
بينما كان وفد من السلطات السورية يزور باريس، أمس السبت، للقاء قضاة وضباط في الشرطة القضائية الفرنسية، ضمن برنامج تدريبي متخصص في الجرائم الدولية والطب الشرعي ودعم مسار العدالة الانتقالية في سوريا، كان مدلول العزيز، عضو مجلس الشعب السابق وأحد قادة الميليشيات المرتبطة بإيران، يتجول في شوارع مدينة دير الزور وسط تهاني حاشيته وتبريكاتهم على عودته، في مفارقة تكشف الهوّة العميقة بين خطاب العدالة المعلن، وواقع يُعاد فيه إنتاج المتورطين بالجرائم داخل البلاد.
ينحدر مدلول عمر العزيز من قرية الهرموشية غربي دير الزور، وينتمي إلى عشيرة العبيدات التابعة لقبيلة البكارة، مع اندلاع الثورة، انخرط في أحد الفصائل العسكرية المحلية، قبل أن يفرّ إلى دمشق عقب دخول “تنظيم الدولة” (داعش) إلى المحافظة، حيث أجرى تسوية مع نظام الأسد. ولاحقاً، عاد إلى المنطقة بوصفه شخصية صاعدة تحظى بدعم إيراني، وأسّس ميليشيا من أبناء عمومته، ليستثمر هذا الدعم في الوصول إلى مجلس الشعب، حيث شغل عضوية الدور التشريعي الثالث بين عامي 2020 و2024، قبل أن يرفع نظام الأسد الحصانة عنه ويحيله إلى التحقيق في قضايا تهريب.
كانت سيرة الرجل وصعوده السريع إلى عالم المال، وتقربه غير الخفي من القادة الإيرانيين في سوريا، كافية للإشارة إلى كونه واجهة اقتصادية للمشروع الإيراني في المنطقة
لم يكن لمدلول العزيز أي حضور يُذكر، وبقي اسمه هامشياً ومحصوراً في نطاق ضيق، إلى أن ظهر فجأة بصفته “رجل أعمال” غامض النشاط الاقتصادي ومصادر التمويل، حيث أسس شركة “شام العزيز” للاستيراد والتصدير، ودخل في شراكات مع شركة القاطرجي لنقل وترفيق النفط، المقربة من إيران أيضاً. وبالتوازي، عمل على بناء قاعدة اجتماعية عبر شراء الولاءات ودعم منظمات خيرية، وتولى رئاسة نادي الفتوة الجماهيري في دير الزور، وضخ أموالاً طائلة مكّنته من تحقيق بطولتي دوري متتاليتين في كرة القدم، في مسعى واضح لصناعة اسم ونفوذ داخل المحافظة، غير أن هذا المسار انتهى مؤقتاً عقب سقوط النظام، مع إعلان جهاز الأمن الداخلي، في 25 من حزيران 2025، اعتقاله في دمشق.
كانت سيرة الرجل وصعوده السريع إلى عالم المال، وتقربه غير الخفي من القادة الإيرانيين في سوريا، كافية للإشارة إلى كونه واجهة اقتصادية للمشروع الإيراني في المنطقة، خاصة أن اسمه وعائلته لم يكونا معروفين سابقاً بامتلاك أي ثروات.
يتفق كثير من السوريين على أن ملف العدالة الانتقالية في البلاد بلغ مستوى من الهشاشة يدعو للتهكم، لكن هذا الملف في دير الزور يبدو الأكثر ابتذالاً، فإطلاق سراح مدلول العزيز الذي توعد ناشطاً بعد سقوط نظام الأسد بـ”قطع أصابعه” بسبب منشورات ناقدة، ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل تفريغ العدالة من مضمونها، بعد أن سبقتها تسوية وضع فرحان المرسومي، المتهم الأبرز في المحافظة بتهريب السلاح والمخدرات، والعمل مع الحرس الثوري الإيراني.
مع تسارع إعادة تعويم رؤوس الإجرام في دير الزور وإعادتهم إلى مسرح جرائمهم، لا يكاد ينقص المشهد سوى عودة قائد ميليشيا “الدفاع الوطني” فراس الجهام، ليُغلق الباب نهائياً أمام أي أمل لدى الضحايا وذويهم في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فخلال الأيام الماضية، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب حسابات تعود لعناصر سابقين في الميليشيا، أنباء عن عودة الجهام إلى دمشق واستكماله تسوية وضعه، تمهيداً لعودته إلى دير الزور، في مؤشر على أن الأمر قد لا يقتصر على مجرد شائعات وتمنيات شبيحة عاطلين عن الإجرام، بل يتجاوزها إلى محاولة لجس نبض الشارع الديري.
إن تمسك السوريين عموماً، وأولياء الدم خصوصاً، بمبدأ العدالة الانتقالية ليس ترفاً ولا نزعة انتقامية أو نبشاً عبثياً بمآسي الماضي، بل ضرورة لمنع تكرار الجرائم ومعالجة جذور الانتهاكات
قبل أيام، ظهر وزير العدل الدكتور مظهر الويس في برنامج “صالون الجمهورية”، مؤكداً أن الفلسفة الأساسية للعدالة الانتقالية تبدأ بإصلاح المؤسسات وجمع الأدلة لمنع إفلات أي مجرم من العقاب، واصفاً نفسه بأنه “وليّ دم لجميع الضحايا السوريين”، غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحاً: كيف يمكن التوفيق بين هذا الخطاب وواقع إعادة المجرمين إلى مسارح جرائمهم، وتسوية أوضاعهم بهذه الجرأة؟ وهل يتعارض إصلاح المؤسسات، مع محاسبة رؤوس الإجرام بدلاً من “مسامحتهم”؟
إن تمسك السوريين عموماً، وأولياء الدم خصوصاً، بمبدأ العدالة الانتقالية ليس ترفاً ولا نزعة انتقامية أو نبشاً عبثياً بمآسي الماضي، بل ضرورة لمنع تكرار الجرائم ومعالجة جذور الانتهاكات، تمهيداً لإعادة كتابة عقد اجتماعي جديد لبلد سحقته سياسات نظام الأسد الممنهجة لعقود، وأوصلته إلى هذا المستوى من العنف والطائفية والدموية.
وأمام هذا الواقع، قد يكون من الأجدى للهيئات والمؤسسات التي تشكّلت بعد سقوط نظام الأسد، تحت عناوين العدالة الانتقالية والبحث عن مصير المغيبين قسراً، أن تعيد النظر في دورها، وربما في جدوى وجودها بعد قرابة عام على تأسيسها، فما القيمة العملية لهذه الأطر، في حين ترى عائلات الضحايا قتلة أبنائها يعودون واحداً تلو الآخر إلى الواجهة، وينخرطون في شراكات اقتصادية واستثمارات علنية مع الحكومة، في وقت اختُزل فيه دور هذه الهيئات في تنظيم ندوات الدعم النفسي لأسر الضحايا، وإجراء لقاءات إعلامية، بعيداً عن غرضها الأساسي في تلبية مطالب العدالة، واستعادة النسيج الاجتماعي، وبناء سلام مستدام في البلاد.
المصدر: تلفزيون سوريا






