
لن ندخل في نقاش الآن حول الطريقة التي تم بها ” انتخاب ” أو ” تعيين ” مجلس الشعب، ليس لعدم أهمية الموضوع فاختيار الطريق يوحي بطبيعة الهدف، ولا يمكن توقع برلمان ديمقراطي مستقل سوى من برلمان تم انتخابه بطريق ديمقراطي حر. والجدل هنا سوف يبدأ من أن المرحلة انتقالية وكل ما فيها لا يمكن أن يكون مطابقا للمواصفات الديمقراطية ف” الانتقالية ” تفسر بالاستثناء والمشكلة تبقى بحدود الاستثناء والخشية من أن يصبح ” القاعدة ” والتبرير الحاضر في أي نقاش.
إذن لنترك قليلا النقاش حول مجلسنا الجديد وهل هو مجلس استثنائي ينبع استثناؤه من المفهوم ” الانتقالي” وماذا يمكن أن يعني ذلك في الواقع. ولننتقل إلى السؤال الذي يعترضنا الآن بعد أن أصبح المجلس واقعا على الأرض، أي ماذا نريد من المجلس؟
أول ما يخطر ببال كل سوري هو الأمل أن لا يكون المجلس شبها لمجلس الشعب في النظام البائد، مجلس المصفقين والنائمين الذين يستيقظون حين يطلب منهم رفع الأيدي.
التحدي الكبير أمام المجلس الحالي هو أن يقنع السوريين أنه ابن الثورة السورية وليس من ميراث الحقبة الأسدية مع تغيير في الأشخاص وإعادة تأهيل لمبنى المجلس.
لكن ما معنى أن يكون مجلس الشعب ابنًا للثورة السورية حتى في المرحلة الانتقالية؟
معناه كما نعتقد أن يحجز له مكانا وفعالية في هيكلية الدولة السورية ليس فقط عبر التشريع، ولكن عبر مراقبة عمل السلطة التنفيذية ومحاسبتها.
فمجلس نيابي لا سلطة له على المؤسسة التنفيذية هو مجلس قاصر يفتقد واحدة من أهم واجباته.
وأن يكون عمله شفافا يستطيع المواطن متابعته والتفاعل معه، وأن لا تقيد صلاحياته الدستورية إلى الحد الذي تفقده مكانته وهيبته ونفوذه في الدولة كما كان يحدث في عهد الأسدين.
كونه مجلسا ” انتقاليا” لا ينبغي أن يشعره بأن له سقفا منخفضا ينبغي أن يعمل من خلاله، كأن يقتصر عمله على التشريع دون أن يكون رقيبا على السلطة التنفيذية، أو يكون مهتما بنقل معاناة الشعب والحرص على دراستها وتقديم الحلول أو دراسة الحلول المقترحة.
نجاح مجلس الشعب في اجتياز هذا الاختبار الصعب لا يعتمد فقط على ما يمنح له من صلاحيات، ولكن على كيف يستثمر تلك الصلاحيات ويوسعها واقعيا ليثبت أعضاؤه كفاءتهم وتفانيهم وأن المناصب التي منحت لهم سواء من الشعب أو الحكم هي تكليف وليست تشريف.
سوف يكون مجلس الشعب تحت رقابة الملايين، فسورية اليوم ليست سورية العهد الأسدي حين كان الشعب مرغما على الصمت تحت وطأة الخوف من أجهزة الأمن وفروعها الشيطانية.
والحرية التي يتمتع بها السوريون الآن ستنعكس في مراقبة وتتبع كل ما يقوم به مجلس الشعب وما لا يقوم به أيضا.
ثمة مهام ضخمة تنتظر مجلس الشعب، يأتي في مقدمتها إنجاز القوانين التي تأخر إنجازها مما تسبب في عرقلة الاقتصاد وإعادة الاعمار، وكون المرحلة التي نمر بها مرحلة انتقالية يعني أن الجهد المطلوب بذله من مجلس الشعب للاستجابة لمتطلبات المرحلة ينبغي أن يكون جهدا مضاعفا واستثنائيا.
في عهد النظام البائد، كان الشعب السوري قد أسقط من حسابه منذ زمن طويل أن هناك هيئة سياسية حقيقية ذات احترام ومكانة ودور سياسي فعال اسمها مجلس الشعب، وعلى مجلس الشعب الجديد أن يقنعنا أنه ذو طبيعة مختلفة تماما تنتمي إلى ثورة الشعب السوري، ثورة الحرية والكرامة.






