
دأب الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) خلال الأيام الأخيرة على إطلاق تصريحات متتابعة تشير إلى رغبته واقتراحه على السوريين واللبنانيين، بضرورة دخول قوات سورية إلى لبنان من أجل إنهاء ظاهرة ميليشيا حزب الله في لبنان. ورغم تأكيدات الرئيس السوري أحمد الشرع على عدم الموافقة في الانخراط ضمن الوضع اللبناني، والاكتفاء بالدعم عن بعد للحكومة اللبنانية، من أجل الخروج من عنق الزجاجة، ومنع التعديات الإسرائيلية المتوالية والمستمرة على لبنان. إلا أن استمرار الرئيس الأميركي في إعلانه هذا، يشير إلى رغبة أميركية في الضغط على حكومة (بنيامين نتنياهو) المتطرفة، بعد جملة خلافات بينهما، بما يخص الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخرًا، بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وصولًا إلى اتفاقات دائمة مزمعة، بعد مفاوضات يفترض أن تبدأ بينهما قريبًا، لإنهاء حالة وجود التخصيب النووي بين أيدي طهران، ومن ثم تهديدها المنطقة العربية برمتها، عبر احتمالات امتلاك ذلك السلاح النووي.
الضغط والإصرار الأميركي على الجميع للوصول إلى حالة تهدئة نسبية ترخي بسدولها على الأوضاع في الشرق الأوسط، حتى يخرج ترامب منتصرًاـ ثم يوحي بأنه هو وحده من استطاع ذلك، وأنجز ما عجزت عنه كل الإدارات الأميركية المتلاحقة.
يصر (دونالد ترامب) على إنجاز الاتفاق بعد توقيع مذكرة التفاهم، ويمارس بالضرورة ضغوطه على الجميع، ومنهم سورية للخروج من الحرب منتصرًا، والتأكيد على سيادة القطبية الواحدة الأميركية على العالم، والتي يحاول دائمًا الإصرار على تمظهرها عالميًا، وبأنه لا أحد يقود المنطقة أو العالم سوى أميركا التي يرأسها (دونالد ترامب) شخصيًا.
المشهد يشير إلى قوة أميركا وتمكنها من كل دول المنطقة، وقدرتها على جر الجميع إلى حيث تريد. لكن الموقف السوري لحكومة ما بعد التحرير، يبين للمنطقة وللعالم أن سورية اليوم غير سورية الأمس، وأن الانخراط أو الغوص في الوحل اللبناني، لن يكون أبدًا، لأن سورية الجديدة تعلمت الدروس تلو الدروس، من كل ما فعله نظام الاستبداد والفاشيست الأسدي عبر تدخله الوظيفي في لبنان، والواقع الفلسطيني، وسواه من القضايا العربية، التي أوصلته إلى حالة العبث في المنطقة، والإيغال في الدم السوري، واللبناني، وكذلك الفلسطيني، دون وازع من ضمير أو أخلاق، أو حتى من موقف سوري وعربي نظيف أو شريف.
إن تجربة سورية أيام حكم حافظ الأسد وابنه من بعده في لبنان، لا يمكن لعاقل في السياسة أن يكررها، حتى لو كان ذلك بضغط من (دونالد ترامب) شخصيًا. ويبدو أن الضغط الأميركي يتعدى حالة التصريحات والإشارات، التي يدرك ترامب عدم إمكانية تنفيذها، يضاف إلى ذلك عدم موافقة نتنياهو كذلك، على أي وجود سوري في لبنان، لأنه لا يثق بحكومة دمشق، ومنعًا لتكرار حالات سابقة لا يبدو أن الإسرائيليين يمكن أن يستوعبوها حاليًا.
الأهم من كل ذلك أن هناك توافقًا عربيًا سعوديًا خاصة مع الحكومة السورية، على عدم الانخراط في الأوضاع اللبنانية عسكريًا، وعلى وجود قناعة مفادها أن الحكومة اللبنانية وبعد أن تم تقليم أظافر إيران في المنطقة، وبعد الخسارات الكبرى التي لحقت بأوضاع حزب الله في لبنان، سيكون في مقدورها وبالتساوق مع سياسات جديدة مدعومة غربيًا وعربيًا من إنجاز مهمة تجريد مليشيا حزب الله من كل ما يمتلكه من سلاح، وحصر ذلك بيد الدولة اللبنانية والمؤسسة العسكرية الرسمية اللبنانية، وهي المخولة وحدها في الدفاع عن لبنان ولا يمكن لدولة تحترم نفسها يأن تسمح لمليشيا، أية ميليشيا تتبع إيران، أو غير إيران أن تجرها إلى حروب تؤدي إلى دمار البنية التحتية، والخراب في كل شيء، وخسارات كبرى في ارواح اللبنانيين المدنيين.
السياسة السورية الجديدة تغيرت، ولم يعد بالإمكان الخوض في حروب خارجية، لأن الاستقرار السوري وبناء الدولة، التي دمرها المجرم بشار الأسد هي صاحبة الأولوية، ولا يتعداها شيء، وما بين لبنان وسورية من علاقات يرتقي إلى مستويات إيجابية جديدة ، ولا يمكن أن تتم إعادة سياسات الأسد في لبنان، فقد تعلم السوريون الدرس ..علاوة على أن السياسات السورية الجديدة تأخذ مناحي أخرى، تحرص فيها على حيوات السوريين واللبنانيين على حد سواء، وسوف يعاد صياغة كل العلاقة اللبنانية السورية بما يخدم مصالح البلدين، وحل كل الملفات العالقة، بدءًا من ترسم الحدود، إلى الإفراج على المعتقلين السوريين في سجون لبنان، إلى بناء علاقة اقتصادية تبادلية، تخدم جل مناحي التجارة البينية بينهما .
لذلك فإنه لا تدخل سوري في لبنان، ولا انخراط عسكري في الواقع اللبناني، مهما كانت هناك من ضغوط أميركية على دمشق.. إذ إن كل المعطيات، والقيم والعقلانية الرصينة في السياسة السورية، تشير إلى ذلك، ومستقبل الأيام سوف يؤكده ويثبته بكل تأكيد.






