
قراءة في البنية المشتركة للحكايات الشعبية
ليست الحكايات الشعبية مجرد قصص تُروى للأطفال قبل النوم، بل هي خرائط قديمة لخوف الإنسان وأحلامه وأسئلته الأولى.
في كل ثقافة تقريبا يتكرر النمط ذاته بأشكال مختلفة: طفل تائه، بيت قاس، غابة أو صحراء، وكيان غامض يهدد الحياة أو يبتلع الأبرياء. وما يثير الدهشة ليس اختلاف هذه الحكايات، بل تشابهها العميق رغم المسافات الهائلة بين الشعوب.
من ضفاف الفرات إلى غابات روسيا وألمانيا، يبدو وكأن البشرية كلها كانت تحلم الحلم نفسه: الخروج من الأمان إلى المجهول، ثم البحث عن طريق العودة.
(جمل غيدا يا حزين)
من حكايات الفرات الشعبية
في بادية الفرات عاشت فتاة تُدعى غيدا مع أخيها محمد بعد وفاة والدتهما. تزوج الأب امرأة قاسية فرّقت بين الأولاد، فصار محمد يرعى الجمال في البراري، بينما بقيت غيدا تعمل في الخيمة من الفجر حتى المساء.
كان لغيدا جمل أحبّته كأنه روح قريبة منها، تطعمه بيديها وتحادثه، حتى صار يضطرب إذا غابت عنه.
في أحد الأيام خرجت مع بنات القبيلة لجمع التوت قرب الفرات. وفي طريق العودة سمعت عن رجل يبيع الأساور والخلاخل، فتأخرت عن رفيقاتها ولحقت به وحدها.
غير أن البائع لم يكن سوى فخّ متنكر في هيئة رجل، إذ استدرجها إلى مغارة بعيدة واحتجزها هناك.
عادت الفتيات وحدهن، وبدأت القبيلة بحثا طويلا دون نتيجة.
لكن جمل غيدا تغيّر؛ هزل وصمت، وظل يحدّق نحو البادية كأنه يسمع نداء بعيدا.
وذات مساء قال محمد متأثرا بحاله: جمل غيدا يا حزين .. مفلكح بذاك البطين .. كل الجمال ترعى .. إلا جمل غيدا حزين
وصل الصوت إلى غيدا داخل المغارة، فعرفت أن أخاها قريب، فنادته وطلبت منه أن يحضر ليلا إبرا وشوك الحسك وعليقا.
جاء محمد بما طلبت، وفكّ قيودها، وهربا فوق الجمل. وحين لحق بهما الخاطف، كانت غيدا تلقي خلفها الإبر والشوك والعليق، فيتعثر الطريق أمامه حتى وصلا إلى القبيلة مع الفجر.
ومنذ ذلك الحين بقيت الحكاية في مواويل الفرات بوصفها قصة وفاء ونجاة ممزوجة بالحزن.
(بابا ياغا)
من الأساطير السلافية
في الغابات الروسية القديمة كانت تُروى حكايات عن عجوز تُدعى بابا ياغا، تسكن كوخا قائما على أرجل دجاجة، وتتنقل في هاون ضخم تمحو به آثارها بمكنسة سحرية.
في إحدى الحكايات، أُرسلت فتاة صغيرة من قبل زوجة أبيها القاسية إلى قلب الغابة، بحجة طلب النار من تلك العجوز، وهي تعلم أنها لن تعود.
وصلت الفتاة إلى الكوخ، حيث كُلّفت بأعمال شاقة، بينما كانت الساحرة تتهيأ لافتراسها.
لكن الفتاة عاملت الحيوانات وكل من حولها بلطف، فتعاطفوا معها وساعدوها على الهرب.
وحين اكتشفت بابا ياغا فرارها، لحقت بها غاضبة عبر الغابة.
وأثناء الهرب ألقت الفتاة أشياء تحولت إلى عوائق كبرى: مشط صار غابة كثيفة، ومنشفة تحولت إلى نهر عريض، فتعذر على الساحرة تجاوزها، ونجت الفتاة.
(هانسل وغريتل)
من حكايات الأخوين غريم
في زمن المجاعة، عاش طفلان مع أبيهما وزوجة أب قاسية لم تكن ترى في الجوع إلا ذريعة للتخلص منهما.
أقنعت الزوجة الأب أن يترك الطفلين في الغابة. في المرة الأولى عادا، لكن في الثانية ضاعا بين الأشجار بعدما أكلت الطيور أثر الطريق.
بعد أيام من الجوع، وصلا إلى بيت مصنوع من الحلوى. خرجت عجوز لطيفة المظهر، لكنها كانت ساحرة تخفي نيتها في افتراس الأطفال.
حبست هانسل لتسمينه، وأجبرت غريتل على الخدمة.
لكن غريتل كانت أذكى مما تبدو. وحين طلبت منها الساحرة النظر داخل الفرن، دفعتها فيه وأغلقت الباب.
حررت أخاها، وعادا إلى أبيهما محمّلين بالجواهر والطعام.
الحكاية الواحدة بأقنعة مختلفة
تكشف هذه القصص، رغم اختلاف الجغرافيا والثقافات، عن بنية إنسانية واحدة تتكرر بصيغ متعددة.
طفل مهدد، عالم خارج السيطرة، مكان غامض، وكيان مفترس، ثم نجاة تتحقق بالحيلة لا بالقوة.
في الحكاية الروسية تتحول الغابة إلى فضاء للمجهول، وفي الألمانية ترتبط بالخوف والجوع، بينما تتخذ الحكاية الفراتية من البادية والمغارة شكل العالم الخطر.
لكن ما يميز الحكاية الفراتية هو حضور الجمل؛ ذلك الكائن الصامت الذي يتحول إلى ذاكرة للحزن ووسيط للنجاة، لا مجرد وسيلة نقل.
وهكذا تبدو الحكايات الشعبية وكأنها لغة واحدة كتبتها البشرية بلهجات مختلفة، لكنها تقول الشيء نفسه دائما:
أن الخوف واحد، وأن طريق النجاة يبدأ بالحيلة… وينتهي بالعودة إلى البيت.






