
بعد يوم من إعلان الأحكام الثقيلة بالمؤبّد وبالسجن عشرات السنين الإضافية والمراقبة الإدارية خمس سنوات، بعد استنفاد تلك العقوبات في حقّ رئيس حركة النهضة والرئيس السابق للبرلمان التونسي، راشد الغنوشي، وقيادات نهضوية ذات وزن مثل رئيس حكومة الترويكا الثانية، علي العريض، فيما يُعرف بقضية الجهاز السرّي، ذاع مطلع يونيو/ حزيران الحالي في مواقع التواصل الاجتماعي والصحف والمواقع الإلكترونية المحلّية والأجنبية خبر القبض على خالد الكريشي، المحامي القومي الناصري ونائب رئيس المجلس الوطني لحركة الشعب، من أمام مقرّ سكناه في ضاحية تونس الجنوبية وإيداعه السجن.
من المفارقات أنّ الوظيفة القضائية، وهي من أصدر الأحكام التي تدين القادة “النهضويين” وتطعن في مصداقيتهم، هي نفسها التي ستعتمد شكايةً تقدّمت بها ابتهال عبد اللطيف المحسوبة على حركة النهضة في هيئة الحقيقة والكرامة، الأمر الذي سيؤدّي إلى اعتقال الكريشي وسجنه. علماً أنّ تلك القضية تعود أطوارها إلى سنة 2018، وهي الفترة التي عرفت تنافساً حادّاً وصراعاً مريراً بين حركة النهضة الإسلامية وحركة الشعب القومية العربية في الانتخابات البلدية لسنة 2018، واستمرّت في الانتخابات التشريعية سنة 2019، وتجلّت بوضوح في البرلمان المنبثق عن تلك الانتخابات، وفي أثناء تشكيل حكومة الحبيب الجملي التي أسقطها مجلس نواب الشعب في جلسته العامة يوم 10 يناير/ كانون الثاني 2020، وفي حكومتَي إلياس الفخفاخ وهشام المشيشي، في السنة نفسها.
تخبرنا بيوغرافيا خالد الكريشي عن انتمائه المبكّر للتيار القومي التقدّمي وتأثّره بخطابات الزعيم المصري جمال عبد الناصر وبكتاب “نظرية الثورة العربية” (سبعة مجلّدات) للمفكّر القومي العربي عصمت سيف الدولة، منذ كان تلميذاً في المعاهد الثانوية في القيروان في أواخر الثمانينيّات، والانخراط في أعمال احتجاجية أدّت إلى سجنه المبكّر، وواصل تجربته السياسية والنقابية في التنظيم الطلابي “طلبة قوميون” والاتحاد العام لطلبة تونس بعد التحاقه بكلّية الحقوق بتونس سنة 1993 لدراسة القانون. وبعد حصوله على شهادتَي الأستاذية والدراسات المعمّقة والتحاقه بسلك المحاماة التونسية، خاض الكريشي تجارب تنظيمية ونضالية قطاعية وأخرى سياسية، فتولّى الكتابة العامّة لكلّ من الجمعية التونسية للمحامين الشبان (2002 – 2004) والجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين (2010 – 2012)، وكان مؤسّساً مع محمّد البراهمي، الذي طاولته يد الاغتيال سنة 2013، في تنظيم الوحدويين الناصريين سنة 2005، التنظيم الذي سيمثّل التيار القومي العربي في تونس في هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات (أُسّست في 2005) المعارضة للرئيس زين العابدين بن علي ونظامه الشمولي، إلى جانب كلٍّ من حركة النهضة الإسلامية وحزب العمال الشيوعي التونسي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والحزب الديمقراطي التقدّمي والتكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحرّيات وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وتوثّق إحدى الصور اعتلاء الكريشي شرفة وزارة الداخلية خطيباً في الجمهور الذي تظاهر يوم 14 يناير/ كانون الثاني 2011 رافعاً شعار “ارحل” في وجه بن علي ساعات قليلة قبل هروبه إلى السعودية.
خالد الكريشي من مؤسسي المؤتمر الناصري العام بالقاهرة سنة 2006، وكان عضواً فاعلاً في منظّمة المؤتمر القومي العربي
والكريشي من مؤسسي المؤتمر الناصري العام بالقاهرة سنة 2006، وكان عضواً فاعلاً في منظّمة المؤتمر القومي العربي، وقد تقدّم سنة 2008 بطلب إلى وزارة الداخلية التونسية لتمكينه من إصدار صحيفة تسمّى “الناصرية” من دون أن يحظى طلبه بالقبول، وله مجموعات شعرية وقصصية ودراسات قانونية وكتب، منها “عن العشق والثورة، حديث ما قبل 14 جانفي 2011″، من تقديم المنصف المرزوقي، و”تونس من الثورة إلى الدولة… حديث ما بعد 14 جانفي 2011″، بتقديم المهدي المبروك، والكتاب الذي أصدره قبل أيّام من اعتقاله “الأمّة المنهكة”، بتقديم المولدي القسومي.
ومن أهم التجارب السياسية والمدنية التي خاضها الكريشي بعد سقوط نظام حكم زين العابدين بن علي سنة 2011 اشتراكه في تأسيس حركة الشعب، وهي حزب قومي عربي ناصري، ولعب دوراً رمزياً، فهو من تقدّم بطلب تمكين الحزب من تأشيرة العمل القانوني، وقد صدرت تلك التأشيرة حاملةً اسمه، وفي 2019 كان مرشّح الحركة للانتخابات التشريعية في دائرة القيروان وتمكّن من الفوز بمقعد في البرلمان الذي حُلّ وأجهضت أعماله سنة 2021. أمّا التجربة الأخرى التي لا تقلّ أهميةً، فهي انتخابه، في مطلع 2014، من المجلس الوطني التأسيسي عضواً في هيئة الحقيقة والكرامة، وترأّس لجنة التحكيم والمصالحة.
لا تتّسع هذه المقالة لتقييم تجربة هيئة الحقيقة والكرامة (2013 – 2018) والعدالة الانتقالية المنشودة في تونس، إلا أنّه يمكن الجزم بأنّ مسار العدالة الانتقالية قد وُئد برمّته وأُبيد بالكامل بدءاً من يوم 25 يوليو/ تموز 2021، وأسدل الستار على كلّ قضايا الاعتراف واسترداد الحقوق والاعتذار من ضحايا الحقبتين البورقيبية والبنعلية (1955 – 2011) وما بعدها، إلى سنة 2013.
رأت هيئة الدفاع عن الكريشي أنّ القضية لا تتوافر فيها أركان الجريمة، فسجلّات الرجل المالية لا تتضمّن أيّ نوع من الإثراء أو المال غير المشروع
ويحتفظ الأرشيف الوطني التونسي ومحفوظات هيئة الحقيقة والكرامة بملفّات ووثائق أكثر من مائة قضية سياسية وحقوقية تشمل مختلف القوى السياسية والمدنية التونسية من يوسفيين وقوميين ويساريين وإسلاميين ودستوريين ونقابيين وحقوقيين وحركات اجتماعية وطلابية وحيف اجتماعي وجهوي، تعجّ محاضرها بممارسة التعذيب والاغتيالات والقتل بدم بارد وتصفية الخصوم السياسيين وتشريد العائلات وحرمانها من العلاج وسدّ رمق أبنائهم ومنعهم من العمل ومن حقّ الدراسة والتعلّم وتهميش طبقات اجتماعية ومجموعات سكّانية، بخلفية سياسية بيّنة، ولم يُبتّ فيها، إلا بتدوين حيثياتها في التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة. وعلى سبيل المثال، فإنّ أبناء صالح بن يوسف لم يستطيعوا تحقيق هدف رمزي بانتزاع إسقاط حكم الإعدام في حقّ والدهم الشهيد والزعيم الوطني، وهو حكم يعود إلى 1958 قضت به محكمة القضاء العليا، وهي محكمة استثنائية، لا تتوافر فيها شروط المحاكمة العادلة، أحدثها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في 19 إبريل/ نيسان 1956 للنظر في القضايا ذات الصبغة السياسية، وتحديداً لتصفية اليوسفية، والتخلّص من خصومه ومعارضيه.
ولافتٌ في تجربة هيئة الحقيقة والكرامة أن تُلغى المقدّمات وتبقى النتائج، بأن يُعدَم مسار الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية والبتّ في قضايا الفساد بعد مجيء سلطة 25 يوليو (2021)، وهي قضايا تُظهر إهدار ونهب أموال وثروات التونسيين والدولة التونسية، وخاصّةً تلك المتعلّقة بالنهب العقاري الواسع، على مدى فترات طويلة من تاريخ تونس المعاصر، بينما تستمرّ الحياة في قضية جانبية وفرعية ذات طبيعة محاسبية قد تكون صاحبتها أخطاء تتعلّق بسوء التقدير وضعف الحكامة في التصرّف، من دون أن تتوافر أدلّة على نيات الإضرار بالدولة.
وبهذا المعنى، رأت هيئة الدفاع عن الكريشي أنّ القضية لا تتوافر فيها أركان الجريمة، فسجلّات الرجل المالية لا تتضمّن أيّ نوع من الإثراء أو المال غير المشروع، وأنّه قدّم استقالته من رئاسة لجنة التحكيم والمصالحة في أثناء تفاوض هيئة الحقيقة والكرامة مع سليم زروق صهر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (موضوع القضية) ولم تتضمّن محاضر التفاوض وقرار الصلح المًتّخَذ إمضاء الكريشي، ما جعل قاضي التحقيق يُبقيه في حالة سراح في البداية قبل أن تستأنف النيابة العمومية ذلك القرار وينتهي الأمر إلى الإيداع في السجن.
ولا يمكن فهم اعتقال الكريشي وسجنه إلا ضمن السياق السياسي الذي تعيشه تونس بعد الانقلاب الرئاسي في 25 يوليو، فهو لم يؤيّد ذلك الانقلاب، وكان من بين الأصوات الرافضة داخل حركة الشعب لتعليق عمل البرلمان وحلّه، والمناوئة للأمر الرئاسي عدد 117 ودستور 2022، ما منح الرئيس قيس سعيّد سلطةً مطلقةً لا رقيب عليها من أيّ كان، والمرسوم عدد 54 القامع للحرّيات الفردية والجماعية، وخصوصاً حرّيتَي التعبير والتدوين.
لا يمكن فهم اعتقال الكريشي وسجنه إلا ضمن السياق السياسي الذي تعيشه تونس بعد 25 يوليو (2021)
وبناء على تلك الرؤية السياسية، نافح الكريشي فيما كان يكتبه من مقالات رأي في الصحف التونسية الورقية والإلكترونية عن حرّية الإعلام والتنظيم الحزبي والديمقراطية والتعايش بين فرقاء السياسة والتداول السلمي على السلطة واعتماد صندوق الانتخابات مرجعية وحيدة في حسم الصراعات السياسية، وتطوّع دفاعاً عن الفاعلين والمتهمّين في القضايا السياسية والإعلامية والاحتجاجية من شتّى الحساسيات والأيديولوجيات في مختلف المحاكم التونسية، وكان سنداً لزملاء المهنة من المحامين المودعين السجون، وكلّ من طاولتهم قضايا التآمر والإرهاب والفساد المزعومة، فقد كان يدرك أنّ قضايا الرأي والسياسة والانتماء الحزبي والمدني والنقابي والإعلامي وانتهاك الحرّيات في تونس، يُنزع منها جوهرها وصفاتها الحقيقية وتُكيّف على معنى قوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والمجلّة الجزائية والمرسوم عدد 54.
سيشكّل اعتقال المحامي الناصري خالد الكريشي حرجاً لقوميين ناصريين وعروبيين كثيرين يعتبرون أنّ الرئيس قيس سعيّد مثلهم، قومي ناصري، فإذا بسلطته تزجّ قياديّاً ناصريّاً في السجن في قضية تفوح منها رائحة السياسة، ظاهرها تهمة فساد مالي وباطنها الرغبة في إسكات صوت قاوم نظام زين العابدين بن علي، وانخرط وهو على قناعة تامّة في مسار العدالة الانتقالية للتخلّص من تركة الاستبداد النوفمبري، وهذا التوجّه يعدّ من تابوهات السياسة لدى منظومة الحكم العميقة. وفي الآن نفسه، عبّر عن تضامنه مع (وترافعه عن) أغلب ضحايا سلطة “25 يوليو” من السياسيين والإعلاميين والمدوّنين والمحامين والوزراء والنواب السابقين المحسوبين على العشرية الديمقراطية.
وستؤدّي عملية الاعتقال إلى إضعاف الأصوات المؤيّدة للرئيس قيس سعيّد ومساره في حركة الشعب، ما قد يساعد على انضمام الحركة إلى المعارضات الراديكالية لسلطة 25 يوليو والقطع نهائياً مع صفة الموالاة التي تحوّلت إلى وصم. وبسجن الكريشي تكتمل حلقة القوى السياسية التونسية التي يقبع قادتها ومناضلوها في السجون التونسية، من إسلاميين ويساريين ماركسيين ودستوريين وليبراليين وقوميين عرب، فقد فرّقهم الصراع على السلطة (2011 – 2021)، وها هم توحّدهم معارضة سلطة 25 يوليو وتناقضهم مع الرئيس قيس سعيّد وخياراته، ويلتمّ شملهم في السجون والمنافي القسرية، فهل من مدّكر؟
المصدر: العربي الجديد






