
أنهكت ثيمة الثنائيات سوريا منذ زمن طويل، جملة مثل (أنت معنا أو ضدنا) التي أطلقها جورج بوش الابن في وجه العالم عقب أحداث سبتمبر، كانت موجودة قبلها في سوريا بشكل واضح: كل من هو ليس مع النظام الحاكم فهو عميل للعدو الصهيوني، لم يكن هنالك مواربة في هذا الأمر. كل من عارض النظام وقتها ولوحق أو اعتقل أو هرب كان يوسم بوسم العمالة لا لدى النظام فقط بل مجتمعيا. لم يكن في وارد المجتمع السوري فكرة المعارضة التي لا تنتسب لأحد غير الوطن، فالوطن بالنسبة للمجتمع كان هو النظام، معارضة النظام تعني الخيانة. على الأقل هذا ما كان يحدث علنا، أما ما كان يقال في الخفاء فكان يحميه الخوف والتقية التي اعتاد السوريون عليها وقتا طويلا.
ومع بداية 2011 حين انطلق الحراك المجتمعي السوري صارت جملة (معنا أو ضدنا) تخص طرفين متقابلين: معنا أي مع النظام وضد الحراك من جهة، ومعنا أي ضد النظام ومع الحراك من جهة ثانية، ومع هذا التقابل ظهرت مصطلحات ثنائية جديدة تقسم المجتمع: من هم مع النظام (منحبكجية وشبيحة) بالنسبة لطرف الحراك ومن هم مع الحراك (إرهابيون وخونة) بالنسبة لطرف النظام. وبين الطرفين المتقابلين كان هنالك طرف ثالث هو الأكثر عددا وكانت كل جهة تنسبه لها، بينما في الحقيقة كان هو الطرف الصامت الذي لم يؤيد الحراك علنا، ولم يعلن ولاءه للنظام علنا أيضا، كان يعيش في المنطقة الرمادية التي اتضح، اليوم، أنها كانت الأكثر خطورة كونها الخزان الذي كان يغلي بصمت وتقية وخوف.
ما حدث سنوات الحراك الأولى عام 2011 ثم الحرب التي نتجت عنه، دمر القيم القليلة التي كان المجتمع السوري يفرزها بشكل طبيعي رغم الخوف؛ ونقول القيم القليلة لأن مجتمعا عاش على الخوف من بطش النظام الحاكم، وعاش علـى الخوف بين مكوناته، وعاش على احتمال أن كل مكون هو مهدد وجودي للمكون الآخر وينبغي الحذر منه والانتقام حين تتاح الفرصة، هو مجتمع لا يمكن أن يكون معافى وصحيا، هو مجتمع مصاب بأمراض كثيرة تنخره ولا تترك للقيم النبيلة مكانا واسعا لتتمدد وتتعمم علي الجميع. لكن كان هناك سياق تاريخي وتطور زمني يمكّن من بناء بعض القيم وتعميمها لولا أن ما حدث قضى عليها شيئا فشيئا. فلم يعد القتل والدم يعني شيئا للسوريين، لم تعد مجابهة العنف ضرورة إنسانية، لم تعد الهوية الوطنية جامعة وموحدة، لم يعد للوطن كله أي معنى خارج العرق والدين والمذهب والطائفة والقبيلة والعشيرة والعائلة. كل هذه الأمراض الاجتماعية طفت من القاع إلى سطح المجتمع ما إن انكشف الغطاء الأمني الذي أخفى حقيقة ما كان يختبئ في القاع زمنا طويلا، حتى وصلنا إلى اليوم حين تم التخلص النهائي من النظام السابق وفتح الباب على مصراعيه لكل رواسب المجتمع لتظهر وتنكشف وتفيض منذرة بخطر وجودي يطول الجميع ما لم تتمكن جهة سورية لا تنتمي لغير الوطن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
تبدو الثنائيات اليوم في أوج حضورها، وثيمة (نحن وهم) باتت هي السائدة دون منازع خصوصا مع شعور الأكثرية العددية في المجتمع السوري بأنها أصبحت هي المتحكمة بزمام الأمور اعتقدت أنها كانت خارجها، ظلما، وقتا طويلا، ومن قلب هذه الأكثرية ظهرت الأكثرية الصامتة في السابق لتتصدر المشهد، كما لو أنها وجدت الفرصة للتعبير عن غضبها الذي كان يتحول إلى عنف مخفي شيئا فشيئا؛ ثمة غضب مؤجل هنا وثمة عنف كان يتربى في صمت. وكأنه وجد فرصته اليوم ليعلن وجوده وسيطرته ووحدانيته التي لا تقبل شركاء آخرين. هكذا يختفي الوطن تماما ويتحول إلي هوية مغلقة ومثله تتحول السياسة التي يصبح معها الخلاف هو التعريف الوحيد للانتماء؛ (نحن) هنا باتت تعني كل شيء: الوطن والسلطة والقوة والغلبة والدين والمذهب والقبيلة والعشيرة والعائلة. بينما (هم): الأعداء المارقون الكفرة الفلول الخنازير الانفصاليون الهجريون القسديون البويجية بني قيق بقبلش.. إلى آخر هذه المصطلحات التي تروج اليوم في خطاب يستهدف الآخر في الوطن. في المقابل، (هم) صارت لهم مصطلحات تطلق في وجه الآخر: الهمجي الإرهابي لبت لبت المغول البربري القرباط بني سمية أحفاد هند آكلي الأكباد.. إلى آخر هذه المفردات والمصطلحات التي نسمعها ونقرؤها كل يوم. نحن هنا إذا أمام خطابين متقابلين في كل منهما إلغاء لإنسانية الآخر وفي كل منهما استعلاء يضع الآخر في المرتبة ما دون البشرية. أما الوطن والمواطنة فقد اختفيا تماما كما لو أن الاتفاق الوحيد بين كل الأطراف هو الاتفاق على إعدام الوطن وإعدام المواطنة.
ما يحدث مع هذا النوع من الخطاب هو بناء جدار كبير بين عناصر المجتمع ومكوناته وأفراده لا تنفع معه رومانسية الجيرة المختلطة والصداقات المختلطة والزيجات المختلطة، فجدار الكراهية مصمت جدا ولا يمكن تفتيته بمجرد الذاكرة والنوايا الطيبة. إذ حتى الذاكرة سوف تسقط أمام ثنائية (نحن وهم) التي تحول كل سلوك إلى سلوك معاد وكل خطاب إلى خطاب كاره ومنفر، وكل محاولة لرأب الصدع إلى طرد وإبعاد. فهم (لايشبهوننا)، وليسوا مثلنا كلهم مذنبون وكلهم مسؤولون وكلهم قابلون للعقاب وبالتالي لا مكان لهم بيننا فهم سبب كل ما نعانيه؛ هذا سيؤدي بدوره إلى تبرير العنف بحق الـ (هم) وتبرير الإقصاء وتبرير القتل وتبرير الانتهاكات ضدهم والتسامح مع التقليل من بشريتهم وإنسانيتهم وبالتالي عدم الاكتراث لموتهم أو تهجيرهم أو الفتك بهم، وأحيانا ربما مباركة ذلك بذريعة (هم البادئون) وهي ذريعة يتم تبادلها بسهولة شديدة بين السوريين حاليا وتكشف أنه لا يوجد طرف من الأطراف السورية يمكنه ادعاء الطهارة الوطنية، الجميع ضحايا والجميع مجرمون في الوقت نفسه، وهذه هي الثنائية الوحيدة التي يمكن البناء عليها لإنقاذ سوريا من السقوط المريع الذي لا نهوض بعده، لكنها تلزم الجميع بالاعتراف والمكاشفة والمواجهة والاعتذار، ولا أظن أن أحدا من السوريين اليوم في وارد هذا، الجميع متمسكون كل بمظلوميته وبثنائياته القاتلة.
تعيد ثيمة الثنائيات إنتاج منطق الطغيان عبر التخوين والفرز وتحميل الآخر المسؤولية الكاملة وفرض الطاعة مقابل الانتماء، وتعمل أيضا على سد أي أفق للعيش المشترك فهي تخفي كل أدوات المصالحة المجتمعية والحوار المجتمعي وتؤسس لدولة أو سلطة فاشلة بلا رؤية وبلا خطط مستقبلية وبلا مواطنين ينتمون إلى هوية مشتركة، وتؤسس لمجتمع مريض بلا عقد اجتماعي وإنما بمزيد من الفزعات والغلبة (دينية وطائفية وعرقية) والاستحقاق الذي تحدده المظلومية، والتنافس بالمظلوميات (تخيلوا هذا الوطن الذي يتهافت أفراده للتنافس حول من منهم مظلوميته أكثر استحقاقا!) والمقاطعات التجارية والدعوات لنبذ من يتعامل مع الآخر، ووصم هذا الآخر بصفات عامة تطول حتى الأطفال والعجائز وتبرر كل ما يحدث بحقهم.
تقدم الثنايات السورية اليوم وصفة جاهزة وتامة لإعادة إنتاج الحرب والعنف والاستبداد، وتقدم وصفة جاهزة لنسف كل القيم الأخلاقية التي تبنى عليها المجتمعات، وتقدم وصفة جاهزة وتامة للخراب الذي، يا للدهشة، يتعامى (النحن والهم) عن حضوره الفاضح في المشهد السوري الذي يعلن، بصراحة، أن النجاة من طغيان النظام السابق لا يكفي وحده لبناء دولة ولا وطن ولا مجتمع ولا مستقبل، النجاة الحقيقية اللازمة لبناء ما سبق تحتاج إعادة تشكيل البنية الذهنية لأنماط التفكير والسلوك التي ينتهجها الجميع، تحتاج ثورة جديدة مجتمعية تفرز وعيا جديدا ينتبه إلى أن الوطن حقيقة وواقع مركب ومعقد ويحتاج شغلا دؤوبا لا مجرد فكرة عن النحن والهم وعن الأبيض والأسود، إذ بين هذه الثنائيات ثمة حقيقة رمادية ومعقدة ومؤلمة تحتاج إلى كشف وتهوية وتعرية ومراجعة قبل فوات الأوان.
المصدر: تلفزيون سوريا






