يخفض مما حققته الضربات الأوكرانية على أكثر من صعيد. ولم يقتصر الأمر على ما أحدثته وسط الروس الذين شعروا للمرة الأولى بصورة جدية بالحرب، بل أثبتت جدية التطور التكنولوجي الذي حققه الأوكران في مجال صناعة الطائرات المسيّرة. ومن بين ما حققته هذه الضربات أيضاً، ذلك التطور الجدي في علاقة ترامب ومؤيديه الأميركيين بأوكرانيا. وشهد على ذلك اللقاء الودي الذي جمع الرئيس الأميركي مع زيلينسكي على هامش قمة السبع الكبار G7 في فرنسا، الذي اعتبر ترامب خلاله أن الضربات الأوكرانية هي لمصلحة إنهاء الحرب مع روسيا.
وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية cursor نشرت في 26 الجاري نصاً عنونته بالقول “… لماذا غيّر أنصار ترامب نظرتهم إلى أوكرانيا؟”.
استهلت الوكالة نصها بالإشارة إلى أن موقف ترامب نفسه يشهد تغيّراً أيضاً. فقد تركت الضربات الناجحة التي نفذتها الطائرات المسيّرة الأوكرانية انطباعًا قويًا لديه.
نقلت الوكالة عن الصحيفتين البريطانيتين الغارديان والتلغراف قولهما إن تغير موقف أنصار ترامب من أوكرانيا، يشير إليه موقف السياسية الأميركية اليمينية المتشددة لورا لومر (Laura Loomer) التي كانت سابقاً تسخر علناً من الأوكران، ثم باتت اليوم تعرب عن تضامنها معهم على الملأ. وتعتبر ذلك مؤشرًا بارزًا على التحولات العميقة الجارية داخل حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا” (MAGA). وكان الدافع وراء هذا التحول الحاد في الخطاب لدى جزء من المحافظين الأميركيين هو النجاحات البارزة التي حققها الجيش الأوكراني في ساحة المعركة، والتفوق التكنولوجي للقوات المسلحة الأوكرانية، فضلًا عن انكشاف حقائق تتعلق بتحالف عسكري وسياسي سري بين موسكو وإيران. وخلال الأشهر الأخيرة، انتقل العديد من المدونين وصانعي البودكاست اليمينيين في الولايات المتحدة من الدعوة إلى وقف المساعدات لكييف بشكل كامل إلى المطالبة بزيادة الدعم العسكري. وبلغت هذه العملية ذروتها مع زيارة لورا لومر إلى كييف، وهي الشخصية التي يسهم رأيها في تشكيل أجندة جمهور يضم نحو مليوني مؤيد لدونالد ترامب.
المصدر: المدن






