
في لهجة وادي الفرات تختبئ الكلمات القديمة مثل حجارةٍ مطمورةٍ على ضفاف النهر؛ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل وراءها تاريخا طويلا من الحكمة والتجربة وطريقة الناس في فهم الحياة. ومن هذه الكلمات كلمة “ سَفَطَ ” وما تفرّع عنها من تعابير مثل “اسفطها”، و”المسافطة”، و”سفط الدخان”. وهي كلمة صغيرة، لكنها تكشف فلسفة اجتماعية كاملة عن الاحتواء والستر وتجاوز الخصومات.
فالسفط في الأصل هو الوعاء أو الصندوق الذي يُحفظ فيه الشيء. وقد استخدمت العربية القديمة الكلمة للدلالة على صندوق الحلي والمتاع النفيس. لكن أهل الفرات نقلوا الكلمة من معناها المادي إلى معنى اجتماعي حيّ. فعندما يقول أحدهم: “اسفطها”، فهو لا يقصد فقط لفّ الشيء أو إغلاقه، بل يقصد احتواء المشكلة وتطويق آثارها ومنعها من الاتساع. كأن الخصومة نارٌ مشتعلة، فيأتي “السفط” ليغلق عليها قبل أن تمتد إلى الجميع.
ولهذا يقولون أحيانا: “نسير على فلان ونخليه يسفطها”، أي نذهب إلى رجلٍ حكيم أو صاحب جاه ليحتوي النزاع مهما كبر. فالحكمة هنا ليست في سحق الطرف الآخر، بل في منع الخراب الأكبر وحماية العلاقات الاجتماعية من التمزق.
ومن هنا جاءت العبارة الفراتية الشهيرة وخاصة نصيحة للزوجين في بداية حياتهم الزوجية: “المسافطة زينة”. أي إن التغاضي عن بعض العيوب والهفوات، وترك مساحة للستر والعفو، ضرورة لاستمرار العيش بين الناس. فالحياة لا تستقيم إذا تحولت كل زلة إلى معركة، وكل خطأ إلى قطيعة أبدية.
وفي الاستعمال اليومي بقيت الكلمة محتفظة بأصلها المادي أيضا. فعندما يقول أحدهم: “أعطني سفط الدخان”، فهو يقصد علبة الدخان أو الوعاء الذي يحتويه. أي إن فكرة الاحتواء والحفظ بقيت حاضرة في كل استعمالات الكلمة.
وقد وردت الكلمة أيضا في الشعر العربي والحكمة القديمة. ومن ذلك ما يُنسب إلى الشاعر ابن عسال بعد سقوط طليطلة بيد الإفرنج، حين قال:
” يا أهلَ أندلسٍ شدّوا الرِّحالَ فما
مقامُكم فيها من بعدِه غلطُ
من جاورَ الشرَّ لا يأمن بوائقَهُ
كيفَ الحياةُ مع الحيّاتِ في سفطِ ”
فالبيت يصور “السفط” بوصفه مكانا مغلقا، والحيات رمزا للشر والأذى. والمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش مطمئنا إذا حاصر نفسه بالشرور، كما لا يمكن لإنسان أن ينام مرتاحا داخل صندوقٍ مليء بالأفاعي.
وهذا المعنى لا يزال صالحا حتى اليوم، لا في السياسة وحدها بل في الاجتماع البشري كله. فالمجتمعات التي تغرق في الأحقاد والثأر والانتقام تتحول إلى “سفط حيّات”، يخاف فيه الجميع من الجميع.
ولهذا يحتاج السوريون اليوم، بعد كل ما مرّ عليهم من حربٍ ودمارٍ وتمزق، إلى شيءٍ من “المسافطة”. لا بمعنى التنازل عن العدالة أو نسيان المظالم، بل بمعنى القدرة على تجاوز الأحقاد الصغيرة، وفتح باب العيش المشترك، وتقديم مصلحة البلد على روح الانتقام الدائم. فلا وطن يُبنى إذا بقي كل طرف ينتظر لحظة الثأر من الآخر، ولا مجتمع ينهض إذا ظل الناس يفتشون في جراح بعضهم بلا نهاية.
إن سوريا المنهكة لا تحتاج فقط إلى السياسة والاقتصاد، بل تحتاج أيضًا إلى حكمةٍ شعبية قديمة تقول ببساطة: “المسافطة زينة”. فبشيءٍ من الحلم، وشيءٍ من التغاضي، وشيءٍ من العقل، يمكن للناس أن يخرجوا من “سفط الحيّات” إلى وطنٍ أكرم وأوسع للحياة.
…






