عن السلطة والنُّخبة في تونس

سالم لبيض

من مشيئة الأقدار أنّ إقامة الرئاسة الفرنسية مراسمَ تكريم عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران مطلع الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، الذي وافته المنيّة في 29 مايو/ أيّار الماضي عن عمر ناهز 104 أعوام، تزامنت مع اعتقال المؤرّخ وعالم الآثار التونسي عزّ الدين باش شاوش.

الأوّل موران، صاحب 120 كتاباً، والملقّب جدّ المثقّفين الفرنسيين، قال فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونعشه مسجّى بالعلم الفرنسي: “إنّه صاحب مسار استثنائي في هذا القرن”، وأضاف معتزاً به وبما قدّمه لفرنسا وللإنسانية جمعاء: “إدغار موران إنساني النزعة على مستوى العالم بلا شكّ، لكنّه يظلّ فرنسياً على الدوام في نضالاته من أجل الحرّية والمساواة والتحرّر، ومن أجل الأخوّة أيضاً مع كلّ الشعوب المحرومة من حقوقها”. أمّا الثاني، باش شاوش (88 عاماً)، فهو حاصل على دكتوراه الدولة في التاريخ القديم من جامعة السوربون، وعلى عدّة جوائز وأوسمة عربية ودولية، وله كتب وأبحاث عديدة منشورة في دوريات وأعمال محكّمة، واشتغل مديراً عاماً لكلّ من دار الكتب الوطنية والمعهد الوطني للتراث والآثار، وتولّى خطّة وزير الثقافة سنة 2011. وقد صدرت في حقّه بطاقة إيداع بالسجن يوم 9 الشهر الماضي (يونيو)، ونُفّذت في اليوم التالي. يقول محاميه سامي بن غازي في تدوينة نشرها في صفحته بـ”فيسبوك” (12 يونيو): “تولّى عدد من الأعوان (الأمن) رفعه (باش شاوش) من سريره الطبي الذي يرقد فيه بمنزله، ولم يُمكَّن حتّى من اصطحاب قارورة الأكسجين التي يستعملها للتنفس، فضلاً عن عجزه عن الحركة”. أطلقت السلطات التونسية سراح عالم الآثار، بعد أن دوّنت في دفاتر تاريخ الحُكم في تونس إهانة أحد كبار متخصّصي علم التاريخ والآثار والتراث، وهي فضيحة لا تمحوها السنون، وبعد حملة شعبية مساندة له في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي استمرّت قرابة الأسبوع.

ومن المفارقات أن يُتَّهم أحد كبار حرّاس التراث والآثار في تونس ممّن لا معرفة لهم بالآثار وعلومها، ومعظمهم محسوبون على أنصار الرئيس قيس سعيّد ومواليه، بالتلاعب بعقارات ذات طبيعة أثرية بمنطقة قرطاج التي تولّى رئاسة بلديتها بين 2011 و2016، بينما تعود أطوار القضية إلى ستينيّات القرن الماضي، وقد حسمت ملفّاتَها المجالسُ البلدية المتعاقبة، وكان آخرها سنة 2008.

لم تكن عملية اعتقال عزّ الدين باش شاوش الأولى في الزمن الراهن من تاريخ تونس، وإنّما سبقتها اعتقالات ومحاكمات وأحكام ثقيلة بالسجن والخطايا المالية، شملت نُخباً سياسية، وأخرى حقوقية، وثالثة صحافية وإعلامية، منهم من له مؤلّفات منشورة في مراكز بحث ودور نشر محترمة وذات مصداقية، وكتابات رأي، وبرامج تلفزيونية وإذاعية، ودواوين شعرية، ومجموعات قصصية. وقد ندّدت منظّمات حقوقية دولية بهذه الاعتقالات والمحاكمات واعتبرتها جائرةً، وأثارتها وسائل إعلام أجنبية في نشراتها الإخبارية وفي صحافتها الاستقصائية.

لم تكن عملية اعتقال عزّ الدين باش شاوش الأولى في الزمن الراهن من تاريخ تونس، وإنّما سبقتها اعتقالات ومحاكمات وأحكام ثقيلة بالسجن والخطايا المالية

وليس من المبالغة في شيء القول إنّ اعتقال النُّخب، بأصنافها وحساسياتها الفكرية والأيديولوجية والسياسية المختلفة، وحتّى مجرّد إقصائها ومقاطعتها وإبعادها عن الحياة العامة، لا يؤشّر على سلامة منظومة حكم ما، وإنّما هو دليل على مرض تلك المنظومة، وحالة السقم التي تعيشها، وعجزها عن البقاء في قيد الحياة والاستمرار وقيادة بلد ما نحو التقدّم والنهوض والرفاهية. فأنّى لحاكم عقلاني أن يعادي نخبة بلاده من مفكريها، وأساتذة جامعاتها، وأدبائها، وأعلامها في حقول العلوم الصلبة، والمعارف الإنسانية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية والطبية والهندسية وغيرها، للاختلاف في الرأي والمقاربة أو من دون اختلاف؟

ورغم تواتر الحكومات الاستبدادية في فترة حكم الرئيسَين الأسبقَين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، بين 1956 و2011، عملا في تأمين نُخبة موالية لنظامي حكمهما في مواجهة النُّخب المُعارِضة العروبية- اليوسفية، والقومية العربية البعثية والناصرية، واليسارية الماركسية وغير الماركسية، والإسلامية. فقد نجح بورقيبة في استقطاب أسماء ذات وزن فكري وأكاديمي، منهم الصحافي البارز البشير بن يحمد، وعالم الاجتماع والفيلسوف عبد الوهاب بوحديبة، والأديب محمود المسعدي، والصحافي والمؤرخ الحبيب بولعراس. كما تمكّن بن علي من استقطاب ثلّة من أساتذة الجامعات البارزين، ومنحهم مناصب قيادية في الدولة، على غرار أستاذَي القانون محمّد الشرفي والدالي الجازي، وأستاذ علم الاجتماع والديمغرافيا المنصر الرويسي، ما جعل من هذه الأسماء وغيرها قادةً أيديولوجيين لمنظومة الحُكم.

وفي إطار التشهير بمساندة بعض النُّخب لمنظومة الاستبداد، وتوظيف بعضهم الآخر في خدمة تلك المنظومة، وإدانتها، أصدر الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي (2011– 2014) “الكتاب الأسود: منظومة الدعاية تحت حكم بن علي”، في 353 صفحة، وهو كتاب ضمّ عشرات الأسماء من الصحافيين والإعلاميين والحقوقيين والجامعيين التونسيين والأجانب الذين حوّلتهم السلطة الحاكمة إلى أبواق دعاية، واستعملتهم في تشويه المعارضات المعتدلة والراديكالية، وتزيين صورة النظام أمام الرأي العام المحلّي والعالمي، وتبرير طبيعته الاستبدادية. لكنّ المرزوقي لم يكتفِ بهذه الخطوة، وإنّما فتح أبواب قصر قرطاج أمام ثلّة من المفكّرين التونسيين والعرب البارزين، مثل هشام جعيّط، وعبد الجليل التميمي، وعزمي بشارة، وطه عبد الرحمن، لإلقاء محاضرات دورية وغير دورية، ضمن فعّاليات حوارات قرطاج، حول قضايا الأخلاق والحُكم والديمقراطية وكل القضايا الراهنة، بحضور جمهور من المثقّفين من مختلف المشارب السياسية والأيديولوجية، من دون أن يحرجه الجلوس في صفوفهم والاستماع إلى المحاضرين بإنصات ومناقشتهم في طروحاتهم، ومن دون أن يطلب منهم إعلان الولاء والموالاة للسلطة الحاكمة. فما كان للمرزوقي، حتّى وهو رئيس الدولة، أن يتجرّأ على التدخّل في المضامين المُقدَّمة من نُخب ومفكّرين ومؤرّخين ذوي أوزان في مجالات تخصّصاتهم ومراكز اهتماماتهم العلمية والفكرية والبحثية.

شكّلت تلك الخطوة المهمّة (على محدوديتها) بدايةَ مصالحة بين قصر قرطاج والنُّخبة التونسية، والقبول بها نُخبةً مستقلّةً في آرائها ومواقفها وتوجّهاتها، لا تقبل التوظيف وترفض أن تكون خادمةً للسياسي بمقابل مادّي أو رمزي، من أموال ومناصب وزارية في الدولة وأخرى في المنظّمات الدولية، أو من دونه. لكنّ ذلك المسار سيُوأد نهائياً مع وأد تجربة الانتقال الديمقراطي (2011 – 2021).

تمارس النخب الولاء للسلطة، وتُستخدَم أداة للتعبئة الأيديولوجية–الشعبوية في الفضاء العام الافتراضي

ومنذ ذلك التاريخ، سادت قطيعة شبه تامّة بين قصر قرطاج والنُّخب الفكرية والأكاديمية، إلّا في حالات استثنائية يمكن فهمها ضمن براغماتية الحُكم التي التجأ إليها الرئيس قيس سعيّد عندما زار الأكاديمية العسكرية سنة 2020، أو استقبل سنة 2021 ثلاثة من أساتذة القانون، هم أمين محفوظ والصغير الزكراوي وإبراهيم الرفاعي، في إطار إعداد مشروع قانون المحكمة الدستورية، وهو قانون لم يرَ النور، أو حين كلّف سنة 2022 بعض أساتذة القانون، الصادق بلعيد وأمين محفوظ ومحمّد صالح بن عيسى، بكتابة دستور يُعرض على الاستفتاء، وكان مصير ذلك الدستور سلّة المهملات، أو حين التقى سنة 2023 مجموعةً من أساتذة الاقتصاد بالجامعة التونسية، وقد انتقى من بينهم سمير عبد الحفيظ وزيراً للاقتصاد والتخطيط.

عدا ذلك، لم يُعرف لسعيّد، على مدى سبع سنوات من تولّيه السلطة جزئياً أو كلّياً، إشراف واحد على مؤتمر علمي أو ندوة فكرية من المؤتمرات والندوات التي تعجّ بها الجامعة التونسية ومراكز ومختبرات بحوثها ودراساتها في مختلف التخصّصات في حقول الإنسانيات والعلوم الصلبة. بل إنّه لم يزر أيَّ مؤسّسة جامعية، بما في ذلك كلّية الحقوق بسوسة ونظيرتها: كلّية العلوم القانونية والاجتماعية والسياسية بتونس، حيث درّس 32 سنة.

وعلاوة على هذا كلّه، تحوّل مركز الدراسات الاستراتيجية، العائد بالنظر إلى قصر قرطاج، إلى مؤسّسة عديمة الجدوى الفكرية وضعيفة الفعل العلمي والأكاديمي. فهذه المؤسّسة لا تستطيع المنافسة البتّة في أسواق صناعة الأفكار والبحوث الاستراتيجية التي تحتاج إليها الدول والمجتمعات، والمنتشرة بكثافة وطنياً وإقليمياً ودولياً.

اعتقال النُّخب، وحتّى مجرّد مقاطعتها وإبعادها عن الحياة العامة، لا يؤشّر على سلامة منظومة حُكم، وإنما دليل على مرضها

انتقلت العلاقة بين السلطة والنُّخبة في تونس من وجود معسكرَين، هما نُخب الموالاة ونُخب المعارضة، في فترتي بورقيبة وبن علي، إلى عدم الاعتراف بالنُّخب، مهما كانت ألوانها الفكرية وأيديولوجياتها السياسية، في زمن حُكم الرئيس قيس سعيّد. فالنُّخب التونسية، الأكاديمية منها والفكرية والسياسية والحقوقية والمدنية، هي جزء لا يتجزّأ من الأجسام الوسيطة، وهي أجسام تصرّ سلطة سعيّد على التخلّص منها، وعدم تمكينها من لعب أيّ دور في الحياة العامّة. وهي بذلك تمارس الهدر باحتراف تجاه الإنتاج الفكري والأكاديمي لآلاف الأكاديميين والمشتغلين بقضايا الفكر والعلم والمعرفة والفنون، جاعلةً من المذكّرات والأطروحات الجامعية والأعمال العلمية المنشورة في كتب ودوريات محكّمة وغير محكّمة مادّةً كاسدةً، تنفق عليها الدولة من أموال دافعي الضرائب، من دون أن تستفيد منها مؤسّسات الدولة الحيوية، وشركاتها المنتجة، ومراكز قراراتها التربوية والتكنولوجية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

لقد استُبدلت بالنُّخب التونسية طبقةٌ طفيليةٌ هجينةٌ، لا معارف لها، مهما كان نوع تلك المعارف، ولا كفاءة، تمارس الولاء للسلطة، وتُستخدَم أداة للتعبئة الأيديولوجية–الشعبوية في الفضاء العام الافتراضي، ومهاجمة كلّ من يعارض السلطة الحاكمة وينتقدها ويقلّل من شأنها.

ومن بين أفراد تلك الطبقة، انتُقي ممثّلون في المؤسّسة التشريعية بغرفتَيها، ووزراء وولاة ومعتمدون وقادة إداريون وأعضاء المجالس المحلّية والشركات الأهلية ومختلف هياكل الحُكم التنفيذية. وقد كانت النتيجة أزمة هيكلية مزمنة، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ومالياً ودبلوماسياً ورياضياً، لا مثيل لها في تاريخ تونس، بلغت حدّ فقدان الخدمات الأساسية من ماء صالح للشرب وكهرباء، ولا يلوح في الأفق القريب أيّ مخرج لتجاوز تلك الأزمة المركّبة والعصية على كلّ حلّ.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى