
جميع الحقوق الملكية والفكرية محفوظة للمؤلف – يحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنفيذ الكتاب كاملاً أو مجزءا أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على كمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئية، إلا بموفقة المؤلف خطياً.
أقوال لي
إن كان الحاضر يدل على الماضي، يكون البحث في الماضي يحمل بقدرّ ما دلالات على تشكل الحاضر – تلكم هي جدليتي في منهجي، وهي في سعيها الهدف في مبحثي..
R
فلنعلم أن التاريخ القديم يحمل في ذاته إشكاليات، لكون التوثيق لم يكن حاضراً، حتى لو حضر فهو صدفةً، وهي بدورها لا تشكل الحقيقة المطلقة، إنما هي أضاءه لجزئية صغيرة.
R
التاريخ لا يأتي دفعة واحدة، هو يتوالى أو يتريث في طريقه للإعلان عن ذاته في معطيات نتائجه..
R
المسألة بكليتها ليست أكثر من مؤشرات، ومن بين هذه المؤشرات وما اتى من بعدها، تنبلج حقيقة ما، لكونها لم تنبثق من عدم…
R
إن كنا نلجأ للتاريخ.. لا كي نعود القهقري لنعيش في رحاب ماضيّة فيه.. فمثل هذه السلفية والسلفوية غير ممكنة قطعاً.. حتى لو تمسك البعض بها.. فالتاريخ كالنهر الجاري لا يتوقف.. وهذا النهر يحمل في مياهه ذرات ترابية من مختلف البقاع التي عبرها.. وكالنهر، نحن نحمل في عقولنا نمطا من ذاكرة جمعية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.. أي بطبقاتها العميقة المتمثلة بخافيتها وطبقاتها السطحية المتمثلة بالواعية فيها.. ولا ننسى أننا نحمل في صبغياتنا الجسدية مورثات تناقلت إلينا من أجدادنا..
R
موجز القول: إن دراساتنا للتاريخ ضرورة لكي نعرف حقيقتنا والعمق التاريخي لذواتنا.. لا من أجل نغرق في ماضيه دونما جدوى..
³
مقدمات
قول على درب – هذه القوميات المسماة خدعة بالساميات والتي هي في الحقيقة عربية.. كيف نظمت سياسياً المنطقة…؟ إننا لكينتجنب الخطأ التقليدي الذي يحطم مساحتها الجغرافية، ليدرسها دراسة منفصلة بينما هي عناصر جسم واحد، عناصر تحيى حياة واحدة.. كان الأمر استمراً لا انقطاع فيه قد تركز في الشرق، استمراراً للفكر، استمرارا للاقتصاد. والتغيرات التي حملتها العصور كانت طفيفة جداً إلى حد لم تبرز لنا كم كان التاريخ في صبره البطيء متناقضاً مع سرعة الأفراد ” إن الأمر سيكون بسيطاً جداً، فيما لو تكلمنا عن الساميين. لو تكلمنا عن العرب، ذلكم الشعب الحقيقي والذي يمتلك وجوداً اجتماعياً مستمراً، وجوداً ثقافياً ولغوياً يعطي حياة وتوازناً لهذا البحر المتوسط منذ عدة آلاف من السنوات.. “- ” إن لغة واحدة مكتوبة ومتخاطب بها قد انتهت إلى فرض نفسها وتغطية هذا المجموع الكبير: إنها اللغة الآرامية.. ثم تطورت الآرامية منذئذ طبيعياً، ودون معارضة، إلى اللغة العربية، التي وجدت نفسها منذ ذلك الحين وارثة الماضي المصري، والكنعاني، والحثي، والبابلي.. “- كان زيفاً وضلالاً باسم السامية المزعومة، فصل العرب عن المجموع الثقافي المصري الكنعاني- والبابلي.. [بيير روسي مدينة إيزيس ص 42 ص 24- ص 25 و32] – أجل..
³
وذاك انجلس في مراسلته لماركس، فيها يذكر” إن الإمبراطورية الآشورية، وكذلك البابلية، قد تم إشادتها من قبل القبائل البدوية في ذات المكان الذي قد تم فيه في عصر تالٍ تأسيس خلافة بغداد.
إن الكلدانيين المؤسسين للإمبراطورية البابلية مازالوا يعيشون في نفس الموضع بذات الاسم بني خالد “. [المراسلات مع ماركس الطبعة الفرنسية الجزء الثالث, 26 / 5 / 1853، ص 374.]
³
رؤية في المنهج- وأفكار لها صلة
تستدعي الضرورة التمهيد لمجمل هذا العمل بمكمله عبر جولة نظرية متعددة الإبعاد والسبل، وذلك على سبيل توضيح المنطلقات والركائز التي اعتمد عليها هذا البحث.. في سيره المتواصل عبر أغوار التاريخ، بقدر المستطاع..
من المؤكد أن هذه المنطلقات مستمدة بكليتها من العلم الاجتماعي والتاريخي، ولعلها في متناول القاصي والداني، ولا أرغب قطعاً أن أكون معلما بها، إنما ما أود إظهاره كيفية التعامل معه من قبلي، من حيث كثيرا ما ألمح سوء استعمال لها..
¹
1)- ألا لا تأخذن الحقيقة من باحث واحد ولا من مؤرخ واحد.. بيد أنك قد تجد لدى هذا المؤرخ أو ذاك كلمة أو كلمات ترشدك إلى ما هو أوسع من مراده.. ومن ثم ضع المعطى المستقى من هذا أو ذاك، في مجال البيئة العامة للعصر كسياق ومنطق وقيم. وأنظر فيما قد حدث من تطور في المشهد التاريخي في هذا الصدد مع ما تلا من زمن.. بذا يمكن أن تستنبط قبساً من الحقيقة.. ولا تقل برمتها..
2)- لم يتحرر العديد من المؤرخين من الخطاب التاريخي الرسمي، بل وثمة عملية اجترار ونضح وسير في ذات السبيل.. مما يذهب لترويج رؤى خاطئة، وهذه تسيطر بدورها على الخطاب العام، بل توجه البحث فيما تلا من أعمال في ذات المجال..
3)- الصراع كدور في إنجاز تواصل وتفاعل: ثمة أحداث ومواقف حادة وصارخة تحدث في زمن معين، ومن قبل فاعلين، تؤدي إلى نتائج في زمن تالٍ قريب أو بعيد، لم تكن في حسبان القائمين عليها..
على ذات المنوال، في كل عصر وفي أطار بيئة اجتماعية ما، ثمة مركز ونخب تتصارع فيما بينها.. ينجم عن هذا الصراع أحداث وتشكلات وإفرازات قد لا تكون في مخيلة القائمين عليها، وتأتي هذه الإفرازات لتشكل نتائج تسهم في تقرير مصير أو توجيه المسير نحو الآتي..
4)- للتاريخ سيرته الخاصة التي تبني ذاتها على تراكم أحداث ونتائج تتفاعل جدليّاً فيما بينها، ومع الوقائع في مدى محيطها، مما يؤدي إلى حدوث ما يمكن أن يسمّى طفرة نوعية.. تترك بصمتها الحاسمة على الأحداث التالية وتوجهها في مسارها. على هذا المنوال تشكل تلك الأزمنة التي قد تميزت بالطفرة، ما يمكن أن يعتبر مفاصل أساسية أو نقلات نوعية في مسار التاريخ، كما لو كانت تؤسس لما بعدها..
5)- إن تقييم سلوك حاكم ما، لا بد أن يُتحرّى ضمن السلوكيات
المسيطرة في الزمكان المحدد، لا أن يسلّط عليه مقاييس زمن آخر..
6)- ثمة مساحات مجهولة في التاريخ، ناجمة عن غياب ما يخصها من وثائق وآثار، بسبب التدمير، ناهيكم عن كون المؤرخين والكتاب القدامى كتبوا تحت ظل منظار النظام السائد، أو بدوافع من هواهم ووعيهم.. وهيهات أن يكون ما سطروه مطابقاً للوقائع والحقائق الدائرة في بيئتها وعهدها…!!
7)- يجدر بنا أن ندرك، أنه في ذلك الزمن لم يكن بعد قد تشكّلت تمايزات حقيقية بين المكونات المتواجدة في المنطقة، لم تكن في واقعها أكثر من قبائل أو تجمعات لقبائل تنتمي إلى ذات الثقافة، وتكاد تتواصل بذات اللغة، ناهيكم عن عدم تشكّل الحدود بين المناطق إنما كان بوسع الجميع التنقل شبه الحر في ذاك المدى.. يندرج في ظل من ذلك، طبيعة النظام المعيشي المتمثل بكون الغالبية العظمى كانت تتكوّن من مجموعات رعوية، أو زراعية رعوية..
تؤدي مجمل هذه العوامل إلى جعل السكان ينتمون إلى ذات البوتقة، وبالأحرى بمثابة رعايا للقوة النخبوية المهيمنة.. لنا أن نتفهم طبيعة المرحلة تلك، من حيث كونها قد تمثلت بحالة من التحوّل والتبدّل والترحّل وبدء السير في درب التشكّل..
من جانب آخر كما يقول بيير روسي: في العالم القديم كان الانتقال إنما يتم عن طريق قبائل كاملة أو أمم أو أسر، للاستقرار في مكان آخر، إنه انتقال مستمر.. إنهم يتحركون كثيراً في العصر القديم… هذا التحرك العجيب المناسب الذي نعرفه للأرزاق وللمعادن الثمينة، وللسفن، وللأفكار، وللعقائد، وللآلهة..[1]
8)- أنه من الخطأ بمكان التسليم الكلي بما أظهرته السجلات المصرية والبابلية وغيرها من أنباء ومدركات تاريخية، ذلك لأنها بدورها مفعمة بالمبالغات، إذ كان من دأب الملوك وكتبة الملوك انتهاج أسلوب المباهاة وتمجيد الذات، فأقدموا على شتى المغالاة في المبالغات.
في المقابل أرى، أن هذه السجلات تنطوي على معطيات تاريخية هامة، من حيث كونها قد انبثقت بكليتها في عهد كتابتها. على وقع منها يمكن لنا استنباط حقائق كبرى من لدنها، عبر منظور نقدي على ما أتى بها من أنباء..
9)- يجدر بنا أن نضع نصب أعيننا السمة الأساسية المحددة للنظام المعرفي في المجتمع القديم، من حيث كونه غاطس بكليته في فضاء اللاهوت.. من هذا المنطلق يمكن رصد معالم الثقافة والانتماء ومحتوى العلاقات بين الناس من خلال الرموز المفعمة بلغة لاهوتية..
10(- من المادة المرجعية انتقي الجوهر، مخلصاً اياه من القشور، واربطه بغيره مما لديك، ولكم يختلط الغث بالسمين..
11)- اعتماد البحث عن التقاطع والنظر النقدي، وفحص ما كل يمكن أن ما نحصل عليه من مجلوبات على ضوء ما أدركه التاريخ الواقعي من معطيات، من دون الاستسلام الكلي لها وبها..
على ذات المنوال، ليس من الحصافة بمكان أن نجعل من معطيات علم الآثار وحدها ركيزة لنا، ذلك لأنه من اليسير التواطؤ على قراءتها ونسج قياسات خاطئة من على فجواتها.
12)- تذكّر ودوما تذكر مقولة القديس المصري نيفاري: في التاريخ اسراراً عميقة لا ندرك أغوارها.. وصورَه: كسطح البحر صفاء وشفافية يعمينا تلألؤه، أما أعماق البحار فظلمة لا تخترق، وبين هذين أسماك ضخمة ينبغي أن نتقيها.. (بيير روسي، ص21).. وأقول: بيد أنه لا بد من الغوص في البحر لا مفر..
13)- عبر منظور جدلي، يمكن أن يبدو لنا من خلال استقراء التاريخ في ماضيه وفي حاضره، بل وفي تطبيق فحص جدلي/ لا قطعي/ لمعطيات الحاضر وصلتها في الماضي، إذ ليس الحاضر فقط وليد تاريخي للماضي، بل ويمكن فهم هذا الماضي من خلال قراءة الحاضر، أنه الجدل الذي يبدو كقانون شامل في الحوادث والأشياء..
وما السبيل لنا كي نكون على بينة من أمرنا، سوى النظر النقدي ورصد التقاطع المبني على كل ما أتى من هنا وهناك. ولعله بوسعنا سبر أغوار التاريخ والعثور على أسراره..
R
لعله من الحصافة بمكان في تطبيق هذا المنهج الأخذ في الحسبان
الموقف الآتي- ألا وهو التحرر من منظور مدرسة المركزية الغربية:
في هذا الصدد، أذكّر بكون هذا المنظور ما عتم أن ينظر إلى تاريخ المنطقة كتاريخ مفكك مقطع الأوصال، جرى فصل مكوناته، كما لو امتلك كل مكون من هذه المكونات تاريخاً خاصاً منقطع الصلة بالآخر، في حين كان شأن التفاعل بين هذه المكونات قائماً على قدم وساق، أظهرته صلات المرجعية الثقافية المشتركة التي وجدت تعبيرها الحي باللغة وباللاهوت المشترك، ناهيك عن أشكال التبادل الأخرى المتمثل بنمط الحياة وطرازها.. بيد إن هذه الحقيقة لا تلغيها وجود صراعات بين هذه المكونات.. وقد علمتنا الحياة، أن الصراعات تشكّل بحد ذاتها إحدى أشكال التفاعل..
من المفارقة بمكان أن هذه المدرسة نظرت بعين أخرى إلى التاريخ
الأوربي القديم، حينما رأت في كيانات الدوقيات الإقطاعية مجرد مرحلة من مراحل التاريخ، ولم تجعل لكل منها تاريخاً خاصاً، بل وطبقت عليها جدلية السير من البعثرة إلى الوحدة، الأمر الذي لم نلمس له لديهم أي أثر حينما جرى من قبلهم النظر إلى تاريخنا…!
R
وقفات نظرية، قضايا نظرية ذات صلة، فيما نحن قادمون إليه”: في البداية أعلن بكل جلاء، أن منطلقي النظري ينبثق أساساً من المنهج الماركسي، وذلك وفق ما أدعوه بخط التطبيق الجدلي، لا القطعي لجدلية الفكر الماركسي، أي بما يشير إلى تكييف هذا المنهج مع الشروط التاريخية ذات العلاقة، وتجنب التواطؤ على هذه الشروط واقتلاعها من مكانها كي تتطابق مع المنهج بشكله المدرسي أو القطعي..
ربما، قد يتبدى للبعض ظهور مفارقة عبر قولي “ خط التطبيق الجدلي لا القطعي لجدلية الفكر الماركسي..“
بيد أنّي، وإن كنت لا أتزحزح قيد أنملة عن هذه المقولة – سواء أكان لها أصلاً في تطبيقات هذا المنهج أو لم يكن والمسألة سيان- إلا أنني قد عثرت مصادفةً على أصول لها في أدبيات المعلمين الأوائل، وما أحرى بالجدلي أن يكون جدليّاً في تطبيقاته
لجدليّه جدله..
لعل أهم ما ظهر في هذا الصدد، أتى من قبل كارل ماركس ذاته،
\في مؤلف له يحمل عنوان ” التكوينات ما قبل الرأسمالية Pré-capitaliste formation ” [2]. يوضح هذا الكتاب بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا توجد ” مسارات تاريخية حتمية ” لتطوّر الأمم والمجتمعات، إذ أن عملية التطوّر التاريخي للقبائل الجرمانية تختلف عن تطور مجموعة القبائل الفرنسية، فهناك مجتمعات لم تمر بمرحلة ” الإقطاع التقليدي ” والبعض لعبت فيه الدولة دوراً حاسماً في دفع التطورات الاقتصادية. وفي هذا المخطط نجد عناصر تربط التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية بالتكوين القومي، وعناصره المميزة دون السقوط في مهاوي التبسيط الميكانيكي المبتذل للفهم المادي للتاريخ..”
كما نعثر على نظير هذه الرؤية في رسالة من أنجلس إلى كونراد شميدت، يقول فيها: أما موريس فهو صديق خطر، ولدى المفهوم المادي عن التاريخ الآن كثرة من أمثال هؤلاء الأصدقاء الذين يشكل لهم هذا المفهوم ذريعة للامتناع عن دراسة التاريخ. لعل هذاالحال يشبه تماماً ما كان عليه عندما تحدث ماركس عن ” الماركسيين ” الفرنسيين من أواخر العقد الثامن حين قال: أعرف أمراً واحداً فقط، هو أنني لست ماركسياً” [ ص196 من مختارات المراسلات، المجلد الرابع، دار التقدم موسكو، 1970.. ]
وعلى سبيل المزيد، ثمة ما يمكنني من الاستناد عليه هنا، يتمثل في قول أنجلس في رسالته إلى ف بورغيوس: إن التطوّر السياسي والحقوقي والفلسفي والديني والأدبي والفني والخ، يرتكز على التطوّر الاقتصادي. ولكنها جميعها تؤثر كذلك بعضها في بعض وفي البناء التحتي الاقتصادي. ولكنه ليس من الصحيح إطلاقا أن الوضع الاقتصادي وحده من دون غيره السبب، بينما الباقي كله لا يعدو أن يكون نتيجة منفعلة. كلا فهنا يوجد تفاعل على أساس الضرورة الاقتصادية التي تشق لنفسها دائماً طريقاً في آخر المطاف. – إن الناس هم الذين يصنعون تاريخهم، ولكن بيئتهم المعنية التي تشترطهم، على أساس العلاقات الفعلية القائمة التي تؤلف بينها الظروف الاقتصادية – ومهما كان تأثير الظروف الأخرى، السياسية والإيديولوجية وغيرها قوياً- فإن البعد الاقتصادي يشكل العنصر الحاسم مع ذلك في آخر المطاف وتشكل الخيط الأحمر الذي يتخلل التطوّر كله ويقود وحده إلى فهم التطوّر.. ويقول: إننا نفهم بالعلاقات الاقتصادية التي نعتبرها الأساس المحدد لتاريخ المجتمع، الأسلوب الذي ينتج به الناس في مجتمع معين وسائل العيش ويتبادلون به المنتجات.[ المرجع ذاته ص 194 و192].
لم يكتفِ أنجلس في تحرره من قطعية منهجِهِ بما قد سبق، إنما راح يتبنى قولاً فذاً أتى كالآتي: أما الميادين الإيديولوجية التي تحلق على مستوى أعلى في عالم الخيال- أي الدين والفلسفة، والخ فإن لها مضموناً من قبل التاريخ، وجدته واقتبسته المرحلة التاريخية مضموناً قد نسميه الآن سخافة. فإن هذه التصورات الخاطئة المختلفة عن الطبيعة، وعن جوهر الإنسان نفسه، وعن الأرواح، وعن القوى السحرية، والخ، تقوم بمعظمها على أساس اقتصادي، ولكن بالمعنى السلبي فقط، وللتطوّر الاقتصادي المنخفض في مرحلة ما قبل التاريخ تصورات خاطئة عن الطبيعة، بوصفها إضافات، وأحياناً بوصفها شرطاً وحتى بوصفها سبباً. ومع أن الضرورة الاقتصادية كانت وأصبحت أكثر فأكثر مع مر الزمن النابض الرئيسي للتقدم في معرفة الطبيعة، إنه من باب الادعاء الفارغ أن يحاول أحد من الناس أيجاد أسباب اقتصادية لجميع السخافات البدائية، أي أن تاريخ العلوم هو تاريخ القضاء تدريجياً على هذه السخافة أو الاستعاضة عنها بسخافات جديدة، ولكنها مع ذلك أقل سخفاً..
لي وقفة هنا لأقول فيها: أنه وبالرغم من اعترافي بحصافة مقولة
أنجلس، بيد أنني لا أتفق معه ولا مع غيره، بمقولة ” السخافة ” تلك- من حيث تلك السخافة كانت بحد ذاتها التعبير الأول لمحاولة للخروج من شرنقة الآدمية – شبه الحيوانية، إلى مرحلة بزوغ الوعي الإنساني البدائي والدخول في مرحلة وعي العالم، وهي بهذا قد مثلت آنئذ بداية الإمساك بأعنة طرق باب التقدم الإنساني، أي الفعل الحضاري.
من جانب آخر، لعل مقولة أنجلس المتمثلة في “السخافات البدائية
والمضمون الاقتصادي السلبي ” ترشدني شخصياً للتقدم بأطروحة، يأتي فيها، ظهور” نمط من وحدة البناء التحتي والبناء الفوقي، أو اختلاطهما من دون انفصال كلي أو فعلي بينهما، وذلك في بيئات الزمن البدائي خاصة.. ولعل لهذه الفرضية تأثير كبير في الدراسات التاريخية في تلك الأزمنة السحيقة..
من المؤكد، أن لكل ما تقدم من مقولات وما لحقها من تعليقات، سيكون له دور في مداولاتنا الآتية..
ونظراً لكوني أتجوّل في زمن تاريخي مديد ومبهم، ناهيكم عما قد حط عليه من عمليات تجهيل وتزوير منقطع النظير، سوف أتمترس بما قد سبق، وفق نسق مقولة التطبيق الجدلي، لا القطعي، لجدلية الفكر الماركسي. ليس ذلك فقط إنما سوف أسعى على هدى غوته الماثل في قوله ” جافة هي النظرية يا عزيزي..
وأن الحياة في اخضرار غزير. “
لعل جملة ما تقدم سوف يسمح لي وبمرونة واسعة، في تطبيق جدلية المنهج الماركسي، ولاسيما بموضوعة العلاقة الجدلية بين البنية التحتية والبنية الفوقية، وخاصة في مدى دور العامل الاقتصادي وفق ما تقدم من قبل أنجلس.. ولما كان هذا العامل الاقتصادي يتسم بالضعف لدى المجتمعات البدائية، فإن الأمر والحالة هذه، يجعلني أتوسع في تحديد عناصر البنية التحتية، وإعطائها محتوى أوسع مما عليه في بيئات المجتمعات الحديثة والمتقدمة، وبالتالي سيكون من شأني بما أنا قادم إليه، الاعتماد على عناصر أخرى تمثل الواقع والوقائع ومن بينها، العوامل البيئية جغرافية كانت أم مناخية. وفي صلة مع ذلك سيكون بمقدوري أيضاً الاسترشاد بما لدى البيئة الفوقية من معطيات ظاهرة لإدراك أشياء من هذا القبيل.
على عتبة التجوّل المقبل في بحر تلك الأزمنة، يجدر بنا تذكر بعض الاعتبارات (وقد مر ذكرها): من بينها، أن المجهول في تلك الأزمنة هو أكثر بكثير من المعلوم، وأن المزوّر والمحرّف في هذا المعلوم أكثر بكثير من الواقعي. وهذا ما أناط اللثام عنه القديس نيفاري المصري بقوله: إن سطح البحر صفاء وشفافية يعيننا تلألؤه، أما أعماق البحار فظلمة لا تخترق. وبين هذين تسبح أسماك ضخمة ينبغي أن نتقيها..” وما علينا إزاء هذه المعضلة، إلا الغوص في بحر التاريخ القديم، والتعامل معه كما كان عليه، من دون إسقاط ما لدينا من واقع ومواقع وذلك لكون هذا الواقع والمواقع
جاءت من تاريخ لاحق.
علينا أن ندرك، كون تشكّل الأمم يجري في مجرى سيرورة تاريخية، تقدم عطاءها النهائي، وفق سيرتها التي عبرت بها.. وبهذا يكون لكل أمم من الأمم، سير وسيرة.. ومن الندرة بمكان تماثل هذا السير وتلك السيرة على نحوٍ كلي. وكما يقول المثل الفرنسي كلّنا أقارب وكلّنا مختلفون Tous Parents Tous Differents.
على وقع تلك الرؤى، سوف أحاول الإمساك بعدد من الخيوط التي من شأنها السماح لنا الإمساك بما جرى في غياهب تلك الأزمنة.. وفي محاولة الغوص للبحث عن الوقائع، علينا الاستعانة بما قد توفر من تلك الأزمنة، من معرفة في البنية التحتية الموافق لبيئتها التاريخية – على ندرتها- كما يمكن الاستناد على قرائن من البنية الفوقية، لنقف من عليها للنظر في معالم البنية التحتية، وذلك لكونهما على تواصل وثيق، ناهيكم عن كون هاتين البنيتين لم تكونا على تمايز كبير بسبب من بدائية النشاط الاقتصادي وفق ما قد أشرنا إليه قبيل قليل- ولعل من أهم تلكالقرائن المعروفة لهذه لبنية الفوقية، هما اللغة، واللاهوت.
لقد مثّل اللاهوت عنوان الثقافة ورمزها الأسمى، من حيث كونه قد استوعب المنظومة المعرفية لدى الناس في تلك الأزمنة. وبذا يشكّل اللاهوت واللغة، علامتان فارقتان تمثلان مجمل البنى الفوقية.
SS S
S
[1][1] ص 46 – ص46 بيير روس، مدينة إيزيس،- التاريخ الحقيقي للعرب.
[2]المادة المعلواتية مستمدة من مداخلة د عبد الفضيل، في موضوع القومية العربية في الفكر والممارسة، ( ص 233) – إصدار مركز دراسات الوحدة العربية.






