
مع مرور الوقت، تتراجع قيمة الإنجازات في نظر الناس ويعتادها المرء، فيبقى القادم من الخارج أكثر قدرة على لمس التغيّرات؛ لأنه يحتفظ في ذاكرته بصور سابقة لم تُمحَ تماماً بفعل الاحتكاك اليومي الذي يألفه الساكن في حارات دمشق ومدن سوريا.
تبدأ ملاحظة التغيير منذ الحدود السورية اللبنانية، حيث يبدو التعامل مختلفاً تماماً عمّا كان عليه سابقاً، بل حتى عمّا شهدته البلاد في الأشهر الأولى، التي تلت التحرير، ثمة سعي إلى إظهار صورة أكثر تنظيماً واحتراماً للمسافر وتقليص مظاهر الاستعلاء الأمني، التي ارتبطت لسنوات طويلة بالمعابر والمؤسسات الرسمية.
أما دوائر الدولة، فعلى الرغم من أنها لم تصل بعد إلى الحالة المثالية، فإنّها تبدي اهتماماً واضحاً بالتحسين المستمر والتطوير، حيث ما تزال البيروقراطية حاضرة، وما تزال الإمكانات محدودة، لكن الفارق يكمن في وجود رغبة بالاستماع ومعالجة الخلل، بدلاً من التعامل معه باعتباره أمراً طبيعياً لا يمكن تغييره.
كما لا تبدو دمشق متجهة إلى مواجهة عسكرية مع “حزب الله”، رغم الخلاف العميق معه والهواجس الأمنية المرتبطة بالسلاح والحدود والتي لم تنته جذورها والخوف منها..
في الشارع، يظهر التغيير بصورة أكبر في العلاقة بين الناس والفضاء العام. تراجعت كثير من الرموز والشعارات، التي كانت تملأ الجدران والساحات، وحلّت محلها محاولة لصناعة هوية عامة جديدة، كما أن الحديث في السياسة لم يعد محاطاً بالقدر نفسه من الخوف والحذر، وإن بقي السوريون مترددين في اختبار حدود المرحلة الجديدة بالكامل بعد عقود طويلة من القمع.
دمشق نفسها لم تتغير عمرانياً بالقدر الذي قد يتوقعه من تابع الحرب من الخارج، إذ بقيت مناطق واسعة من مركز المدينة وأحيائها الأساسية بعيدة عن الدمار الكبير، لكن التغيير الحقيقي يظهر في الأجواء المحيطة بالمكان: في وجوه الناس، وفي أحاديثهم، وفي طريقة تعامل المؤسسات معهم، وفي شعورهم بأن الدولة لم تعد مغلقة بالكامل أمامهم.
كذلك تبدو الحركة التجارية والسياحية أكثر نشاطاً، ولا سيما في دمشق القديمة والأسواق والمطاعم، المدينة مزدحمة، والمحلات مفتوحة، وثمة رغبة واضحة لدى الناس في العودة إلى الحياة الطبيعية وتعويض ما فاتهم، غير أن هذا المشهد لا يلغي الضائقة الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، وضعف الرواتب والخدمات، وهي أزمات تجعل التحول السياسي أسرع بكثير من التحسن المعيشي.
كثيرة هي الملاحظات الأولية التي تستوقف كل زائر للشام، لكن السؤال الأهم بالنسبة إليّ كان كيفية مقاربة القيادة السورية الجديدة للشأن اللبناني، ولا سيما بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في الثاني من تموز/يوليو 2026.
لم تختلف مقاربة المسؤولين الذين التقيتهم كثيراً عمّا ظهر خلال الزيارة وما تسرّب عنها. يمكن وصفها، إلى حدّ بعيد، بأنها مقاربة دفاعية لا هجومية وكثير التأني لا مغرقة في الاندفاع؛ أي إن دمشق لا تنظر إلى لبنان بوصفه ساحة لاستعادة نفوذها السابق، بل بوصفه جاراً قد يتحول اضطرابه سريعاً إلى تهديد مباشر للأمن والاستقرار داخل سوريا.
الرسالة الأكثر وضوحاً كانت أن لا نية لدخول عسكري سوري إلى لبنان، ولا رغبة في الحلول مكان الدولة اللبنانية أو الانخراط طرفاً في صراعاتها الداخلية، كما لا تبدو دمشق متجهة إلى مواجهة عسكرية مع “حزب الله”، رغم الخلاف العميق معه والهواجس الأمنية المرتبطة بالسلاح والحدود والتي لم تنته جذورها والخوف منها.
المقاربة المطروحة تقوم على الحوار، ودعم المؤسسات الرسمية اللبنانية، ومحاولة المساعدة في معالجة القضايا الخلافية، وفي مقدمتها السلاح، بمحاولة تقديم المساعدة في مسار لبناني داخلي يحفظ الاستقرار ويمنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية جديدة.
في المقابل، لا يعني عدم التدخل غياب المصالح السورية. فدمشق تريد حدوداً منضبطة تمنع تهريب السلاح والأشخاص، وتعاوناً أمنياً يحول دون استخدام أراضي أحد البلدين للإضرار بالآخر، لكنها ترى أن المدخل الأكثر استدامة لتحقيق ذلك ليس القوة العسكرية، وإنما بناء شراكات سياسية واقتصادية تجعل استقرار كل بلد مصلحة مباشرة للبلد الآخر.
من هنا، يحتلّ التكامل الاقتصادي موقعاً مركزياً في الرؤية السورية: تسهيل انتقال الأفراد والبضائع، وتنشيط طرق النقل والمرافئ، ومعالجة الملفات الحدودية، وفتح الباب أمام تعاون أوسع في مجالات الطاقة والتجارة وإعادة الإعمار.
دمشق تنظر بقلق إلى التمدد الإسرائيلي في كلّ من سوريا ولبنان، وترى أن ضعف الدولة اللبنانية أو انهيارها قد يفتح المجال أمام مزيد من التغوّل الإسرائيلي من جهة، وأمام تعزيز نفوذ “حزب الله” خارج إطار الدولة من جهة أخرى
والفكرة المتكررة هنا هي الانتقال بالعلاقة من ثنائية الهيمنة والخوف إلى ثنائية المصالح المتبادلة، في مقاربة تشبه، إلى حدّ ما، التصور الليبرالي في العلاقات الدولية، الذي يفترض أن تعميق التشابك الاقتصادي والمؤسساتي بين الدول يرفع كلفة الصراع ويجعل الحفاظ على الاستقرار و التعاون مصلحة مشتركة للطرفين.
لا تغيب إسرائيل عن هذه الرؤية للعلاقة مع لبنان، فدمشق تنظر بقلق إلى التمدد الإسرائيلي في كلّ من سوريا ولبنان، وترى أن ضعف الدولة اللبنانية أو انهيارها قد يفتح المجال أمام مزيد من التغوّل الإسرائيلي من جهة، وأمام تعزيز نفوذ “حزب الله” خارج إطار الدولة من جهة أخرى.
لذلك، فإن المصلحة السورية تكمن في قيام لبنان قوي وقادر على الصمود في وجه الضغوط الإسرائيلية، ولكن عبر استعادة الدولة لقرارها وسيادتها، لا عبر بقاء موازين القوة الداخلية مختلّة لمصلحة الحزب.
باختصار، تبدو دمشق راغبة في بناء علاقة مختلفة مع لبنان، لا تستعيد الوصاية ولا تنسحب من تأثير الجغرافيا والمصالح المشتركة، مقاربتها تقوم على دعم الدولة، وتجنّب المواجهة الداخلية، وضبط الحدود، ومواجهة التهديد الإسرائيلي، مع تقديم الاقتصاد والتكامل بوصفهما المدخل الأكثر استدامة لإعادة بناء الثقة بين البلدين.
المصدر: تلفزيون سوريا






