مبادرة “التيار الثالث” في السويداء

عمر كوش

حدثت أخيراً تغيّرات متسارعة في المشهد الجيوسياسي في سورية، وحملت معها ارتدادات متعدّدة المستويات، لعلّ أهمها الارتدادات الداخلية؛ إذ تُوِّج الوضع الجديد بتوقيع الاتفاق الشامل في 29 الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذي أعلن فشل مشروع “الإدارة الذاتية”، وانتهاء مهمّة “قسد” في شمال شرق البلاد، مقابل نجاح مسعى السلطة السورية الجديدة في بسط سيطرتها المركزية على المناطق التي كانت تسيطر عليها “قسد”. وقد دفع ذلك سوريين عديدين إلى طرح أسئلة عن انعكاسات هذا التغيّر وارتداداته على محافظة السويداء، وممكنات تنفيذ سيناريو مشابه فيها.
من الضروري دعم المبادرات المدنية كافّةً في سورية عموماً، وفي السويداء خصوصاً، بوصفها وسيلةً مهمّةً لتجنّب الصدام الداخلي
انعكس التغيّر الحاصل سريعاً على الوضع في المحافظة وفق مستويين: أولهما تجسّد في ردّ فعل غاضب واستباقي يرفض ما قد يحمله من ارتدادات على الوضع المستعصي في السويداء، والخارج عن سيطرة الدولة السورية، لكنّه يضمر، في الوقت نفسه، خوفاً من أن ينسحب هذا التغيير على مناطق نفوذ سلطات الأمر الواقع المتحكّمة في هذه المحافظة. لذلك سارعت هذه القوى، ممثلةً بمليشيا “الحرس الوطني” التي تُوالي الشيخ حكمت الهجري، إلى تنظيم تظاهرة في ساحة الكرامة، تعمّدت فيها رفع الأعلام الإسرائيلية وصور نتنياهو، الذي التقط بدوره الإشارة المرسلة إليه من قادة “دولة الباشان”، فسارع عبر مقطع مصوّر إلى تأكيد وقوف دولة الاحتلال إلى جانب “المجتمع الدرزي”، مؤكّداً استمرارها في ذلك.
ظهر المستوى الثاني من الارتدادات في مبادرة طرحها تيار جديد، يُدعى “التيار الثالث”، تشكّل من سياسيين وأكاديميين ومثقّفين في السويداء، أعلنوا تشكيل “هيئة إنقاذ مدنية” لـ”حماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى”، وأصدروا بياناً موجّهاً إلى أهل السويداء في الداخل والخارج، حمّلوا فيه السلطة السورية مسؤولية انتهاكات يوليو الماضي في المحافظة، ودانوا المجازر التي وقعت، مع المطالبة بمحاسبة المرتكبين وجبر الضرر. ولكن البيان اختلف في طرحه عن أطروحات التيار المهيمن في السويداء؛ إذ لم تعتمد المبادرة التي طرحها خطاب القطيعة مع الدولة السورية، ولم تلتقِ مطالبه قَطّ مع دعوات طلب الحماية الإسرائيلية أو مع قيام “دولة الباشان”. فقد أكّد الانتماء الوطني الأصيل لأبناء السويداء بوصفها جزءاً من سورية، إلى جانب إقرار الجمع بين الانتماء السوري والمطالبة بلامركزية إدارية توافقية تمنح المجتمع المحلّي قدرةً أكبر على إدارة شؤونه، من دون الانزلاق نحو مشاريع التقسيم والانفصال.
يبدو أن المتغيّرات الأخيرة دفعت غالبية أهالي السويداء إلى التفكير مجدّداً في الوجهة التي يُراد دفعهم إليها، فكان ردّهم التشديد على الانتماء الوطني الذي طالما كان مصدر فخر لهم، والتذكير بإرث الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان الأطرش. وبالتالي، أسهمت مستجدّات الوضع السوري الجديد في دفع نخب من أبناء المحافظة إلى إطلاق مبادرة مدنية غايتها تتجسّد في البحث عن تسوية سورية، ويمكنها الخروج من حالة الاستعصاء القائمة بين السلطة السورية وسلطة الأمر الواقع المسيطرة على المحافظة وناسها.
يوحي إطلاق مبادرة “التيار الثالث” بعدم الصمت عن حالة الاستعصاء التي تعيشها المحافظة، وبالحاجة إلى العمل لفتح مسار منظّم يجنّب المحافظة وناسها تكلفة الحلول القسرية التي قد يفرضها الواقع، في ظلّ إجماع دولي على وحدة الأرض السورية، وعلى دعم السلطة السورية في بسط سيادتها عليها. وهو ما يفسّر ضرورة البحث عن حلول منطقية تجنّب المحافظة الصدام العسكري. وهنا يبرز دور مبادرات العمل المدني الهادفة إلى تنظيم الموقف المجتمعي وبلورة مطالبه عبر الحوار، وبعيداً من العنف.
وقد حاولت السلطة السورية ملاقاة مبادرة “التيار الثالث” ببيان أصدره محافظ السويداء مصطفى البكّور، بعنوان “نحو مستقبل آمن للسويداء”، وتحت شعار “خيار مصيري بين استمرار الأزمة وحلّ يحفظ ظلّ المستقبل”، بهدف الوصول إلى تسوية شاملة للأزمة في المحافظة، لكنّه لم يأتِ على ذكر المبادرة، واكتفى بتأكيد أن السويداء ستبقى مساحةً للعقل والتفاهم، مع إشارته إلى أن دعوة الحوار الوطني لا تزال مفتوحة، وأن إرادة أبناء السويداء أقوى من أيّ عرقلة.
إرادة أهل السويداء ومجتمعها المدني أقوى من سلطات الأمر الواقع في “دولة الباشان”
ومن الضرورة بمكان دعم المبادرات المدنية كافّةً في سورية عموماً، وفي السويداء خصوصاً، بوصفها وسيلةً مهمّةً لتجنّب الصدام الداخلي. ويمكنها أن تشكّل عامل ضغط على القوى المحلّية المرتبطة بأجندات خارجية، وأن تسهم في إضعافها تدريجيّاً؛ لأنها تعبّر عن مطالب الناس المُحقَّة، ولها قدرة على التأثير ليست قليلة، على الرغم من أن من غير المتوقّع أن تُحدث فارقاً كبيراً في وضع السويداء.
يتوقّف تأثير “التيار الثالث” في وضع السويداء على الخطوات اللاحقة التي سيتّخذها. ومع ذلك، يمكن لمبادرته أن تشكّل أرضيةً من أجل حل ملفّ السويداء، لأنها تحتوي على معادلة متوازنة تقوم على تحميل السلطة مسؤولية ما حصل من انتهاكات، ومحاسبة المتورّطين، والإقرار بانتماء السويداء إلى النسيج الوطني السوري.
ووفق المعطيات الحالية، هناك عوامل عديدة تلقي بظلالها على مصير الوضع في السويداء، في وقت تستمرّ فيه مفاعيل التعقيد، أبرزها استمرار التدخّل الإسرائيلي؛ إذ أظهرت مقاطع مصوّرة بثّها ناشطون في الخامس من فبراير/ شباط الجاري هبوط مروحيات إسرائيلية في مناطق سيطرة “الحرس الوطني” في السويداء. وسبق ذلك تعيين الجيش الإسرائيلي اللواء غسّان عليّان منسّقاً خاصّاً للتواصل مع دروز لبنان وسورية.
كذلك يستمر شيخ العقل حكمت الهجري والمليشيا التابعة له في السيطرة على أجزاء واسعة من محافظة السويداء، بعد أن رفض “خريطة الطريق” التي أُعلنت بدعم أميركي وأردني، في سبتمبر/ أيلول الماضي. ومع ذلك تبقى إرادة أهل السويداء ومجتمعها المدني أقوى من سلطات الأمر الواقع كلّها في “دولة الباشان” وداعميها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى