كيف يصنع ترامب إيران الجديدة؟

يوليا يوزيك

ماذا كانت إيران قبل الحرب؟

كانت إيران الدولة التي تمتلك أكبر ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط، وتشتهر بخطاباتها المطولة والحافلة بالتهديدات الموجهة إلى إسرائيل والولايات المتحدة. وكان يتزعم إيران آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، فيما كان يرأس مجلس الخبراء آية الله أحمد جنتي، البالغ من العمر 99 عامًا.

كان هؤلاء الشيوخ، كما تقتضي ذاكرة الشيخوخة، يحتفظون بذكريات الماضي البعيد وخطاب أفضل سنواتهم: سبعينيات القرن الماضي، والنضال السري ضد الشاه، والثورة الإسلامية. لكن أجسادهم وعقولهم لم تعد قادرة على مقاومة سنّة الطبيعة؛ فقد تقدموا في العمر، ووهنوا، وأثقلتهم الأمراض، وأخذوا يعودون أكثر فأكثر إلى ذكريات شبابهم النضالي؛ أي إلى ما قبل ستين أو سبعين عامًا، حتى فقدوا صلتهم بالواقع، وبأجندته الراهنة، وبالتقدم، وبإيقاع الحياة المتسارع، وبالتقنيات الجديدة التي جاء بها القرن الحادي والعشرون.

ظل آية الله خامنئي، طوال العقدين الأخيرين، يهدد إسرائيل والغرب بقرب امتلاك إيران للسلاح النووي. لكنه بعد ما يقرب من نصف قرن في السلطة ترك إيران في نهاية المطاف دولةً “على عتبة امتلاك السلاح النووي”، من دون أن تصبح قوة نووية فعلية. وكل ما فعله هو وجهازه الحاكم تمثل في بث الرعب وإطلاق التهديدات بمحو إسرائيل من الوجود، وإعادة الأميركيين من الشرق الأوسط إلى بلادهم داخل توابيت. وفي مقابل هذا الخطاب المتواصل الذي لا ينتهي، فُرضت على إيران، التي كانت يومًا ما أغنى دولة في المنطقة، أشد العقوبات في التاريخ الحديث، وهذا ما حكم على الشعب الإيراني بمعاناة طويلة. ثم كانت السلطات الإيرانية تساوم على هذا التهديد مقابل رفع العقوبات، متعهدةً بعدم صنع قنبلة نووية. وبعد ذلك تعود مجددًا إلى التلويح بها. وهكذا مضت السنوات، بل والعقود.

في حزيران/ يونيو 2025، عندما ربحت إسرائيل ما اعتبرته “يانصيبها الذهبي” بوصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، قرر بنيامين نتنياهو ألا يضيع دقيقة واحدة أخرى، وأن يحسم الملف الإيراني نهائيًا. وعندما بدأت القوات الجوية الإسرائيلية قصف إيران، اتضح أن “الملك كان عاريًا”. فلم يقتصر الأمر على أن إيران لم تكن تمتلك سلاحًا نوويًا، بل تبيّن أيضًا أنها لم تكن تمتلك دفاعًا جويًا فعالًا، رغم أنها اشترت منظومات دفاع جوي من روسيا، وبلغت قيمة عقودها مليارات الدولارات. خلال أسبوعين من القصف العنيف، وهو قصف لم تشهده إيران حتى في سنوات الحرب العراقية الإيرانية، كشف نظام خامنئي الأب عن مدى هشاشته وضعفه المثيرين للقلق.

على الرغم من أن ترامب، بعد قصفه المنشأة النووية في فوردو، أوقف الهجوم الإسرائيلي على إيران، كان من الواضح أن بنيامين نتنياهو، بعدما تذوّق طعم الدم ورأى الضعف الصادم لخصمه، لم يعد من الممكن كبحه.

أود أن أتوقف عند هذه النقطة لأتناول ما حدث داخل إيران بعد حرب حزيران/ يونيو.

فمن المنطقي أنه بعد مثل هذه الضربة الصادمة لكيان الدولة، كان ينبغي اتخاذ إجراءات فورية واستخلاص العِبر والنتائج.

لكن شيئاً لم يحصل من هذا القبيل.

فلم يتم انتقال السلطة الذي طال انتظاره. وبدلاً من ذلك، خرج خامنئي الأب، الذي أمضى فترة الحرب مختبئًا في ملجأ تحت الأرض وفي حالة نفسية وعاطفية صعبة، بعد فترة من الزمن إلى العلن، وأعلن النصر.

كان المشهد محرجاً. أيّ نصر هذا؟ عمَّ تتحدثون؟ لقد رأى العالم بأسره ضعفكم وعجزكم. في الشرق لا يُغتفر مثل هذا الأمر أبدًا. فالأسد الضعيف يُجهَز عليه.

كنت أتوقع بعد حرب حزيران/ يونيو تلك أن يتسارع انتقال السلطة بشكل حاد وأن يحدث بالفعل. لكن خامنئي لم يكن مستعدًا لتوديع العرش. وبدأت جميع الفصائل المتصارعة داخل السلطة تحركًا مكثفًا. ومن الواضح أنها دخلت في مسار مفاوضات سرية مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، بهدف إسقاط هذا الشيخ العجوز الأبدي بمساعدتهما.

كان أبرز المتنافسين على السلطة نجل خامنئي، مجتبى، الذي كان منذ فترة طويلة يلعب دورًا خفيًا بالغ الأهمية داخل النظام، وكذلك تيار الإصلاحيين، الذي كان من أبرز وجوهه الرئيس السابق حسن روحاني وحفيد الإمام الخميني، حسن.

منظومة الحكم في إيران معقدة ومتعددة المستويات، وهذه السمة التنظيمية تحديدًا هي التي حافظت عليها خلال الحرب التالية.

لكن خامنئي، وكما هو شأن كبار السن، كان عنيدًا. فلم يكن يثق بالإصلاحيين، لأنه كان يعلم أنهم، في الواقع، سيسلّمون البلاد للأميركيين. وشخصياً أَفترض أنه كان يشعر بشيء يشبه الغيرة تجاه ابنه نفسه، الذي لطالما اشتبه في أن لديه طموحات كبيرة للوصول إلى السلطة. وهذه قصة كلاسيكية لحاكمٍ ديكتاتور، يقتل ابنه الذي يطمح إلى اعتلاء العرش بدافع الغيرة والخوف منه. ولا سيما إذا كان مثل هذا الابن يحظى بدعم الجيش. لذلك، خلال فترة “الهدنة” التي امتدت لنحو ستة أشهر بعد حرب حزيران/ يونيو، أعاد خامنئي الأب فجأة إلى صدارة المشهد السياسي عائلة لاريجاني النجفية “العراقية” ذات النفوذ، التي كانت قد أُبعدت في السابق. وقام بتعيين علي لاريجاني رئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، كما جاهر بتعيينه، عمليًا، خلفًا له في حال اندلاع حرب.

وكما أصبحنا نعلم الآن، في اليوم نفسه الذي قُتل فيه علي خامنئي، جرى أيضًا تنفيذ محاولة اغتيال محكمة استهدفت نجله مجتبى، الذي كان أبرز المرشحين لخلافته في السلطة. ولم يكن يعرف مكان وجوده في ذلك الصباح سوى عدد قليل جدًا من كبار المسؤولين في المنظومة الأمنية للجمهورية الإسلامية. وقد وصلت هذه الإحداثيات الدقيقة إلى الموساد أو البنتاغون.

لكن مجتبى نجا بأعجوبة من محاولة الاغتيال تلك. وكان يحظى بدعم الجيش. بل الأدق أنه لم يكن مجرد دعم من الجيش؛ فالحرس الثوري كان ولا يزال قوته الأساسية التي يستند إليها.

وهكذا اعتلى الابن، مدعومًا بحراب الحرس الثوري، العرش الشيعي الأعلى داخل منظومة ولاية الفقيه.

وهنا أعود إلى عنوان هذا المقال. فما علاقة ترامب بكل ما حدث؟

وأشرح.

كانت لدى نجل خامنئي، مجتبى، بعض المشكلات المتعلقة بشرعية انتخابه قائدًا أعلى. فهو شاب نسبيًا (مواليد عام 1969)، ولم يكن، من وجهة نظر الفقه الشيعي الرسمي، يمتلك ذلك المستوى من الخبرة والمكانة الدينية المطلوبة لكي يصبح المرشد الأعلى (لكن، وللإنصاف، فإن والده واجه مشكلات مماثلة لدى انتخابه عام 1989). إضافة إلى ذلك، كانت العائلات والنخب الأكثر نفوذًا في إيران تعارض بشدة انتقال السلطة بالوراثة. وكان موقفهم: لم نُسقط الشاه لكي تنتقل السلطة بالوراثة إلى “أمير جديد”.

لكن الحرب التي شنّها ترامب ونتنياهو حسمت هذه المشكلة. فقد تعرّض مجلس الخبراء في قم، حيث كان من المقرر أن تجري المنافسة على انتخاب المرشد الأعلى الجديد في آذار/ مارس 2026، للقصف من قبل سلاح الجو الإسرائيلي. وجرت عملية التصويت عن بُعد، وكانت تحت إشراف وسيطرة الحرس الثوري.

الحرب لم تحلّ فقط مشكلة شرعية السلطة، بل تواصل أيضًا مساعدة السلطة الجديدة على صياغة أيديولوجية دولة جديدة – توحيد الأمة في مواجهة عدو خارجي. فقد خفّف الحرس الثوري بشكل ملحوظ من القيود المتعلقة بالحجاب، ومنح قدرًا أكبر بكثير من الحريات الشخصية، كما وضع في المقام الأول خطابًا قوميًا ووطنيًا-باتريوتيًا بدلًا من الخطاب الديني.

أما سيل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، الذي كاد يُسقط نظام خامنئي خلال احتجاجات كانون الثاني/ يناير، وهي الأكبر من نوعها، فقد بات يُعزى الآن إلى الحرب. فعندما تكون البلاد في حالة حرب، وتتساقط القنابل فوق رؤوسكم، يصبح لزامًا نسيان مظاهر الرفاهية، بل وحتى الاحتياجات الأساسية التي اعتدتم عليها. لقد حان وقت شدّ الأحزمة والاستعداد لتحمل المحن والشدائد: “الأمة الإيرانية العظيمة لن تمنح العدو أي فرصة، ولن تستسلم أبدًا، وستنتصر”.

في السابق، كان الإيرانيون يسخرون من سلطاتهم؛ بعضهم علنًا، وبعضهم همسًا داخل منازلهم، عندما كانت تصف الصهاينة بأنهم أعداء وتعلن عن اعتقال جواسيس إسرائيليين (وكانت، في الواقع، تبحث عنهم في المكان الخطأ تمامًا).

لم يكن أحد يصدق أن الأميركيين أو الإسرائيليين هم الأعداء الحقيقيون لإيران. أما الآن، فقد رأى الجميع أن الإسرائيليين والأميركيين (وترامب أيضًا) هم بالفعل من يقصفون ويقتلون، مستخدمين صواريخ “توماهوك” لتدمير ليس فقط البنية التحتية العسكرية للبلاد، بل أيضًا الجسور والطرق والجامعات ومعاهد البحوث العلمية والمدارس التي تضم أطفالًا. لقد جاء “المحررون” ليس لتغيير السلطة، بل لتدمير البلاد، والقضاء على اقتصادها وبنيتها التحتية، وقتل أحياء كاملة من المدنيين الأبرياء من أجل تصفية مسؤول في الحرس الثوري الإيراني. وهذه، مع كامل الاحترام، قصة مختلفة تمامًا.

فهل يتبيّن، في نهاية المطاف، أن دعايتهم التي وُصفت بأنها دعاية الشيوخ كانت محقّة؟

الإيرانيون شعب متعلم ومثقف، وكانوا يدركون أن الدوس على أعلام الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس سوى شعارات جوفاء يرددها آيات الله المسنون، وجزء من الدعاية الرسمية التي لا يمكن تغييرها. ولذلك كان كثيرون منهم يتعاطفون مع إسرائيل والولايات المتحدة، بل كانوا، على سبيل السخرية والاحتجاج على رجال الدين المسنين الذين يلقون الخطب في المساجد وعلى شاشات التلفزيون الرسمي، يفتتحون نسخًا محلية من مطاعم الوجبات السريعة الأميركية، ويستهلكون كوكاكولا بمعدلات قياسية (مع العلم أن إنتاجها في إيران تشرف عليه عائلة رجل الدين الشيعي، ممثل المرشد الأعلى في مشهد، ووالد زوجة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي). وهكذا عاش الإيرانيون خلال العقد الأخير في مزيج من السخرية السوداء والمفارقة التراجيدية.

وكان ذلك يذكّر، إلى حدٍ مؤلم، بالاتحاد السوفيتي في سنواته الأخيرة، الذي تيسر لي بأن أشهد جزءًا يسيرًا من أيامه.

لكن ترامب ونتنياهو قلبا الطاولة، ولم يمنحا النظام المترهل والآخذ في الشيخوخة فرصة للسير في طريق التفكك الطبيعي، على غرار ما حدث مع الاتحاد السوفيتي. فقد أدى ما فعلاه بإيران إلى وصول ثأريين شباب إلى السلطة، ربما قد يتمكنون من الحفاظ على البلاد من الانهيار، بل وحتى تحقيق النصر في المواجهة مع القوة المهيمنة عالميًا. ترامب، كأنه أطلق عملية تجديد للخلايا داخل جسدٍ مُنهك، ومنح هذا الجسد فرصة للبقاء على قيد الحياة، بل وأن يصبح أقوى مما كان عليه من قبل.

لقد تم العثور أيضًا على نقطة تجمّع للأمة الإيرانية: مواجهة العدو، والصمود أمام القنابل والضغوط، والانتصار كما أبطال الملحمة الفارسية العظيمة، حتى في اللحظات التي يبدو فيها النصر مستحيلًا.

الحرس الثوري ذاك الذي وصل إلى السلطة مع مجتبى خامنئي، هو من “ثوار الجيل الثاني”. وهم ليسوا متطرفين إسلاميين مهووسين كما كان الجيل الأول، بل هم واقعيون وبراغماتيون، يتحدثون أقل، لكنهم يفعلون أكثر.

من المستحيل تخيّل أن إيران كانت ستردّ في هذه الحرب بهذه القسوة والاحترافية لو كانت لا تزال تحت قيادة آية الله البالغ من العمر 86 عامًا.

كان خامنئي الأب يحب المناسبات العامة، والخطب الشعرية المعقدة، المليئة بالتهديدات ووعود إنزال العقاب الرهيب بالأعداء. لقد كان بارعًا على المسرح وفي الخطابات الجماهيرية. أما جنرالاته، الذين قُتلوا بصواريخ “توماهوك” الأميركية في 28 شباط/ فبراير 2026 وقبل ذلك، فكانوا يُرضون زعيمهم بالاستعارات عن أن الجيش الأميركي ليس سوى “نمر من ورق”، لم يعد دورهم حينها يقتصر على كونهم استراتيجيين عسكريين، بل أصبحوا أشبه بمهرجين لدى الملك.

جنرالات الحرس الثوري الجدد يتسمون بالتصلب والاختصار في كلامهم، أما القائد العام الجديد للحرس الثوري، وحيدي، فلم يظهر علنًا سوى مرة واحدة، ذلكَ خلال جنازة علي خامنئي.

المتحدث الرئيسي باسم إيران خلال الحرب أصبح ضابطًا شابًا من خاتم الأنبياء، المجمع العسكري-الاقتصادي التابع للحرس الثوري. وقال بسخرية مقلدًا أسلوب ترامب نفسه في منشوراته على شبكات التواصل الاجتماعي: “مرحبًا ترامب، لقد طُردت! شكرًا على اهتمامك بهذا الأمر”. لكن لم تكن هناك لعنات أو تهديدات بعقاب سماوي أو تهويلات فارغة. إيران لم تعد تهدد، بل تدافع عن نفسها. وهي تفعل ذلك بقوة: فالكلمة يتبعها فعل. وهذا هو الأسلوب الجديد للإدارة الإيرانية الجديدة، ويبدو أن ترامب يتعلم كيفية التعامل مع إيران الجديدة هذه مباشرة أثناء سير الأحداث، وهو ما يثير لديه تارة الغضب الشديد، وتارة الانفعال، وتارة الاحترام.

نحن أمام فرق هائل بين إيران ما قبل الحرب وإيران الجديدة. ويعود لترامب فضل كبير في ذلك.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى