تزييف الوعي -2-   ” تحرير المرأة ” نموذجًا       

الدكتور عبد الناصر سكرية 

من المعاني العظيمة التي تستخدم بصورة سلبية لتعطى معان منفرة تؤدي رسالة ثقافية وسياسية تخدم اعداء التحرر العربي الذين يستميتون لوأد وتشويه وتخريب أية محاولة لبناء وعي عربي يساهم في دفع مسيرة التقدم إلى الأمام :
1 – تحرير المرأة :
مما لا شك فيه ولا حاجة لمناقشته أصلا ؛ أن المرأة كإنسان أولا وكجزء من بنيان أي مجتمع وكطرف أساسي فاعل في تكوين الأسرة – لا بل الطرف الأساسي الأكثر فعالية في نجاح الأسرة – إنما هي عنصر أساسي وجوهري في تحرر وتنمية وتقدم المجتمع ومن ثم الوطن..إن مشاركة المرأة في كل ميادين العمل والحياة العامة بمختلف جوانبها إنما هو حق لها بل مطلب وطني بهدف تعزيز المقدرات وتوظيفها جميعا لخدمة أهداف ومصالح المجتمع عامة..ليس هذا موضع مساءلة أو نفي أو إنكار..
ويبقى أن شعار : ” تحرير المرأة ” يطلق ويسوق ويعمم لأهداف أخرى لا تصب في مصلحة المجتمع ولا في مصلحة الوطن ..يتحدثون عن تحرير المرأة دون تحديد : تحريرها من من ؟ أو تحريرها من ماذا ؟؟ إن معظم الكتابات والأنشطة التي ترفع هذا الشعار لا تتطرق إلى مضمون محدد : من الذي يصادر حرية المرأة ؟ وماذا تصنع المرأة بحريتها ؟ وتتحرر من أجل ماذا وما هي الأهداف المطلوبة من كل ذلك ؟؟
ثمة ملاحظات أساسية تستوجب التوقف حين الحديث في هذا الموضوع :
أ – المرأة إنسان في مجتمع معين..ليست كل النساء مثل بعضهن..وليست كل المجتمعات متشابهة من حيث الخصائص والمكونات والقيم الإجتماعية والظروف السياسية..وبالتالي يصبح الحديث العام  عن تحرير المرأة دون تحديد أية إمرأة ؛ حديثا قابلا للإحتواء والإستغلال وحتى الإبتزاز..
ب – تتنوع ظروف حياة أي مجتمع عن غيره من المجتمعات ..في كل مجال من مجالات الحياة..وبالتالي فإن أي حديث عن تحرير المرأة دون إعتبار لظروف المجتمع الذي تعيش فيه ؛ يغدو حديثا غامضا يحمل في طياته الكثير من الشبهات والأهداف المبيته التي تبطن غير ما تعلن..
ج – دون تحديد الهدف المطلوب من ” تحرير المرأة ” وما هو معنى ومضمون هذا التحرير ؛ يصبح الحديث مفرغا من المضمون الإيجابي وقابلا لملئه بمعان ومضامين سلبية تمرر تحت غطاء الشعار الجميل والإيحاءات المغرية..
فإذا كانت نوايا المطالبين بتحرير المرأة طيبة وصادقة وبريئة ؛ وجب عليهم أن يعلنوا ماذا يقصدون وعما يتحدثون ولأية غايات نهائية..
إن أبقاء الحديث في إطاره العام غير المحدد وغير الواضح ؛ يحمل الكثير من الغموض ويترك المجال واسعا لكثير من الجهات المغرضة والمشبوهة لإستغلال الشعار وتحويله إلى ما تريد وإعطائه مضمونا سلبيا تخريبيا لا سيما على القيم الأخلاقية والسلوكية ..وهذا ما يحصل ويشكل تهديدا حيويا لبنيان المجتمع والأسرة والمرأة ذاتها..
إن متابعة المسارات الميدانية للمطالبين بتحرير المرأة وفقا للمواصفات الآنفة الذكر – دون تحديد ودون مضمون معين وأهداف مقبولة – يجعلنا نشكك بنواياهم وخلفياتهم الثقافية والإجتماعية وربما السياسية أيضا..
المسار العملي يظهر بوضوح :
– رغبة في تحرير المرأة من الرباط الأسري تمهيدا لتفكيك الأسرة مقدمة لتفكيك المجتمع والسيطرة عليه..
– ثم رغبة في تحرير المرأة من الإلتزامات الأخلاقية والإجتماعية بحجة أنها تعيق حرية المرأة ..
– ثم رغبة في أباحة إستخدام جسد المرأة في الإستثمار التجاري بهدف الربح والتسويق..
– ثم رغبة في إباحة نمط من العلاقات لا حدود أخلاقية له ولا ضوابط دينية سلوكية فيه..
جميع هذا يعني ويشمل إستخدام المرأة كسلعة تجارية أو كأداة سياسية لتمرير أهداف قوى خارجية ذات تطلعات ومشاريع تخريبية خبيثة ترمي لتفكيك المجتمع وتقويض قيمه ومناعته تمهيدا للسيطرة التامة عليه..
 إن ما يعنينا في هذا الحديث هو المرأة العربية ..إن ظروف حياة المرأة العربية تختلف تماما  عن ظروف المرأة في المجتمعات الغربية..وبالتالي فإن الحديث عن تحرير المرأة ينبغي أن يثير الأمر في نطاق ما تعيشه المجتمعات العربية من ظروف شاملة كل جوانب الحياة في السياسة والإقتصاد والإجتماع ..وتحديدا أكثر في ظروف العدوان والإحتلال والإستعمار الخارجي  والإستبداد المحلي …وهذا يعني أن تحرير المرأة ينبغي أن يكون جزءا من تحرير المجتمع كافة ..فهي جزء منه ويصيبها ما يصيبه..
وطالما أن الإنسان العربي مضطهد ومقموع وتصادر حريته في التعبير عن ذاته والتطلع نحو مستقبل أفضل ؛ فلا معنى للحديث عن تحرير المرأة إلا في إطار عمل شامل لتحرير الإنسان وتحرير المجتمع من القهر والأرض من الإحتلال والإرادة من الإغتصاب..فالحرية لا تتجزأ فلا تشمل إنسانا : المرأة – دون آخر : الرجل..كلاهما يشكلان بناء المجتمع..وتحريرهما يعني تحرير مجتمعهما معا حتى تكتمل حريتهما بأبعادها الحقيقية ومضمونها الإيجابي الإنساني..
ولهذا فإن حديثا عن تحرير المرأة كما يتم تداوله وتنفيذه عمليا وحياتيا في مجتمعاتنا العربية ، إنما هو حديث مضلل يستهدف تقويض القيم الأخلاقية المشتركة وتفكيك الأسرة ثم توظيف جسد المرأة لتبرير الإستغلال التجاري وتمرير الفساد السلوكي والإنهيار الإجتماعي..
إنه أحد أنماط تزييف الوعي العربي لتصنيع وعي مشوه يخدم أهداف أعداء الأمة وركائزها الحضارية وسوق أبنائها إلى مواقع أعدائهم طوعا وبناء على قناعات موهومة يصنعا الوعي المزيف..
إنه شكل من أشكال الحرب الوجودية على أمتنا وهويتنا وقيمنا الأخلاقية والإيمانية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى