تطبيق “تعارف” اللبناني: “المواعدة” بنسختها الطائفية

سكينة السمرة

“حزب”، “قوات”، “تيار”، أو “حركة”… ستجد هذه الخيارات عند إدخال بياناتك، إلى تطبيق “taaruf” اللبناني، وليس إلى تطبيق متعلق بالانتخابات المرتقبة مثلاً. ففي زمنٍ يُفترض فيه أن تقوم تطبيقات التعارف على الاهتمامات والأفكار، الهوايات، والتقارب الإنساني، والشخصيات، يبرز تطبيق “تعارف” اللبناني الذي أثار جدلاً على منصات التواصل لأنه اختار مساراً مختلفاً وغير مختلف في آنٍ معاً، إذ اعتمد إعادة إنتاج أخلاقيات المنظومة كما هي، ولكن بصيغة رقمية.
تطبيق “تعارف” لا يكتفي بالسؤال عن العمر أو الاهتمامات أو نمط الحياة، بل يذهب مباشرة إلى صلب الهوية اللبنانية، عبر أسئلة صريحة عن الديانة والانتماء السياسي، وهي عناصر لطالما شكّلت خطوط تماس غير مرئية في علاقات المجتمع اللبناني. ما يُقدَّم للمستخدم على أنه “خيار شخصي” في بناء ملفه، يتحوّل عملياً إلى “آلية تصنيف دقيقة” تعكس، وربما تكرّس، الانقسامات القائمة.

من التعارف إلى الفرز
ظاهرياً، يحاجج المدافعون عن التطبيق بوصفه مرآة للواقع: فالمجتمع اللبناني، تاريخياً، قائم على اعتبارات دينية وسياسية تلعب أحياناً دوراً أساسياً في العلاقات الاجتماعية العادية، فكيف بحالات الارتباط والتعارف. لكن الإشكالية لا تكمن في عكس الواقع فقط، بل في تحويل هذا الواقع إلى نظام افتراضي مُنظم، حيث تُختزل العلاقات الإنسانية إلى خانات وانتماءات.
بهذا المعنى، لا يقدّم التطبيق مساحة للتعارف بقدر ما يقدّم خريطة رقمية للانقسام اللبناني: من ينتمي إلى ماذا، ومن يفضّل من، ومن يُستبعد قبل حتى بدء الحوار؟ وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل وظيفة التكنولوجيا أن تتجاوز الانقسامات، أم أن تعيد إنتاجها وتكريسها؟
قاعدة بيانات للهوية اللبنانية
الجدل لا يتوقف عند البعد الاجتماعي، بل يمتد إلى البعد الرمزي. فحين تُجمع هذه المعطيات، الدينية والسياسية، في تطبيق واحد، فإن الأمر لن يقتصر على تفضيلات فردية، بل ينسحب على قاعدة بيانات للانتماءات اللبنانية. صحيح أن هذه المعلومات تُدخل طوعاً، لكن طوعيتها لا تلغي خطورتها، ولا دلالتها في بلد هش، خصوصاً من ناحية الأمن الرقمي.
هنا، يصبح التطبيق أشبه بأرشيف غير رسمي، يعكس ما قد لا يُقال علناً، لكنه يُمارَس فعلياً في الحياة اليومية: الاختيار على أساس “مين بيشبهنا” طائفياً وسياسياً، حتى في أكثر المساحات الخاصة.

منتجات
في حديثٍ لـ”المدن”، ترى المتخصصة غي علوم الاتصال الدكتورة نهوند القادري أنّ التطبيقات الرقمية  بشكلٍ عام لا تُنشأ بدافع خدمة المستخدمين أو تسهيل التواصل فحسب، بل تحمل في جوهرها أهدافاً تجارية واضحة تقوم على جمع البيانات واستثمارها. وأكدت أنّ كل تطبيق له ثمن وغاية محددة، وأن المستخدمين يتحولون، من خلال استخدامهم اليومي لهذه المنصات، إلى منتجات.
واعتبرت القادري أنّ كل نشاط يقوم به الأفراد في الفضاء الرقمي يخلّف آثاراً معلوماتية لا تُمحى، تُحلَّل بواسطة الخوارزميات وتُستثمر اقتصادياً. وأشارت إلى أنّ السؤال لا يكمن حول رغبات المستخدم اللبناني، بل في مصالح الجهات التي تطوّر التطبيقات وتروّج لها وتستفيد منها.
وأضافت أنّ ثمة مسألة بالغة الأهمية في هذا السياق، تتمثل في أن البيانات التي تُجمع لا تُستخدم فقط لأغراض تجارية، بل قد تُباع للمعلنين، أو تُستثمر في الحملات الانتخابية، أو تُستغل من قبل أطراف متصارعة، بما في ذلك جهات معادية، مما يفتح الباب أمام مخاطر أمنية وسياسية.
طائفية وعنصرية
وفي ما يتعلق بطرح أسئلة ذات طابع حزبي أو طائفي ضمن التطبيقات، أوضحت القادري أنّ هذه الممارسات تندرج في إطار جمع البيانات وتحليلها، معتبرةً أنّ الطائفية والعنصرية والطبقية أمراض قائمة في المجتمع وليست نتاج التطبيقات وحدها.
ورأت أن المنصات الرقمية تعمل بمنطق مختلف تماماً عن منطق المستخدمين، إذ تهدف أساساً إلى استدامة الاتصال وزيادة التفاعل لتحقيق الأرباح، بغضّ النظر عن التداعيات الاجتماعية أو النفسية على الأفراد والمجتمع.
مرآة أم تكريس؟
أنصار التطبيق يرون فيه واقعية، بل صراحة لبنانية. فالتعارف، بنظرهم، لا يمكن فصله عن هذه العوامل، وتجاهلها لا يلغي وجودها. في المقابل، يرى منتقدوه أن المشكلة ليست في كشف الواقع، بل في تطبيعه وتحويله إلى ميزة تقنية، بدل محاولة كسره أو تجاوزه في سبيل أن تتشكل العلاقات الإنسانية، على أنواعها، بشكلٍ إنسانيّ بحت.
بين هذين الموقفين، يقف “تعارف” كظاهرة لافتة: ليس مجرد تطبيق مواعدة، بل تمثيل رقمي لمجتمع منقسم، اختار أن يحمل انقساماته معه إلى هاتفه الذكي. والجدل الذي أحدثه التطبيق لا يعود فقط إلى أسئلته الجريئة، بل إلى ما تكشفه هذه الأسئلة عن لبنان نفسه. ويبقى السؤال: هل العيب في التطبيق الذي قدم الخيارات، أم في مجتمعٍ لم يعد يرى الآخر إلا من خلال “خاناته” السياسية؟

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى