عندما يُحمل “متآمر على الدولة” على أعناق التونسيين

سالم لبيض

                                                                     

يعدّ مساء يوم 17 مايو/ أيار الجاري تاريخياً مشهوداً في مدينة الزهراء في ضاحية تونس الجنوبية، ففيه خرج طيف واسع من أبناء المدينة لاستقبال رئيس بلديتها السابق محمد ريان الحمزاوي، استقبال الأبطال وحملوه على أعناقهم، وأشعلوا الشماريخ عنواناً لفرحهم وسعادتهم، وعمّ خبر الإفراج منتديات “فيسبوك” السياسية والشعبية، بعد أن أُطلق سراحه بموجب حكم استئنافي في ما يعرف بقضية التآمر 2، وبعد أن أتمّ عقوبته التي جرى خفضها في مطلع فبراير/ شباط الماضي من 12 سنة سجناً إلى ثلاث.

عرفت قضية التآمر 2 محاكمة 21 شخصاً من الوجوه الوازنة أو المألوفة في الطبقة السياسية التونسية، ومن القيادات الحزبية والسياسية والأمنية، ومنهم من تولّى مناصب متقدّمة في الدولة، بينهم زعيم حركة النهضة والرئيس السابق للبرلمان التونسي (2019-2021)، راشد الغنوشي، الذي يقبع في السجن منذ سنة 2023، وقد صدر حكم بسجنه 20 عاماً، وبذلك تبلغ مجمل الأحكام الصادرة في حقه 70 سنة، ونادية عكاشة الوزيرة المستشارة لدى الرئيس قيس سعيّد ثم مديرة الديوان الرئاسي (2020- 2022) الصادر في حقّها حكم غيابي بـ 35 سنة سجناً، وهو الحكم نفسه في حقّ رفيق عبد السلام وزير الخارجية الأسبق وصهر رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، كما شمل التتبع القضائي في القضية نفسها رئيس الحكومة الأسبق، يوسف الشاهد (2016- 2020) المعني ببطاقة جلب دولية لفراره خارج تونس ولم تصدر في حقّه أحكام بعد نظراً إلى الطعن في قرار دائرة الاتهام الذي تقدّم به محاموه لدى محكمة التعقيب في تونس.

التهم الموجهة في قضية التآمر على أمن الدولة 2؛ تكوين وفاق إرهابي، والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، ومحاولة تغيير هيئة الدولة بالقوة، ومحاولات تجنيد عناصر داخل أجهزة حسّاسة، من بينها الأمن الرئاسي، بهدف جمع معلومات حول تحركات رئيس الجمهورية تمهيداً لاستهدافه، فضلاً عن الحديث عن تحريك شبكات ونشاطات داخل أحياء شعبية في العاصمة بهدف إيجاد الاضطرابات، وقد أُحيل المتهمون بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والمجلّة الجزائية.

وبالرغم من أن قاضي التحقيق بالمكتب عدد 36 بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب كان أصدر منذ 17 مارس/ آذار 2023، قراراً بمنع “التداول الإعلامي” في القضية، كما في قضية التآمر 1 المشمول بها وزراء ونواب سابقون وقادة أحزاب، ومنهم عصام الشابي وشقيقه أحمد نجيب الشابي وغازي الشواشي وجوهر بن مبارك ورضا بالحاج وشيماء عيسى وعبد الحميد الجلاصي وقد صدرت في حقهم، بعد اتهامهم بتكوين وفاق إرهابي والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، أحكام ثقيلة بالسجن تراوحت بين 13 و66 سنة، فإن قوى المجتمعَين السياسي والمدني وأغلب شرائح الرأي العام في تونس كانوا يعلمون أنها بلا مصداقية روايات رسمية بعمل بعضهم على تسميم رئيس الجمهورية ومحاولات اغتياله التي أعلنتها رئاسة الجمهورية من دون كشف عن مآلات أعمال التحقيق المتعلقة بها، كما أن تلك القضايا (التآمر) لا تدخل في نطاق الأعمال الإرهابية وليست جرائم حق عام، وأن المتهمين فيها ليسوا خونة كما روجت ذلك الجهات الرسمية، وفي مقدّمها الرئيس قيس سعيّد الذي صرّح سنة 2023 إنهم “خونة وإرهابيون”، وأن “القضاة الذين قد يبرؤونهم هم شركاؤهم في الجريمة”.

كانت للحمزاوي قدرة فائقة على الاستفادة من الديمقراطية التي ميّزت العشرية 2011- 2021، فخاض الانتخابات البلدية سنة 2018 برئاسة قائمة مستقلّة، وتمكّنت قائمته من الفوز على قوى وأحزاب سياسية مهيمنة

فهي قضايا سياسية بامتياز والمتهمون فيها من كبار السياسيين، وإن لم تحمل التسمية والصفة، وهذا النوع من القضايا عرفته تونس أيام حكم الرئيسَين الأسبقَين، الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي (1956-2011) وقد تجاوز عددها آنذاك مئة قضية شملت العروبيين واليساريين والإسلاميين وبعض الدستوريين والنقابيين والطلبة والحقوقيين، وصدرت في حقهم أحكام بالإعدام وبالسجن المؤبد والأشغال الشاقة، وها هي تظهر من جديد في فترة حكم الرئيس قيس سعيّد في 2021 وما تلاها بعد أن وُئدت نهائياً أيام الثورة التونسية وديمقراطيتها الغضّة والطرية (2011- 2021).

من هذا المنطلق يمكن فهم الاحتفاء الشعبي الواسع افتراضياً وعلى أرض الواقع بإطلاق سراح محمد ريان الحمزاوي، ذلك أن جمهور المحتفلين بعودة ابنهم كانوا على قناعة تامة بأن سجن رئيس بلديتهم كان ظلماً، وأن ما روجته السلطة من مزاعم عن “تآمره وخيانته” لا يتمتع بأي مصداقية لديهم، فأنّى لمتآمر على الدولة أن يُحتفى به، وأن تنطلق الاحتفالات الشعبية بحريته تلقائياً من دون سابق تنظيم، ناهيك أن يكون المحتفلون من غير المنتمين أيديولوجياً أو حزبياً؟

كانت للحمزاوي قدرة فائقة على الاستفادة من الديمقراطية التي ميّزت العشرية 2011- 2021، فخاض الانتخابات البلدية سنة 2018 برئاسة قائمة مستقلّة، وتمكّنت قائمته من الفوز على قوى وأحزاب سياسية مهيمنة على المشهد العام آنذاك على غرار حركتي النهضة ونداء تونس، وتمكّن بفضل الصلاحيات الواسعة التي وفّرتها مجلّة الجماعات المحلية التي صادق عليها البرلمان التونسي في نفس السنة من أن يكتسب شعبية كاسحة في مدينة الزهراء لتحديثه العمل البلدي والخدمات البلدية وتعميمها، رغم حداثة سنه وتجربته في العمل العام.

قد تضطرّ الوظيفة القضائية، لإرضاء السلطة التنفيذية إلى إصدار أحكام موازية تمنع الاستقبالات الشعبية والاحتفالات بسراح سجناء الرأي والسياسة

واستطاع رئيس البلدية الشاب- السجين، بعد الإفراج عنه، أن يُبطل، تهمة التآمر أخلاقياً وإنسانياً وسياسياً، وهي التهمة التي حاولت الدوائر الأمنية المكلّفة ببحثه وإعداد لائحة الاتهام، والدوائر القضائية التي أصدرت الحكم الجائر في حقّه، إلصاقها به قانونياً، وأن ينزع عن تجربته في العمل البلدي لون السواد كما يرغب في ذلك حكّام تونس لما بعد “25 يوليو” (2021)، بإدانة العشرية التي سبقت ذلك التاريخ برمّتها. وأن يضيف إلى شرعيته الانتخابية ومشروعيته الشعبية مشروعية نضالية وأخرى سجنية ستضفي على تجربته السياسية وجاهة وكاريزما قيادية تساعده على خوض تجارب سياسية أخرى، إن هو أراد ذلك.

عمل سعيّد على امتصاص شعبية الحمزاوي والاحتفاء الافتراضي والشعبي بمغادرته السجن في الإبان وبطريقته المعهودة، فأدّى زيارة غير معلنة فجر يوم 18 مايو/ أيار الجاري إلى حي دوار هيشر بالعاصمة، وهو حي شعبي يتميّز بانتشار الفقر الشديد والبطالة الواسعة وبالكثافة السكانية العالية، آملاً في استقبال شعبي يضاهي أو يفوق ما حظي به الحمزاوي في مدينة الزهراء الشاطئية المترفهة، إلّا أن هذه الزيارة لم تحظ بالشعبية الكافية ولم تحقق أهدافها، واعتبرها متابعون للشأن العام التونسي بأنها جاءت مناقضة لما كان يرغب فيه الرئيس، خصوصاً وأن بعض الحاضرين هتفوا، وفق شهود عيان، بشعارات من قبيل “شغل حرية كرامة وطنية”، ما حال دون نشر “فيديو” يوثق الزيارة في صفحة رئاسة الجمهورية التونسية في “فيسبوك”، كما جرت به العادة.

ولتفادي ظاهرة الاستقبال الشعبي لـ”المتآمرين” والمدونين والاعلاميين ورؤساء الأحزاب ورجال الأعمال ومختلف الناشطين عندما يُطلق سراحهم بعد إنهاء أحكامهم أو قضاء عقوباتهم أو عفو قد يطاولهم، قد تضطرّ الوظيفة القضائية، لإرضاء السلطة التنفيذية وتفادي الإحراج، إلى إصدار أحكام موازية تمنع الاستقبالات الشعبية والاحتفالات الجماهيرية بسراح سجناء الرأي والسياسة، والحيلولة دون تحويلهم إلى أبطال شعبيين، مثلما منعت من قبل وسائل الإعلام والمنصّات الرقمية من التداول في قضاياهم.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى