حين تتحول الأمطار إلى كارثة.. عواصف داريا تكشف عن إرث النظام المخلوع

تأثرت مدينة داريا في ريف دمشق بشكل كبير بالمنخفضات الجوية التي ضربت البلاد، حيث كشفت الأمطار الغزيرة مجدداً حجم التحديات الخدمية والبنيوية التي تعاني منها المدينة منذ سنوات. وبينما تفاوتت التوصيفات الرسمية والشعبية لما جرى بين “كارثة” و”أضرار كبيرة”، اتفق جميع من تحدثوا لموقع تلفزيون سوريا على أن ما حصل يعكس واقعاً هشاً لبنية تحتية لم تتعافَ بعد من آثار قصف النظام المخلوع، في ظل إمكانات محدودة وخطط ما تزال قيد الدراسة أو الانتظار.
وبحسب إفادات محلية، أدت غزارة الأمطار إلى تجمع المياه في شوارع وأحياء عدة، ودخولها إلى منازل وأقبية ومحال تجارية. وفي بعض المناطق، سُجل اختلاط بين مياه الصرف الصحي ومياه الشرب، ما أثار مخاوف صحية لدى الأهالي، ولا سيما في ظل ضعف شبكات التصريف وعدم قدرتها على استيعاب الكميات الكبيرة من المياه.
بنية تحتية غير قادرة على الصمود
قال ناشط من المدينة مطلع على الوضع الخدمي، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، إن ما شهدته المدينة خلال الأمطار الغزيرة يُعد “حادثاً كبيراً” نتيجة لشدتها، موضحاً أن المياه دخلت إلى منازل وأقبية، ووصلت حتى إلى بعض المنشآت الخدمية، بينها الفرن الآلي، حيث غمرت المياه المداخل المخصصة لانتظار الزبائن، إضافة إلى بعض الأماكن التي يرتادها الأهالي بشكل يومي.
وأوضح الناشط الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن الطرقات في داريا “غير مؤهلة لتحمّل مثل هذه المنخفضات”، معتبراً أن السبب الرئيسي يعود إلى أن المدينة “منهكة جداً”، وأن مخططها التنظيمي وبنيتها التحتية لا يتناسبان مع عدد السكان الحالي ولا مع متطلبات المرحلة الراهنة.
وأكد أن سنوات قصف النظام المخلوع أثرت بشكل كبير في المدينة، وانعكس ذلك سلباً على واقع الخدمات والبنية التحتية.
وأضاف أن التدخل الحكومي خلال أول منخفض، والذي كان قوياً جداً، كان محدوداً، وأن المبادرات التي أطلقها المجتمع المحلي، على أهميتها، لم تتمكن من مواجهة حجم الأضرار، نظراً لأنها تحتاج إلى إمكانيات ومقدرات أكبر.
وأكد المصدر أن المدن التي تعرضت لقصف ودمار واسع، مثل داريا، تحتاج إلى خطط خاصة تتضمن إجراءات إسعافية عاجلة، إلى جانب خطط استراتيجية بعيدة المدى، مشيراً إلى أن الإدارة المدنية والمحلية اتخذت بعض الخطوات ضمن الإمكانات المتاحة، من بينها العمل على فتح مجرى النهر الغربي الذي يستقبل أحياناً فائض المياه، إلا أن هذه الخطوات ما تزال محدودة. واعتبر أنه لو كان هناك تدخل حكومي جاهز وخطة طوارئ مسبقة، لكان الوضع مختلفاً.
وحذّر من مخاطر إنشائية وصفها بـ”المخيفة”، موضحاً أن شدة الأمطار أدت إلى تأثر عدة أبنية، وانهيار سقف أحد المباني، وتهدم أحد الجدران، إضافة إلى تضرر أبنية أخرى، ما أثار مخاوف من احتمال انهيار مزيد من الأبنية المتصدعة التي تقطنها عائلات.
وشدد على ضرورة اتخاذ حلول إسعافية عاجلة قبل وقوع أي كارثة، من بينها حصر المنازل المتصدعة بشكل كبير، ولا سيما تلك التي تقطنها عائلات، نظراً لوجود أبنية بحالة إنشائية سيئة قد تكون عرضة للانهيار.

توضيح البلدية وخطط بانتظار التمويل
من جهته، قال نائب رئيس بلدية داريا، إسماعيل ناعسة، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إن “كارثة” لم تحصل في المدينة، موضحاً أن البلدية نظّفت قبل المنخفض الجوي ريغارات الصرف الصحي وريغارات الصرف المطري المرتبطة بها.
وأشار ناعسة إلى أن انخفاض أرض داريا مقارنة بمدينة المعضمية يجعلها نقطة تجمّع للسيول، ما يؤدي إلى تدفق المياه باتجاه المدينة، مؤكداً أن خطوط الصرف الحالية لا يمكنها استيعاب هذه الغزارة الكبيرة من المياه.
وأضاف أن خطوط الصرف الرئيسية بحاجة إلى مشروع كبير لاستبدالها، بعد أن تعرض معظمها للتخريب خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن القصف الذي تعرضت له المدينة أدى إلى حدوث انخفاسات في الطرقات، ما تسبب بتجمع المياه وعدم سيلانها بشكل طبيعي، وأن مشكلة السيول في داريا قديمة ومعروفة منذ سنوات.
وأوضح أنه جرى التنسيق مع الموارد المائية، وتم فتح بعض الأنهر الظاهرة التي كانت مسدودة، إلا أن غزارة المياه، ولا سيما مياه السيول المختلطة بالصرف الصحي، كانت أكبر من قدرة هذه الأنهر على التصريف.
وفيما يتعلق بحملة “ريفنا بيستاهل”، أكد نائب رئيس البلدية أنه حتى تاريخ التصريح لم يتم توزيع أموال الحملة، في حين علم الموقع من مصادر مطلعة أن أكبر عقبة تواجه الحملة هي تحصيل التبرعات من المتبرعين.
وأشار إلى أن البلدية درست خطة لاستبدال الخط الرئيسي للصرف الصحي، إلا أن تنفيذها مرتبط بتأمين الدعم، سواء من خلال منظمة داعمة أو عبر إدراج المشروع ضمن موازنة عام 2026 التي لم تصدر بعد.
وأضاف أن كساء الطرقات بالإسفلت للتخلص من تجمعات المياه وتأمين سيلانها بشكل انسيابي يتطلب تكاليف مرتفعة وخططاً تمتد لعدة سنوات في حال توفر التمويل اللازم.
وشدد ناعسة على أن داريا “مدينة منكوبة بكل معنى الكلمة”، ولا يمكن مقارنتها بأي مدينة أخرى، مشيراً إلى وجود تنسيق بين إدارة المنطقة والبلدية والدفاع المدني للتعامل مع أي طارئ.
وبشأن التواصل مع المحافظة، أكد ناعسة أن محافظ ريف دمشق زار المدينة واطلع على الواقع الخدمي فيها، موضحاً أن الدولة تسلمت البلاد في وضع اقتصادي صعب جداً، ما يحد من إمكانية تنفيذ مشاريع كبيرة في الوقت الحالي.
وأشار إلى أن ما يتم تنفيذه يقتصر على الأعمال الضرورية، في ظل بنية تحتية مدمرة تشمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرقات، إضافة إلى محدودية دور المنظمات التي تعمل بإمكانات مالية متواضعة.
وفي محاولة للحصول على توضيح رسمي حول واقع البنية التحتية وخطط الاستجابة للمنخفضات الجوية، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع مديرية منطقة داريا، إلا أنها امتنعت عن الإجابة عن أسئلة الموقع، ولم تقدّم أي تعليق حول ما جرى أو الإجراءات المتخذة لمعالجة الأضرار.
الأهالي بين الخسائر اليومية والأسئلة المفتوحة
من جهته، قال معن شحادة، أحد سكان داريا، إن الأمطار كانت غزيرة، إلا أن الأثر الأكبر نتج عن دمار البنية التحتية، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الأهالي تضرروا، وأن منزله كان من أكثر المنازل تضرراً بسبب فيضان النهر الغربي القادم من جهة طريق الأعوج.
وأوضح أن مجرى النهر كان مفتوحاً في مناطق مجاورة ومغلقاً داخل داريا، ما أدى إلى دخول المياه بكميات كبيرة إلى منزله لقربه من مجرى النهر، مضيفاً أنه تواصل مع الجهات المعنية، إلا أن الاستجابة لم تكن فورية، حيث جرى فتح النهر في اليوم التالي وبدأ تصريف المياه.
وأشار شحادة إلى أنه اضطر لتحمل تكاليف تصريف المياه وإخراجها من منزله، والتي بلغت نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية.
وعبّر عن حزنه الشديد عند مقارنة وضع داريا بمدينة دمشق، معتبراً أن المدن الأكثر تضرراً يجب أن تحظى بأولوية في الاهتمام والدعم.
ولفت إلى أن غياب هذا الاهتمام يُعد أمراً محزناً، خاصة في ظل ملاحظته وجود اهتمام بمناطق لم تتعرض لدمار مماثل.
بدوره، قال أحمد أبو قصي، من سكان داريا، إن الطرقات في المدينة بحالة سيئة، حيث تتحول إلى مستنقعات مائية تتشكل داخلها حفر، مبيناً أن شبكات الصرف الصحي غير مهيأة للتعامل مع مثل هذه المنخفضات الجوية.
واعتبر أبو قصي أن هناك تقصيراً عاماً، مؤكداً أن التعامل مع المنخفضات الجوية يجب أن يكون ضمن أولويات واضحة وخطط إسعافية مسبقة. وتحدث عن غرق عدد من المنازل بالمياه، وسوء الواقع الخدمي بشكل عام، من انقطاع الكهرباء إلى ضعف الشبكات الخدمية.
وأضاف أن الأهالي لا يريدون أرقاماً للتواصل مع الدفاع المدني وقت الكارثة، بل يطالبون بإجراءات تضمن تفادي الكارثة من الأساس، لافتاً إلى أن عمليات تزفيت الطرقات اقتصرت على مناطق محددة، وعادت لتتضرر مجدداً مع هطل الأمطار.
الدمار في داريا يفوق الوصف
منذ انطلاق الثورة السورية، تعمّد النظام المخلوع تحويل مدن بكاملها، وفي مقدمتها داريا، إلى أماكن غير صالحة للحياة. فصبّ عليها عنفاً ممنهجاً، استخدم فيه البراميل المتفجرة والقصف المدفعي والجوي والصاروخي، وفرض حصاراً خانقاً انتهى بتجويع السكان وتهجيرهم قسراً لسنوات، قبل أن تُنهب منازلهم وتُسرق محتوياتها.
ويبدو الدمار اليوم في داريا مذهلاً في حجمه وقسوته؛ فمعظم المباني السكنية متهالكة، والكتل الخرسانية المتدلية لا تزال معلّقة فوق الطرقات الخالية، في مشهد يوحي بأن المدينة توقفت عند لحظة الانفجار. ووفق تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2022، فإن نحو 43 في المئة من البنية السكنية في داريا تعرضت للتدمير.
أما على صعيد البنية التحتية والخدمات، فقد جاءت داريا في أسوأ تصنيف بين 14 مدينة شملها التقرير ذاته. إذ يحتاج ما يقارب ثلث شبكة الطرق فيها إلى إعادة تأهيل شاملة، في حين أدت سنوات القصف إلى تدمير شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. وتسببت الأنقاض المتراكمة بانسداد قنوات الصرف، ما أدى إلى تسرّب النفايات إلى التربة. كما خرجت سبعة من أصل ثمانية مرافق صحية عن الخدمة إلى حد كبير، في حين تحوّل المستشفى الوطني إلى مبنى مهجور بلا أي وظيفة.
وبين واقع خدمي شديد الهشاشة، وخطط معلّقة، وأسئلة ما تزال بلا إجابات واضحة، تقف داريا اليوم في مواجهة مفتوحة مع كل منخفض جوي، بانتظار حلول جذرية تعيد إليها الحد الأدنى من الأمان والاستقرار، وتمنح سكانها فرصة جديدة للحياة.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى