طقوس الكتابة لدى بعض الشعراء والأدباء

عساف السلمان

 ليست الكتابة فعلًا ذهنيًا خالصا كما يُتصوَّر، بل هي في تجارب كبار الشعراء والأدباء ممارسة جسدية كاملة، طقس تشترك فيه العادة والخوف والانضباط، وأحيانًا القسوة على الذات. كثيرون لم يكتبوا إلا وهم يمشون أو يصرخون أو يسهرون، أو حتى وهم يجرِّدون أجسادهم من كل وسائل الهروب. كأن النص لا يرضى أن يولد إلا في شروط خاصة، يفرضها الكاتب على نفسه قبل أن يفرضها على الورق. الإيقاع قبل الورق.
الشعر العربي في التراث العربي القديم
لم تكن الطاولة ولا القلم شرطًا للقصيدة. يُروى أن الفرزدق كان يركب فرسه ويقول الشعر على وقع حركاتها، كأن الوزن لا يستقيم إلا حين يتوافق الجسد مع الإيقاع. الفرس هنا ليست وسيلة نقل، بل أداة توليد موسيقي. أما امرؤ القيس فارتبط شعره بالترحال والصيد والمطر، في لحظات التوتر والنشوة معًا. القصيدة كانت تُقال في العراء، لا في العزلة. وفي مجالس الخمر، وجد أبو نواس طقسه الخاص؛ لم يكن السكر عنده هروبًا من اللغة، بل كسرًا لرقابتها الأخلاقية. وعلى النقيض من هؤلاء جميعًا، يقف المتنبي بعزلته الصارمة ودقته القاسية، يكرر البيت عشرات المرات قبل تثبيته، وكأن القصيدة لا تُمنح حق الوجود إلا بعد محاكمة لغوية طويلة.
وتميزت طقوس الكتابة عند نجيب محفوظ بالانضباط الصارم، حيث آمن بأن الكتابة نظام وعمل يومي لا ينتظر الإلهام. فقد كان يخصص 6 ساعات يومياً للقراءة والكتابة (قبل المعاش مساءً، وبعده صباحاً) في مكتبه بالمنزل، متمسكاً بالهدوء، وتناول القهوة (ثلاثة فناجين)، والتدخين بشراهة، مع كتابة المسودات بقلم “الكوبيا” على أوراق العرائض. وأما الشاعر نزار قباني، فقد كان ينبطح على السرير ويكتب على أوراق وردية. وأحلام مستغانمي كانت تغير أرقام هواتفها وتسافر الى بلد لا يعرفها فيه أحد وتنعزل عن العالم الخارجي. وهناك كاتب سوري كان لا يكتب إلا في كوخ معزول عن الآخرين ومطل على البحر.
وفي حديث شخصي مع الدكتوروالمترجم موسى الحالول عن كتابته للقصة قال: لا توجد لدي “طقوس” ثابتة قبل الكتابة. بل أعجب ممن يتحدثون عن اتباعهم طقوسًا معينة. قد يكون في هذه المزاعم محاولة لإضفاء شيء من القداسة أو الفرادة الاستثنائية على ما يفعلون. لكن عمومًا حين تأتيني فكرة قصة تظل تراودني عن نفسي ووقتي وانشغالاتي حتى أبدأ بكتابتها على الكمبيوتر، وقد لا أستطيع النوم مخافَة أن تضيع الفكرة مني لأني لا أعمل مخططًا للقصة التي أنوي كتابتها إلا نادرًا. وكثيرًا ما أجَّلت الكتابة، ولما عدت إلى المخطط لاحقًا وجدت أني نسيتُ مسار الأحداث التي كنت أريد رسمها، فأُجهِض المشروع. وفي كثير من الأحيان أيضًا تأخذ القصة منحى غير الذي وضعته في بالي. وبعد الكتابة الأولى تأتي المرحلة الشاقة: مرحلة المراجعة والتدقيق. فقد أنقح القصة من 30 إلى 40 مرة، أو ربما أكثر من ذلك، ولا سيما إذا كانت طويلة. لا أذكر أنني نقحت قصة، مهما قَصُرت، أقل من 10 مرات. وهذا الوسواس يلاحقني أيضًا في كتاباتي الأكاديمية والنقدية، ولا يقتصر على الكتابة القصصية.

الروس
تشكل الكتابة ضغطًا عصبيًا عند الأدباء الروس، إذ تتحول طقوس الكتابة إلى اختبارٍ قاسٍ للأعصاب. فقد كتب فيودور دوستويفسكي أهم أعماله تحت ضغط الديون وضيق الوقت، يملي الروايات على زوجته وهو في حالة توتر دائم، وهو يدخن بلا توقف، وكأن الكتابة سباق مع الإفلاس والموت معًا. أما ليو تولستوي فاختار طقسًا أخلاقيًا صارمًا: استيقاظ مبكر، نظام يومي، وإعادة كتابة لا تنتهي. كان يرى أن نقاء الجسد شرط لنقاء النص. وفي المقابل، كان فلاديمير ماياكوفسكي يكتب واقفًا، يصرخ الأبيات قبل تدوينها، مؤمنًا بأن الشعر خطاب يُلقى قبل أن يُقرأ.
أوروبا: الليل، الحلم، والعقاب الذاتي في أوروبا
التصقت الطقوس بالهشاشة النفسية والانضباط القاسي. ساميُوِل تيلر كوليردج كتب قصيدته الشهيرة Kubla Khan  تحت تأثير الأفيون، لكنه اعترف لاحقًا أن المخدر لم يكتب القصيدة، بل فتح باب الحلم فقط. أما فرانز كافكا فحوّل الليل إلى شرط وجودي للكتابة؛ لا يكتب إلا بعد منتصف الليل، في صمت تام، معتبرًا الكتابة حالة مرضية لا تُمارس إلا حين يكون الإنسان” غير صالح للحياة.” وفي أقصى هذا الطيف، يبرز فيكتور أُوغو بطقس فريد وغريب: فقد كان يكتب وهو عارٍ تمامًا أو شبه عارٍ، بعد أن يطلب من خادمه إخفاء ملابسه. لم يكن العُري بحثًا عن تحرر جسدي، بل عقوبة ذاتية تمنعه من مغادرة البيت أو التسويف. لم يبقَ أمامه سوى خيارين: الكتابة… أو البرد. بهذه الحيلة القاسية أنجز أجزاء مهمة من “أحدب نوتردام” و”البؤساء.” أُوغو هنا لا يحرر الجسد، بل يقيّده كي تنطق اللغة. وكذلك كان الكاتب الإنجليزي دي إتش لورَنس يتسلق شجرة الكرز وهو عار كي يكتب وينتظر الإلهام. أما الكاتبة الإنجليزية أغَثا كرستي، فقد كانت تنسج حبكات رواياتها وهي في حوض الاستحمام وتتناول تفاحة.
أستريد لِندغرين: الاختزال الكتابي في السرير
كانت السويدية لندغرين تتَّبِع عادة دقيقة ومميّزة في الكتابة؛ إذ كانت تدوّن مسودّاتها الأولى باستخدام الاختزال الكتابي (الستينوغرافيا). وغالبًا ما كانت تبقى في سريرها صباحًا، ترسم حكاياتها بخطوط متعرجة على دفاتر خاصة. ولم تكن تنتقل إلى كتابتها على الآلة الكاتبة إلا بعد أن تبلغ درجة كاملة من الرضا عن النص. وقد مكنها هذا الأسلوب من الكتابة بالسرعة نفسها التي تتحرّك بها الفكرة في الذهن، محافظًة على إيقاع شفهي حي في السرد.
أوغست سترندبرغ: المشي والكثافة
كان فعل الكتابة عند السويدي سترندبرغ عملية جسدية قلقة لا تعرف السكون. فقبل الجلوس إلى المكتب، كان يخرج في نزهات طويلة يستجمع فيها المشاهد ويبلورها ذهنيًا. وحين يبدأ الكتابة، تنهمر الكلمات بسرعة جارفة وكثافة عالية، مدفوعة بانفعالات حادة أو صراعات داخلية. كما كان يواظب على تدوين “دفتره الغيبي” الذي يسجّل فيه الإشارات والانطباعات اليومية، ثم يعيد نسجها في نسيج أعماله الأدبية.
سلمى لاغرلوف: الانضباط والمكان:
اشتهرت السويدية لاغرلوف بانضباطها الصارم في العمل داخل بيتها المحبّب مورباكا. كانت تكتب بانتظام خلف مكتبها، مستلهمة الكثير من الحكايات الشفوية التي سمعتها في طفولتها. وكان للمكان، وللإرث الثقافي الذي نشأت فيه، دور جوهري في إدخالها حالة التدفق الإبداعي.
توفه يانسن: العزلة في كلوفهارون
سعت الكاتبة الفنلندية-السويدية يانسن إلى عزلة تامة كي تتمكن من العمل. فقد كانت تمضي فصول الصيف في جزيرة كلوفهارون الصغيرة، حيث كانت الطبيعة القاسية والصمت العميق شرطين لا غنى عنهما لخلق عالمها الأدبي والبصري معًا.
أمريكا: طقوس الجسد
قدّم الجسد في حالة عمل الأدب الأمريكي الحديث طقوسًا أقرب إلى الرياضة اليومية. فقد كان إرنست همنغواي يكتب واقفًا، من الفجر حتى الظهر، متوقفًا دائمًا وهو يعرف الجملة التالية، كي لا يخون النص في اليوم التالي. بينما كتب وِلْيَم فوكنر وسط الضجيج، وعلى أكياس ورقية أحيانًا، غير آبه بالصمت أو النظام. أما جاك كيرواك فكتب رواية On the Road على لفافة ورق طويلة بلا فواصل، معتمدًا على السرعة والقهوة وموسيقى الجاز، كأن الرواية طريق سريع لا يحتمل التوقف.
الطقس ليس سر العبقرية في هذه الطقوس، على تنوعها وغرابتها، لا تصنع العبقرية بحد ذاتها، لكنها تكشف حقيقة واحدة: كل كاتب يعقد اتفاقًا سريًا مع جسده كي يسمح للنص بالظهور. الفرس، الليل، المخدر، الصمت، الضجيج، الفقر، أو حتى العُري… كلها ليست سوى مفاتيح مختلفة لباب واحد. وفي النهاية، لا توجد طقوس صحيحة وأخرى خاطئة، بل طقس واحد فقط يفشل الكاتب حين لا يجده: الطقس الذي يجعل اللغة تمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى