
سعود السنعوسي روائي كويتي متميز ومبدع ، قرأت له أغلب نتاجه : فئران أمي حصة و ساق البامبو و سجين المرايا و ناقة صالحة. وكتبت عنها كلها.
أسفار مدينة الطين – سفر العباءة -١- هي الجزء الأول من ثلاثية أسفار مدينة الطين التي نقرأها هنا وهي أقرب لأن تكون ملحمة روائية السرد فيها متناوب بين الرواي العليم وشخصيات الرواية العديدين هم جميعا ابطال ولهم حيّز في منصة الرواية. أن البطل الحقيقي للرواية هو مدينة الطين نفسها، هي مدينة الكويت وقد عدنا بالزمان إلى قرن تقريبا. زمن الرواية عشرينات القرن الماضي. وواقع امارة الكويت وقتها التي يحكمها أحد أمراء عائلة الصباح التي مازالت تحكم الكويت للآن.
مدينة الكويت الطينية باستثناء قصر الأمير ومنزل حديث بناه الانجليز كمقر لسفيرها وكذلك منزل بعثة تبشيرية أمريكية تغطي نفسها في العمل في المجال الطبي.
ناس مدينة الطين يعيشون على صيد اللؤلؤ في أعماق الخليج العربي ، صيد يمتد لأشهر حيث تتحرك السفن الشراعية التي أعدادها بالمئات بأمر أمير الكويت وتذهب للصيد لفترة محددة سلفا، وتعود بأمره. يسمى الشاطئ السيف الحاذي لمدينتهم ، يتعايش معه أهل المدينة منذ طفولتهم يكبرون ومصيرهم مربوط بهذا البحر الذي يقدم لهم سمك طعامهم واللؤلؤ الذي هو عماد اقتصاد المدينة. اغلب ابناء المدينة من الشباب هم غواصين يشاركوا في السفن التي تبحر إلى صيد اللؤلؤ. في كل سفينة عدد من الغواصين وعدد من العمال الآخرين يتابعون بقية شؤون السفينة على كل المستويات ، سفن تغيب اشهرا عن المدينة. حيث يصلون الى مكان الغوص لصيد المحار الحاوي للّؤلؤ يتعلم الغواص قطع نفسه إلى وقت يصل لدقيقتين يكون مربوطا بحبل في وسطه. ويعلق في قدمه قطعة من الصخر لتنزله إلى الأعماق حيث القاع والمحار منثور فيه، يستفيد الغواص من هذا الوقت لجمع المحار في سلة معلقة برقبته وعندما ينتهي تحمّله لانقطاع النفس يشد على الحبل الموصول إلى عمال في سطح السفينة يسحبونه. وهكذا يتكرر ذلك في كل يوم لعشرات المرات. وتلقى المحارات على سطح السفينة تتعرض للشمس حتى يسهل فتحها واستخراج اللؤلؤ منها.
وهكذا كل يوم حتى ينتهي موسم الصيد ويعود الصيادون الى المدينة بأمر من امير الكويت.
نحن نتابع في الرواية كل ذلك ليس معلومات عامة بل عبر أشخاص محددين سواء من يذهب الى البحر او من يبقى في البر يتابع حياته. نحن مطلين على عمق حياتهم الواقعية والاجتماعية والنفسية بكل متغيراتها. وهنا قوة الرواية. اننا امام نسيج اجتماعي متحرك لكلّ حياته وهمومه وطموحه وعقده وأفكاره وسلوكياته. نتابع كل ذلك بدأب الكاتب المبدع.
اغلب اهل المدينة فقراء يعيشون على عملهم الأساسي في صيد اللؤلؤ. ولأن مطالب الحياة لا تنتظر موسم الصيد فهم مدينون للتجار اصحاب السفن دائما ويعملون حتى يوفون ديونهم المتراكمة دائما. التجار وأصحاب السفن هم سادة المدينة وعصبها الحياتي.
في المدينة نمط تدين مجتمعي متنوع أحد الشيوخ – ملّا- معتدل متوازن عقلاني والآخر حدّي متزمت وقاسي في أحكامه . الاول مع التعلم العصري الذي بدأ يطرق أبواب الكويت. ومع التعامل الغير عدائي مع المختلفين دينيا. المسيحيين الوافدين، أما اليهود فهم متواجدين في الكويت اصلا. والآخر يرفض العلم الحديث وتعنت أمام كروية الارض ولا يقبل تغلغل الإرسالية في شؤون الكويتيين وهي فعلا تحاول تنصير من تتعامل معهم، لكنها تفشل لتحكّم المعتقد الإسلامي في نفس وروح وحياة الناس.
الناس منقسمون بين أحرار وعبيد . واغلب العبيد هم ممن سرقهم تجار العبيد من افريقيا و باعوهم في اسواق الخليج العربي واصبحوا جزء من البنية العاملة الأساسية في الكويت. وبعض العبيد قد يكونون من اماكن اخرى وقعوا ضحية عصابات النهب والسرقة التي تستعبدهم وتبيعهم.
مجتمع العبيد هذا يكون الممر لحصول الموبقات المرفوضة مجتمعيا لكنها حتمية الوجود. فمنهم نساء الحرام في بيوت المتعة. ومنهم من يعمل في تسويق المسكرات والمقامر وغيرها مما يرفضه المجتمع. المسكرات التي يتم تهريبها من خارج الكويت او يصنعها اليهود ويبيعونها بالسر.
مجتمع الكويت متداخل وخاصة في مرحلة الطفولة حيث يلعب الأطفال مع بعضهم. وقد تتوالد بين صبيانهم وبناتهم بذور حب قادم. وعندما تحيض الفتاة تعزل عن مجتمع الذكور وتلبس لباسا يخفيها كاملة حتى يتم تزويجها، هذا حال النساء جميعا إلا النساء العبيد يبقين سافرات يمارسن حياتهن بحرية أكبر. وبالتوازي مع وجود المشايخ – الملالي الذين يحفظون الدين ويتابعون حضوره في حياة الناس. يوجد مجموعة من النساء يدْعون “صاجات” بمعنى صادقات وهن نساء يمارسن السحر وكتابة التمائم وقراءة الفال وتحديد المستقبل ، يساعدّن النساء في كل شؤونهم حمل وولادة وحب وطلاق وزواج .. الخ. انهنّ الفاعلات بالتوازي والتناقض مع الاعتقاد الديني ولو انهنّ ينسبون انفسهنّ للاعتقاد الإسلامي. ولهنّ حضورا قويا يساوي حضور رجال الدين أو يزيد.
هناك اعتقاد مجتمعي ترعاه الصاجات وهو أن يحفروا في الأرض ويضعوا مشيمة الطفل الوليد حديثا. وتصبح مستقبلا بمثابة دافع يشده ليذهب اليها عندنا يكبر، وبذلك كانوا يرسلون تلك مشيمات الأطفال إلى الجزر في عمق البحر حيث توجد صاجّة ترعى دفنها والمحافظة عليها. وهكذا يضمن الاهل ان يكون ابنهم بحارا وغواصا مستقبلا ويؤمن وسيلة عيشه.
ترتبط المدينة عبر بحر الخليج مع الدنيا كلها. بدء من إمارات الخليج وبحر العرب وصولا الى الهند وبقية دول العالم المحاذية للبحار. يتبادلون معهم كل أسباب الحياة.
في الرواية حضور لكل فرد من مدينة الطين له ما درج عليه في طفولته ومراهقته وشبابه و كهولته حتى الموت. حكايا تتناسل من الجدات إلى الأمهات والأولاد. ولكل لقب وقصة.
سليمان الذي شب في عائلة توفي والده مبكرا واحب فضة ابنة حارته. وعندما كبر تزوجها وذهب إلى البحر في رحلة صيد اللؤلؤ وأنجبت زوجته بغيابه. ولان هناك اخرى عانس تحبه ادّعت بمساعدة احدى الصاجات ان سليمان وفضة إخوة في الرضاعة وبذلك حكمت عليهم غيابيا بالتفريق وإن مصير هذا الزواج إلى العدم. تنتهي الرواية ولا يعرف ماذا كان مصير هذا الزواج. حيث تدخل به الملا لي أحدهم بحث عن حل والآخر قطع ببطلان الزواج. وآخر خلقه الله امردا مخنث وكأنه امرأة تحول الى عار يسير على الأرض يحاول أن يثبت شرعية إنسانيته وأن يثبت وجوده. تحول إلى مرسال عند الصاجات . تبنى أعدادا كبيرة من القطط وعاش حياة مختلفة لكنه راض عن نفسه بشكل ما. وذلك تاسع اخوته المستقيمي السلوك و الراضي عنهم والدهم. هو انحرف وأصبح يشرب الخمر ويذهب الى نساء الحرام ويبحث عن مخرج لحياته. الطبيبة والطبيب الأمريكيين الذين يبشرون سرا بالدين المسيحي تحت غطاء ممارسة الطب والعلاج لمساعدة اهل المدينة. ولا ينجحون إلا قليلا.
أما الأمير بن الصباح فله همّ أيضا فقد جاءه رسول من “إخوان من أطاع الله” الوهابية – أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب – الذين يدعون لنبذ البدع، أنهم ينتشرون في الجزيرة العربية وينذرون الامير وأهل مدينته بالتوبة ونبذ البدع وردم المزارات وتسليم العباءة النسائية العجيبة التي وجدت في البحر وجدها أحد البحارة في احدى مرات الغوص بحثا عن اللؤلؤ. وتحولها في معتقدهم إلى وثن يجب حرقه. الأمير يسيّر امور المدينة بادارة مقبولة من الجميع فهو يراعي أحوال الناس وهو رأسهم ويهمه أمنهم وعدم ايقاعهم في المصائب. ولا يريد أن يستسلم لهؤلاء المتزمتين. يقلب الأمر على وجوه عدة. يقبل بعض طلباتهم ويرفض البعض. مع العلم ان السفير الانكليزي بجواره ولم يطلب حماية مملكته. تنتهي الرواية ويبقى هذا الوضع معلقا .
الصراع بين الملالي من يعيش العصر ويطور رؤيته الدينية مع ما وصل إليه العلم وما يحقق مصالح العباد. وبين من يتزمت ويضع الدين في مواجهة العلم ويقسو في مواجهة أحوال العامة. وكذلك دوام الصراع بين الملالي على تنوعهم مع الصاجات اللواتي يحاولن السيطرة على الفضاء الحياتي للبشر حولهم بالسحر والشعوذة والتمائم وقراءة المستقبل الذي لا يعرفه الا الله.
مجتمع المدينة يمور بالحياة ولكل فرد فيه عالم كامل له مداره في أفلاك متوازية ومتقاطعة ومتكاملة كل الوقت. يموت البعض ويولد غيرهم وتستمر دوامة الحياة.
تنتهي الرواية في لحظة توقف السرد لكن حياة مدينة الطين مستمرة، حيث لم تنتهي قصة سليمان وفضة، والسجال بين الملالي والصاجات مستمر، والحياة مستمرة.
في التعقيب على الرواية اقول:
اننا امام رواية رائعة بصفتها تأريخ مجتمعي روائي اجتماعي للكويت قبل قرن من الزمان. تعيدنا إلى ذلك الوقت بالمعلومات وواقع حياة الناس والغوص عميقا في نفوس شخصيات الرواية وما تعيش وتأمل وتعمل وتحلم. تماما كما يغوص الغواصون بحثا عن اللؤلؤ يزيد من ثروة التجار ويوفي ديونهم ويستمرون بعيش ايامهم بصعابها ومسراتها…
لقد عشنا عبر مئات الصفحات حياة كاملة موازية امتدت لعقود جعلتنا نعيش زمانا ومكانا وعصرا ليس سهلا أن نعيشه بهذه الحميمية والعمق والغوص في أعماق ذلك الواقع والعصر وتلك الحياة مع أبطال الرواية لولا فرادة سعود السنعوسي الروائي الرائع .
٩ . ١ . ٢٠٢٦م.






