مسؤولية ثقيلة أمام نبيل فهمي

محمود الريماوي

تولّى الدبلوماسي، وخبير شؤون النزاعات والأمن الدولي نبيل فهمي، منصب الأمين العامّ التاسع لجامعة الدول العربية مطلع يوليو/ تمّوز الحالي، في وقت تشتدّ فيه التحدّيات الجسيمة التي تواجه الأمن الجماعي العربي، وتتراجع فيه، إلى ما دون الصفر، ثقةُ الرأي العام العربي بهذه المنظّمة القومية – الإقليمية التي يفوق عمرها (91 عاماً) عمر الأمين العام الجديد بـ16 عاماً. وبعد تزكيته لهذا الموقع الرفيع من دولة المقرّ، مصر، وقبول هذه التزكية من الدول الأعضاء، فإنّ نبأ تعيينه لم يثر صدىً يُذكر، على الرغم ممّا يتمتّع به من كفاءة ومن استقلالية شخصيته السياسية والفكرية، نظراً إلى استحواذ الحرب الأميركية على إيران ومباريات كأس العالم على أقصى درجات الاهتمام العامّ في منطقتنا.

وقد كان من اللافت أنّ أوّل خبر عن أنشطة المسؤول الجديد ظهر بعد أيّام من شغله منصبه. فقد اختار رام الله أوّل مقصد لتحرّكاته، غير أنّ السلطة الفلسطينية أبلغته أنّ القائم بالاحتلال رفض السماح للمسؤول عن أكبر منظّمة جماعية عربية بأداء هذه الزيارة. ولا غرو أنّ فهمي لم يفاجأ بهذا الرفض، في ضوء ما يقترفه الاحتلال من تعدّيات متنوعة الأشكال، وفي مقدّمها الاندفاع إلى سرقة مزيد من الأراضي والتنكيل الجماعي بالرازحين تحت الاحتلال. غير أنّ الرجل لا بدّ أن يستوقفه امتناع الدول الأعضاء عن التعقيب، مجرّد التعقيب، ولا نتحدّث عن اعتراض أو تدخّل، على هذا الصَلف الذي لا ينال منه شخصياً، بقدر ما يسعى مرتكبوه إلى المساس بالمكانة الاعتبارية والوزن الرمزي لهذه المؤسّسة القومية. وهو ما يكشف ثقل المسؤولية وتعقيدها، اللذَين قد ينوء بهما الرجل في الأعوام الخمسة المقبلة، وهي مدّة ولايته. إذ قبل أن تراعي دول العالم وهيئاته ومؤسّساته مكانة جامعة الدول العربية وأمينها العام بما يستحقّان من الاحترام، من الواجب، حكماً وبداهةً، أن يتمتّع الأمين العام بدعم معنوي ودبلوماسي وسياسي ملحوظ من الدول الأعضاء التي تلاقت على اختياره لحمل هذه المسؤولية وأداء هذه الأمانة، لتمكينه من النهوض بعمله في ظروف مؤاتية أو طبيعية.

غابت الجامعة، وبدت أقرب إلى الاضمحلال في أنظار الرأي العام

من المعلوم، في هذا المقام، أنّ صلاحيات أمين عام الجامعة محدودة، وذات طابع إداري شبه بيروقراطي، غير أنّ تاريخ الجامعة يشهد بأنّ ثمّة فرقاً بين أمين عام وآخر، وأنّ المسؤول الأوّل في هذه المؤسّسة يترك أو لا يترك شيئاً من بصماته وطريقة أدائه، بل ومن فهمه لموقعه. فثمّة من أضفى مزيداً من البيروقراطية على هذا الموقع، وهناك من سعى إلى أداء دور قيادي ذي منحى سياسي، بدل الاكتفاء بأداء المهام المعهودة. وتفرض المرحلة، كلّ مرحلة، وطبيعة الظروف السياسية، اعتباراتهما: قيودهما، وممكناتهما، وآفاقهما، على حركة أمين عام الجامعة. وبتفاعل الاستعداد الشخصي والقناعات الذاتية وروح المبادرة لدى الأمين العام مع الظروف العربية العامّة والخيارات السياسية الفعلية للدول الأعضاء، وتظهر نتائج هذا التفاعل في أداء المسؤول.

يرث فهمي تركةً ثقيلةً، فقد غابت الجامعة، وبدت أقرب إلى الاضمحلال في أنظار الرأي العام، كما في أنظار العالم الخارجي خلال العقد الماضي، بعد أن أظهر النظام العربي الرسمي ضعفاً في الاستجابة للتحدّيات، وهو ما تدلّل عليه الكوارث في السودان وغزّة والضفّة الغربية واليمن، والتعدّيات الجسيمة على دول الخليج والأردن، كما على سورية ولبنان، علاوةً على اضطراب الأوضاع في ليبيا والصومال والعراق، مع سيادة شعور عامّ بانسداد الآفاق والتطيّر من الآتي، نتيجة السطوة الجامحة للعامل الخارجي، الأميركي والإسرائيلي والإيراني، وكذلك نتيجة التلكؤ العربي في التعامل مع مشكلات وتحدّيات ذات طبيعة داخلية في عدد من الدول.

من الواجب أن تدعم الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية الأمين العام معنوياً ودبلوماسياً وسياسياً

والراجح أنّ العالم العربي يمرّ حقّاً بفترة شائكة، إذ اتّسعت الشقّة بين الدول الأعضاء في وضع محدّدات للأمن الجماعي، على الرغم ممّا تتوشَّح به بيانات المجالس الوزارية والقمم العربية من عبارات تنمّ عن روح الوفاق وإرادة التوافق، ومن نبرة حارّة تشدّد على التضامن التام بين الدول الأعضاء. غير أنّ السياسات الفعلية المتّبعة تكشف فجوةً كبيرةً في الرؤى والمفاهيم، وباتت مصطلحات وصيغ المفاهيم السيادية تُستخدَم للتدليل على أنّ من حقّ كلّ دولة، منفردة، رسم المخاطر، وتعيين الأولويات، وتحديد الصديق والعدو. علماً أنّ نشوء الجامعة العربية وانضمام الدول الأعضاء إليها تباعاً جاءا ثمرةً لاستقلال الدول، وسعيها إلى توطيد أركان استقلالها، وللحاجة إلى دعم الدول غير المستقلّة بعد، آنذاك، في أربعينيّات القرن الماضي وخمسينياته. على أنّ أحداً لم يتخيّل أنّ النزعة الاستقلالية هذه، التي يُعبّر عنها بتغليب ما هو سيادي على ما عداه، يمكن أن تتعارض مع موجبات تعزيز الأمن الجماعي أو الالتزام بميثاق الجامعة أو وضع حقوق ومصالح بقية الدول الأعضاء في الاعتبار.

ولأنّ مصالح العالم باتت متشابكةً، علاوة على طبيعة التحدّيات الخارجية وتزايدها، فذلك ما يفرض بناء صيغ من التعاون المؤسّسي، ومن خلال الجامعة، مع دول صديقة فاعلة في الإقليم من أجل استدخالها، بصيغة أو أخرى، إلى إطار العمل المشترك، وكما هو الحال مع تركيا وباكستان وماليزيا، فضلاً عن الحاجة إلى تعزيز العلاقات ومأسستها مع الصين، الدولة الكُبرى، في حال رغبت هذه الدولة الصديقة في إبداء مزيد من الاهتمام السياسي بمنطقتنا، ورأت في أزمات العالم العربي الملتهبة مساساً شديداً بالأمن والسلم الدوليَين، يستوجب قدراً من التدخّل الملموس.

في أوّل مؤتمر صحافي عقده عقب تسميته أميناً عامّاً جديداً، صرّح نبيل فهمي إنّ الجامعة “ستسعى خلال المرحلة المقبلة إلى استعادة ثقة الشعوب العربية من خلال دور أكثر فاعلية وتأثيراً في مختلف الملفّات السياسية والاقتصادية والتنموية”. ومن يعرف الأمين العام الجديد للجامعة يشهد له بالخبرة الواسعة، وروح المبادرة، وموهبة اجتراح المقترحات الفعّالة، ونبذ سياسة ترك الأزمات على حالها إلى أن يحلّها الزمن، أو إيكال أمر معالجتها إلى “الأصدقاء الدوليين”، وهو ما يقتضي حشد الدعم له من مؤسّسات رسمية إلى جانب المؤسّسات والهيئات الأهلية، ما إن يشرع في مسعى كسر حالة الجمود والتخشّب التي تكبّل الإرادة العربية الجماعية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى