الجزيرة الملعونة  ( أبستين )

عساف سلامة السلمان

لم تكن الجزيرة تظهر على الخرائط. كانت صغيرة، بيضاء، كأنها فكرة مؤقتة خطرت على المحيط ثم نسيها. جزيرة لا تصلها القوانين. كانوا يصلون إليها ليلاً، بطائرات تهبط بلا أصوات. لا جوازات تُختم، ولا أسئلة تُطرح. في المطار الصغير، لا موظفين… فقط بوابة تُفتح تلقائياً لمن يعرف الاسم الصحيح.
في وسط الجزيرة قصرٌ زجاجي. الجدران شفافة، لكن ما يجري في الداخل لا يُرى. كل شيء نظيف إلى درجة الشبهة: الأرض، الأكواب، الوجوه. كان الحاكم لا يحمل لقباً. لم ينتخبه أحد، ولم يعترض عليه أحد. كان يقول: “هنا لا نكسر القوانين، لأننا لا نحتاجها.”
في المساء، كانت تُجلب فتيات بأسماء مؤقتة. أعمارهن تُكتب بقلم رصاص، ويمكن مسحها بسهولة. لم يكن يُسمح لهن بالنظر في العيون. ولا بسؤال: لماذا؟ فالجزيرة لا تعترف بالأسئلة، فقط بالخدمة.
ذات مرة، ضاعت فتاة. بحثوا عنها قليلاً، ثم ألغوا البحث. قال أحدهم: “من يختفي هنا، لم يكن موجوداً أصلاً.”
بعد سنوات، وصلت سفينة من البرّ. قالت إنها تحمل القانون. أوقفوها عند الشاطئ. نزل القبطان، نظر حوله، رأى كل شيء في مكانه: القصر، الحاكم، البحر، الابتسامات. وقّع ورقة، وغادر. في الليلة نفسها، مات الحاكم في غرفته. قالوا: انتحر. وقال البحر: لا رأي لي. في الصباح، استمرت الطائرات بالهبوط. لم يتغير شيء. فالجزيرة لا تسقط بموت حاكمها. هي تقوم على فكرة أبسط: حين تصبح السطوة قانوناً، تتحوّل الجزر إلى دول، وتتحوّل الدول إلى جزر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى