
يُعدّ وجود مجتمع مدني قوي أحد أهم مؤشرات رقي المجتمعات وتقدمها، ويظهر ذلك من خلال نشاط المؤسسات الحقوقية، والجمعيات الخيرية، والأحزاب السياسية، والمنظمات المعنية بالبيئة والصحة وغيرها، وقد أصبح المجتمع المدني، في الدول الحديثة، ركيزةً أساسية تُقاس بها قوة الدولة وقدرتها على التطور، كما يُعد أحد أبرز معايير التحضر.
لقد شهد التاريخ الإنساني تطوراً متواصلاً باتجاه توسيع مساحة الحريات العامة، وحرية التعبير، والمشاركة في الشأن العام، وصولاً إلى حق الأفراد في التنظيم ضمن جماعات وأحزاب تتشارك الرؤى والأهداف، وأثبتت التجربة أن مقاومة هذا المسار التاريخي لا تؤدي إلا إلى الأزمات والاضطرابات، وهو ما عكسته تجارب الأنظمة الشمولية في المنطقة العربية، التي دفعت أثماناً باهظة نتيجة مصادرة الحريات ورفض التطور السياسي.
انتظر السوريون طويلاً قيام مجلس يمثلهم ويعبر عن تطلعاتهم، ويكون قادراً على مواكبة المرحلة الانتقالية عبر سنّ التشريعات اللازمة لبناء المستقبل. وبعد انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التشريعي، أياً كانت التسمية التي سيعتمدها، تبرز الحاجة الملحة إلى إصدار قانون حديث ينظم الحياة السياسية ويحدد الضوابط القانونية لتأسيس الأحزاب، بما يطوي صفحة عقود من الاستبداد ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على المشاركة والتعددية.
إن وجود أحزاب سياسية فاعلة لا يمثل مصدر ضعف للدولة، بل يعد أحد أهم أسس الدولة الحديثة، لأنه يتيح التداول السلمي للسلطة، ويعزز التعددية، ويسهم في الوصول إلى حكم رشيد قائم على المنافسة البرامجية واحترام القانون. كما يشكل الإطار الحضاري لتنظيم الاختلاف والتدافع السياسي والاجتماعي بصورة سلمية، بعيداً عن العنف والإقصاء.
ومن المؤسف أن تُشوَّه فكرة العمل الحزبي أو تُختزل في تصورات سلبية تخالف التجارب الإنسانية الناجحة، أو أن تُرفض بدوافع لا تستند إلى قراءة موضوعية للتاريخ أو لاحتياجات الدولة الحديثة.
إن سورية اليوم بحاجة إلى ثورة تشريعية وقانونية تنسجم مع توجهها نحو الانفتاح على العالم، وإعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع، ويتطلب ذلك تحديث المنظومة القانونية في مختلف المجالات الاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية، بما يتيح مشاركة مختلف التيارات الوطنية في صياغة مستقبل البلاد، ويعزز التنافس عبر برامج واضحة تعالج قضايا التعليم والصحة والاقتصاد والدفاع والعلاقات الخارجية وغيرها.
ومن هذا المنطلق، فإن إصدار قانون عصري للأحزاب السياسية ليس مجرد استحقاق تشريعي، بل ضرورة وطنية لترسيخ حياة ديمقراطية سليمة، تتيح مشاركة جميع القوى الوطنية الملتزمة بالثوابت الدستورية والمصلحة العامة.
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن التعددية الحزبية، ضمن محددات قانونية ودستورية، كانت من أولى الخطوات التي انتهجتها الدول التي انتقلت من الشمولية إلى الانفتاح والتعددية، ومن الاستبداد إلى الديمقراطية، كما حدث في دول أوروبا الشرقية، ومنها رومانيا بعد شاوشيسكو، وألبانيا بعد رامز عليا، وقد أسهم هذا المسار في ترسيخ الاستقرار السياسي وتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة، وفتح آفاق أوسع للإصلاح والتنمية.
كما أن وجود حياة سياسية تعددية، ينظمها القانون، يمنح المجتمع الدولي ومؤسساته مؤشرات إيجابية على جدية التحول الديمقراطي، وهو ما ينعكس على فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، وفي الحالة السورية، من شأن ذلك أن يدعم جهود إعادة الإعمار، ويعزز الثقة بمستقبل البلاد، ويقطع الطريق على محاولات بعض القوى الساعية إلى إعاقة مسار التعافي واستعادة الدولة لدورها الطبيعي.
ومن جهة أخرى، تفتح التعددية الحزبية المجال أمام مشاركة أوسع للشباب والنساء في الحياة العامة، بما يثري التجربة السياسية ويعزز حيوية المجتمع، ويتيح بروز قيادات جديدة قادرة على مواكبة تحديات المستقبل.
أما القول: إن الانتماء الحزبي يتعارض مع الانتماء الوطني، فهو طرح لا تؤيده التجارب الديمقراطية ولا التاريخ السوري نفسه، فالانتماء إلى حزب سياسي لا ينتقص من الوطنية، بل قد يكون أحد أشكال التعبير عنها من خلال العمل السلمي المنظم لخدمة الوطن، كما أن كثيراً من الأحزاب والقوى السياسية السورية قدمت تضحيات كبيرة في مواجهة الاستبداد على امتداد عقود، وأسهمت في الدفاع عن قيم الحرية والكرامة قبل اندلاع الثورة السورية وخلالها.
إننا ومن موقعنا الوطني نتطلع، مع نهاية المرحلة الانتقالية، إلى مجلس تشريعي منتخب انتخاباً حراً ومباشراً ونزيهاً، على أساس برامج سياسية واضحة، ومن خلال تواصل مباشر بين المرشحين والناخبين، وفي ظل رقابة محلية ودولية تضمن نزاهة العملية الانتخابية، وذلك بعد إنجاز دستور دائم للبلاد، وإقرار قانون عصري للأحزاب السياسية.
إن شيطنة الأحزاب والعمل الحزبي لا تخدم مشروع بناء الدولة السورية الحديثة، بل تعيد إنتاج الخوف من السياسة الذي زرعته عقود الاستبداد في المجتمع، ونحن أكثر من عانى من ذلك عبر حقب طويلة، أما المستقبل الذي يتطلع إليه السوريون، فلا يمكن أن يقوم إلا على التعددية السياسية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، والتنافس بين البرامج والرؤى الوطنية في إطار الدستور، وبما يحقق مصلحة سورية ويصون وحدتها، ويعزز مكانتها بين الأمم.






