فلسطين 2026… انتخابات وتحدّيات

داود كتّاب

من المتوقّع أن يشهد عام 2026 داخل فلسطين وخارجها انتخابات محلّية وحزبية ووطنية، كما ورد في مرسوم أصدره في 2 فبراير/ شباط الجاري الرئيس محمود عبّاس. قد يبدو المسار الانتخابي جزءاً من عملية إصلاح شكلي، في حين يراه آخرون مجرّد محاولة لتلبية الحدّ الأدنى المطلوب دولياً وعربياً.
أولى الانتخابات ستجري في 25 إبريل/ نيسان لاختيار 420 مجلساً بلدياً في الضفة الغربية، بينما ستُجرى انتخابات لمجلس بلدي واحد في غزّة، لبلدية دير البلح، في إطار مسعى إلى إثبات وحدة الأرض والشعب، بحسب مراقبين، كما شمل المرسوم انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني، وهو خطوة تتوّج سنةً تلت إعلان وقف إطلاق النار، تماشياً مع الوعد الذي قطعه عبّاس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي.
وبحسب المرسوم، ستُجرى الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي، مع حصّة 30% للنساء. وتولّت اللجنة المركزية للانتخابات الفلسطينية الإشراف على الانتخابات، وهي جهة فوجئت بتحمّلها مسؤولية الإشراف على انتخابات برلمان فلسطين في المنفى.
يبقى هناك غموض بشأن ما إذا كانت ستُجرى انتخابات للمجلس التشريعي لملء مقاعد الأرض المحتلّة بسبب تعقيدات تصويت أهالي القدس الشرقية، أم ستُعامَل كالمناطق الأخرى التي يصعب فيها إجراء انتخابات، وسيُعتمد بدلاً من ذلك على تعيين ممثّلين للمجلس الوطني. وهذا غير واضح: من سيكون المُعيَّنون وعلى أيّ أسس؟ وفي الوقت نفسه، ليس واضحاً كيف ستقرّر دولة فلسطين من هو رئيسها.
من غير المتوقّع أن تشارك حركة حماس في الانتخابات بسبب شرط الاعتراف بجميع الاتفاقات التي وقّعتها منظمة التحرير. هناك من يرى أن الحركات الإسلامية قد تقترح بعض المستقلّين القريبين منها للمشاركة، كما حدث في الماضي. وقد اعترضت حركات يسارية على صيغة التعهّدات المشدَّدة، غير أن المرسوم الرئاسي عُدّل بحيث يرتبط الالتزام فقط بالمنظمة وبالاتفاقات التي وقّعتها. إلّا أن ما قد يكون الأهم في 2026 هو ما ستفضي إليه نتائج مؤتمر حركة فتح الثامن، المقرَّر في 14 مايو/ أيار المقبل في رام الله، من حيث إعادة توازن القوى داخل الحركة، فمن المرجّح أن يحقّق جناح مروان البرغوثي نتائج كبيرة، بينما لن يكون لجناح الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمّد دحلان وسمير مشهراوي دور مباشر في المؤتمر الحالي، بحسب التحضيرات الأخيرة لقائمة المندوبين للحركة.
هل نحن مقبلون على حركة إصلاح ديمقراطي حقيقية، أم سيُستخدم ملفّ الانتخابات غطاءً للاستمرار في النهج نفسه والقيادة العليا نفسها مع تغييرات شكلية هنا وهناك؟
في ظلّ هذا الزخم الانتخابي: هل نحن مقبلون على حركة إصلاح ديمقراطي حقيقية، أم سيُستخدم الملفّ غطاءً للاستمرار في النهج نفسه والقيادة العليا نفسها مع تغييرات شكلية هنا وهناك؟ فالإصلاح الحقيقي يتطلّب عمليةً شاملةً تتضمّن تحسيناً فعلياً لمؤسّسات الحُكم، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، والشفافية في الأداء، ومحاربة حقيقية للفساد، وتوفير وتطبيق حقّ الوصول إلى المعلومات.
تتوالى الشروط الدولية والإقليمية، بما في ذلك شروط الولايات المتحدة وإسرائيل ودول عربية، بشأن الإصلاح؛ وقد تُترجم تلك الشروط قيوداً سياسيةً تقطع استقلال القرار الفلسطيني وتوجّهه نحو إطار تفاوضي، أكثر منه إطاراً لإجراء انتخابات حرّة ونزيهة. وقد يرى بعضهم أنّه من المستحيل إجراء انتخابات نزيهة وممثِّلة لإرادة الشعب تحت الاحتلال؛ فالاحتلال يمتلك قدرةً على منع مشاركة بعض المرشَّحين وتقييد الحركة بين المحافظات، كما أن الوضع القائم في الضفة الغربية وقطاع غزّة يشكّل عائقاً أمام حرية الحركة والتعبير والتقاء الناخبين.
ما تزال القيود المفروضة على القدس الشرقية وباقي القيود الانتخابية قائمةً، إذ من غير الواضح ما إذا كان سكّان القدس سيُسمح لهم بالتصويت في مواقع محدّدة وفق اتفاقات أوسلو، في ظلّ موقف إسرائيلي يرفض احترام بنود الاتفاق. وقد يكون أكبر معيق لانتخابات نزيهة وحرّة استمرار اعتقال إسرائيل نحو عشرة آلاف فلسطيني، ومنهم قيادات ذات شعبية واسعة مثل مروان البرغوثي (فتح) وأحمد سعدات (الأمين العام للجبهة الشعبية)، وقيادات الحركات الإسلامية، التي تمنع إسرائيل وحليفتها الأميركية من السماح لهم ولمؤيّديهم بالمشاركة في أيّ انتخابات، ضاربةً عُرْض الحائط بمبدأ حرية الاختيار للشعب الفلسطيني.
قد تعبّر الدعوة إلى الإصلاح وإجراء الانتخابات عن رغبة في تجديد الشرعية وتحديث النظام السياسي، وقد تسهم في ضخّ دماء جديدة، لكنّها تقف أمام واقع الاحتلال وتقييد الحريات وغياب إطار دستوري يحمي حقوق المواطنين ويضمن المساءلة.
الاعتماد على الانتخابات وحدها مدخلاً للإصلاح يثير أسئلةً حول ما إذا كان الناتج سيسهم في الاعتراف الدولي بالشرعية الفلسطينية، أم سيبقى مجرّد إجراء شكلي يكرّس الوضع الراهن، ويمكّن أطرافاً خارجية من النفوذ من دون تقديم حلول دائمة للصراع. فهل ستنجح فلسطين في استغلال 2026 فرصةً لإصلاح فعّال، أم ستبقى الانتخابات مجرّد محطّة لتكريس الاحتلال والانقسامات؟ الإجابة تعتمد بشكل حاسم على مدى التزام الأحزاب والفصائل والمرشّحين والمجتمع الفلسطيني بالاستفادة من هذه الآلية، وعدم الخضوع لضغوط إسرائيل والدول الداعمة، حتى تكون الانتخابات حرّة ونزيهة.
مرجّح أن تظلّ فلسطين في 2026 تواجه تحدّياتها الكُبرى، وتبقى الأعين موجّهةً إلى كيف ستُترجم هذه الانتخابات تقدّماً ملموساً للشعب الفلسطيني، لا مجرّد ترتيب سياسي إضافي ضمن واقع قائم على القوة والاحتلال.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى