رواية “الفتاة ذات وشم التنين ” (البحث في تطرف اليمين الأوربي)

  عساف سلامة السلمان 

      

يُعدّ ستيغ لارسن Stieg Larsson واحدا من أشهر الكتّاب السويديين في العصر الحديث، رغم أنّ شهرته العالمية جاءت بعد وفاته المفاجئة. فقد استطاع أن يحوّل تجربته الصحافية والسياسية في مواجهة اليمين المتطرف إلى أدب بوليسي مشحون بالنقد الاجتماعي والسياسي، وأن يكشف عبر رواياته الجانب المظلم من المجتمع السويدي الذي كان يُقدَّم دائما بوصفه نموذجا للعدالة والديمقراطية.

ولد لارسن عام 1954 في مدينة Skellefteå خِلفتيو شمال السويد، في بيئة فقيرة تنتمي إلى الطبقة العاملة. وكانت ظروف عائلته المعيشية صعبة، إذ اضطر والداه إلى الانتقال إلى العاصمة بحثا عن العمل، بينما بقي الطفل ستيغ في الريف تحت رعاية جديه. وقد تركت تلك السنوات الريفية أثرا عميقا في شخصيته؛ فهناك تعلّم البساطة والاعتماد على النفس، واكتشف عالم الحكايات الشعبية والطبيعة الشمالية القاسية، كما تشكّل لديه إحساس مبكر بالتعاطف مع الفقراء والمهمّشين.

حين انتقل لاحقا إلى استكهولم ، كان قد بدأ يكوّن وعيا سياسيا حادا. انخرط في الأوساط اليسارية الراديكالية، وتأثر بالأفكار التروتسكية، واعتبر أنّ الرأسمالية الحديثة تحمل في داخلها بذور الفاشية والعنصرية. ولم يكن اهتمامه السياسي نظريا فقط، بل تحوّل إلى نشاط فعلي ضد الجماعات النازية الجديدة التي بدأت تنشط في أوروبا والسويد خلال السبعينيات والثمانينيات.

ورغم فشله في الحصول على قبول تقليدي داخل المؤسسات الصحافية الكبرى، فإنه مارس الصحافة بطريقته الخاصة. كتب التحقيقات والمقالات، وكرّس جزءا كبيرا من حياته لتتبع الحركات اليمينية المتطرفة وكشف علاقاتها السرية. وكان من أبرز مؤسسي مجلة اكيسبو  Expo  المناهضة للفاشية، وهي مجلة لعبت دورا مهما في فضح التنظيمات النازية السويدية والأوروبية.

لقد عاش لارسن سنوات طويلة تحت التهديد. كانت تصل إليه رسائل كراهية وتهديدات بالقتل بسبب تحقيقاته، ومع ذلك استمر في عمله بإصرار شديد. وتقول رفيقته ايفا غبرايلسون  Eva Gabrielsson، التي عاشت معه أكثر من عشرين عاما دون زواج رسمي، إن معظم ما كتبه في رواياته مستوحى من وقائع حقيقية ومن ملفات كان قد اطلع عليها خلال عمله الصحافي. وقد أكدت مرارا أن شخصياته الشريرة ليست خيالا محضا، بل انعكاس لأشخاص وأفكار حقيقية موجودة في المجتمع.

قبل وفاته بقليل، أنهى ثلاثيته الشهيرة المعروفة عالميًا باسم الألفية “Millennium”، والتي تضم روايات:

الفتاة ذات وشم التنين ،والفتاة التي لعبت بالنار ،والفتاة التي ركلت عش الدبابير

لكن العنوان الأصلي للرواية الأولى باللغة السويدية لم يكن “الفتاة ذات وشم التنين”، بل كان:

“Män som hatar kvinnor”

أي: “الرجال الذين يكرهون النساء”. وهذا العنوان يكشف بوضوح جوهر المشروع الأدبي لدى لارسن؛ فهو لم يكن يكتب رواية بوليسية للتسلية فقط، بل كان يحاول كشف العنف الذكوري والجذور العميقة للكراهية والعنصرية داخل المجتمع الأوروبي الحديث.

تدور أحداث الرواية الأولى حول الصحفي الاستقصائي ميكائيل بلومكفيست، الذي يُكلَّف بالتحقيق في اختفاء فتاة من عائلة ثرية منذ عقود. وخلال التحقيق يتعاون مع الشابة الغامضة ليزبيث سالاندر، وهي فتاة عبقرية في الاختراق المعلوماتي، لكنها تحمل ماضيا قاسيا مليئا بالعنف والاستغلال. ومن خلال هذه الشخصيات يكشف لارسن شبكة من الجرائم القديمة المرتبطة بالنازية والعنف ضد النساء والفساد الاقتصادي.

شخصية ليزبيث سالاندر أصبحت أيقونة عالمية لأنها ليست بطلة تقليدية؛ إنها امرأة متمردة، منطوية، عنيفة أحيانا، لكنها ذكية بشكل استثنائي، وتقاتل مجتمعا حاول سحقها منذ طفولتها. وقد رأى كثير من النقاد أن ليزبيث تمثل ضمير الرواية الحقيقي، وأنها صورة للضحايا الذين يتحولون إلى مقاومة.

نجاح الثلاثية كان هائلا بعد وفاة لارسن المفاجئة سنة 2004 إثر أزمة قلبية، وهو في الخمسين من عمره. والمفارقة أنّ الكاتب لم يشهد شهرته العالمية، إذ تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وتحولت إلى أفلام سويدية وهوليوودية، وأصبح اسمه رمزا للأدب البوليسي الاجتماعي الذي يمزج الجريمة بالنقد السياسي.

لقد استطاع ستيغ لارسن أن يفضح عبر الأدب ما كان يلاحقه عبر الصحافة: الفاشية الكامنة خلف الواجهة الحضارية، والعنف المختبئ داخل المجتمعات الحديثة، والكراهية التي يمكن أن تتحول إلى نظام كامل من القمع. ولهذا لم تكن رواياته مجرد قصص بوليسية، بل شهادة أدبية وسياسية على أوروبا المعاصرة، وعلى الخوف الذي ظل يطارده حتى موته.

‫أُرسلت من الـ iPhone

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى