تجديد “خطر” المركز العربي للأبحاث على إسرائيل

نزار السهلي

من لم يعرف ما هي الهستيريا السياسية والأمنية، فما عليه إلا أن يتابع الهجمة الإسرائيلية على المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والتحريض الجديد القديم عليه، لا يمكن وصفه إلا أنه جنوح أكثر نحو فاشية دولة تتفاخر بامتلاك قوة نووية وتفوق جوي، وقدرات تجسسية وسيبرانية مرعبة.

تجد نفسها اليوم فاشلة بانجاز تدمير وعي عربي وفلسطيني، واقتلاع وجوده بعدوان مستمر عليه وعلى أرضه، وبسن قوانين تمييز عنصري ضده، لن يجعل استمرارية التمسك بمزاعم الدولة “الديمقراطية” الوحيدة في المنطقة متماسكة، من دون كيل الاتهامات وتحميل مسؤولية “الكارثة”، التي تُسرع إليها إسرائيل من دون إعادة فبركة “العدو”وإعادة تنميطه في جدار الخطر.

آخر تحريض على الدكتور بشارة، نشره كاتبه ميخائيل كلاينر، في صحيفة معاريف العبرية، بعنوان: “لا خامنئي ولا أردوغان هم الخطر بل عضو الكنيست السابق عزمي بشارة”، هذا العنوان التحريضي ليس جديدا ولن يكون الأخير، في مواجهة إسرائيل لحقيقتها.

فاعتبار المفكر العربي بشارة مسؤولا عما آلت إليه صورة إسرائيل في الولايات المتحدة وعند يهودها، بسبب نشاط مزعوم لبشارة ولدولة قطر بأنهما السبب في إمكانية خسارة إسرائيل لأهم أصولها “الصوت اليهودي” في الولايات المتحدة، بسبب نشاط وفاعلية المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مع مؤسسات إعلامية وبحثية تتبع له، إذاً لا جريمة النكبة، ولا الاحتلال المستمر، ولا استخدام القوة الفاشية ضد الفلسطينيين والعرب وسن قوانين عنصرية تدعم المستعمرين في قتل وطرد سكان الأرض الأصليين هي الجوهر والعقيدة، التي قامت واستمرت بفضلها إسرائيل، هي جوهر الخطر الحقيقي، بل طريقة تفكير العربي، بهذه الفاشية ومدى قبوله بها، والانسحاق معها والخضوع لها، يفشل، بأن تكون إسرائيل دولة “طبيعية” في المنطقة.

حين انخرط سكان فلسطين في الداخل المحتل عام 48 ضمن أحزاب وتشكيلات سياسية تعبر عن هويتهم وانتمائهم لأرضهم ووطنهم وتاريخهم، وبدأت تتبلور ملامح جديدة من استرجاع الهوية وحمايتها من الأسرلة والنضال ضدها، تنبهت المؤسسة الصهيونية لهذه المخاطر في اتباع سياسة الاحتواء للبعض..

وعليه، ممنوع على العربي والفلسطيني أن يفكك الطبيعة الصهيونية ويفضح مزاعمها وأساطيرها ومخاطر سياساتها عليه وعلى وجوده، وأن يفكر ويبحث ويتسلح بالمعرفة والوعي ويسجل ويؤرخ ويناقش، وينشر معاناة شعبه وحقيقة قضيته، ونضاله ضد مستعمر إحلالي استيطاني، فهذه المعرفة خطيرة على السردية الصهيونية في الغرب والولايات المتحدة، وعلى إسرائيل من الداخل.

فحين انخرط سكان فلسطين في الداخل المحتل عام 48 ضمن أحزاب وتشكيلات سياسية تعبر عن هويتهم وانتمائهم لأرضهم ووطنهم وتاريخهم، وبدأت تتبلور ملامح جديدة من استرجاع الهوية وحمايتها من الأسرلة والنضال ضدها، تنبهت المؤسسة الصهيونية لهذه المخاطر في اتباع سياسة الاحتواء للبعض، والقمع والمطاردة والتهديد لاقتلاع شوكة أصحاب الأرض المتنامية دون أن تفلح، وبما أن سياسة العدوان لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم تتطور وتتسارع بجرائم الضم والاستيطان والقتل والتهجير، فإن حالة الانفجار الحاصل، بحاجة لتضخيم مخاطر ” العدو ” وشيطنته وإلباسه رداء الخطر.

تلفيق خطر بشارة على إسرائيل والتحريض ضده هو عملياً تهديد لمن يفكر من الفلسطينيين والعرب في فضح زيف تعريف إسرائيل كدولة سلام وديمقراطية، بينما الواقع يشير إلى نظام شديد العنصرية ضد الفلسطينيين على أرضهم التاريخية، وضد العرب، بمعنى أن إسرائيل دولة عرقية لا ديمقراطية وتطبق نظام الفصل العنصري حرفياً.

وليس هذا كل شيء فهي دولة دينية “يهودية” وليست لكل مواطنيها، وتمارس الاحتلال المباشر والإبادة الجماعية للسكان الأصليين، وفق مبدأ توراتي وتلمودي، هذا لا يقوله المفكر العربي بشارة ولا مراكز البحث، التي تعتبرها إسرائيل خطراً، إنما تقره وتنطقه سياسات وبرامج صهيونية تنفذ على الأرض، ويتبارى قادة الفاشية في إسرائيل تاريخياً على الجهر بمشاريع الإبادة للفلسطينيين والعرب وطردهم والاستيلاء على أرضهم واستيطانها تحقيقاً لنبوءة مشروع “إسرائيل الكبرى” تتطلب الدعوة ضربهم بقنابل نووية والاستعلاء على المجتمع الدولي والتنصل من قوانينه والانقلاب على المعاهدات والمواثيق.

فإذا كانت المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية وأمينها العام، والأونروا وموظفيها، مع المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية وترهيب المتضامنين مع عدالة القضية الفلسطينية حول العالم، كلها كيانات خطرة ومعادية لإسرائيل، فمن “الطبيعي” أن يكون الهوس الصهيوني وهستيريا بن غفير وسموتيريتش ونتنياهو، امتدادا لواقع صهيوني مليء بغرائز التشبث بعنصرية قمعية فاشية تحكم وجوده.

الخطر الذي تشعر به إسرائيل، ليس من قوة عسكرية غير موجودة في جعبة الفلسطينيين والعرب، ولا في ميزان قوة كفته الأمنية والعسكرية والسياسية تميل دوماً لصالح مشروع استعماري تمثله في المنطقة، الخطر في تبدل الوعي الغربي عن إسرائيل وباعتراف حليفها الأميركي..

والهجوم على الفلسطيني والعربي، إن كان مفكرا وباحثا وكاتبا وفنانا وإنسانا، وينتمي إلى أي حقل من حقول المعرفة والنضال والإنسانية، وفعله يعزز من حدة مأزق السردية الصهيونية، ويفندها ويجعلها مختلة، فهو ينتمي لمرتبة الكيانات الخطرة المعادية لهذه الفاشية، ولأن هناك من لا يستسلم تحت وطأة القمع وتلفيق الأكاذيب وفضح السرديات الكاذبة لدولة قامت عليها، وتشبث في تصور ما عن واقع يرغب أن يكون خلافاً لما يرغبه الصهيوني بعدم ارتقاء الضحية لمستوى حضاري ومعرفي، ليبقى هدفا يقذف به العربي ويضعه في دوامة التخلف والجهل والانحطاط وينعت بـ”الارهاب”.

الخطر الذي تشعر به إسرائيل، ليس من قوة عسكرية غير موجودة في جعبة الفلسطينيين والعرب، ولا في ميزان قوة كفته الأمنية والعسكرية والسياسية تميل دوماً لصالح مشروع استعماري تمثله في المنطقة، الخطر في تبدل الوعي الغربي عن إسرائيل وباعتراف حليفها الأميركي، والخطر في تعزيز مكانة وعدالة قضية فلسطين في الوعي العربي حسب المؤشر العربي، والخطر في تجليات النزعة العنصرية العدوانية على أشدها بعد جرائم الإبادة في غزة، ومطالبات الفاشية الصهيونية الحاكمة بمزيد من التوسع والسيطرة والضم لأراضي الفلسطينيين والعرب في سوريا ولبنان، تمهيداً لفرض حالة استسلام جماعي على المنطقة.

كل هذه المخاطر وغيرها، كانت وستبقى محل تحدٍ عربي، ولمراكز بحث وتفكير ولمؤسسات إعلامية ولنخب ومثقفين عرب وغربيين، ولسنا بصدد الدخول في تفاصيل ماهية الدور الذي لعبته وتلعبه هذه المؤسسات، لكن اقترابها من نبض الإنسان وعقله ومن تطلعات الشارع العربي، وانتقالها إلى مرحلة أكثر تقدم وتأثير، يجعل من المحاولات الصهيونية الخبيثة، أن تمضي في التلفيق والشيطنة لمن يفكر في فضح الزيف الإسرائيلي، ولمن جعل مهمة التطبيع الشعبي العربي معها شبه مستحيلة.

فتجديد إسرائيل لمخاطر مشروعها الاستعماري الاحتلالي تقوم به هي نفسها نيابة عن كل الإعلام وعن مراكز البحث والدراسة، التي تقوم بدورها بتفكيك سرديته وذرائعه، والتي يتصدى لها كثيرون من المركز العربي للأبحاث، إلى أي رافع لعلم فلسطين في شوارع وعواصم غربية تعبيراً عن إيمان بعدالة قضيتها، ورفض للعدوان وللتطبيع مع اسرائيل، والدعوة لمقاطعتها ومقاضاتها، وتلك فضيحة لا تُستر بتجديد الاتهام لأي حر ومثقف وإنسان ومؤسسة بحثية على وجه الكوكب.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى