
يمكن اعتبار الاستقرار في المرحلة الانتقالية السورية مسألة مرتبطة بإدارة الحياة العامة، أكثر ما تكون توصيفاً سياسياً. حيث يندرج ضمن قدرة البنية القائمة على تنظيم التفاعل اليومي بين المجتمع والمؤسسات، وضبط التوترات المحلية، والحفاظ على قدر من الانتظام في ظل موارد محدودة، وتوقعات اجتماعية مرتفعة، وتداخل عوامل داخلية وخارجية مؤثرة.
وبذلك لا يمكن التعامل مع الاستقرار في الحالة السورية كملف منفصل، فهو مسار يتشكل عبر تفاصيل متراكمة تتعلق بكيفية اتخاذ القرار، وطريقة تطبيقه، ومستوى الاتساق بين الخطاب الإداري والممارسة اليومية.
انتظام العمل العام
يتحدد الاستقرار من خلال انتظام أداء المؤسسات في مختلف المناطق السورية، وقدرتها على العمل وفق إجراءات مفهومة يمكن تتبعها. يظهر هذا الانتظام في وضوح المرجعيات، وفي قابلية القرار للتفسير، وفي ثبات آليات التنفيذ. أي تذبذب في هذه العناصر ينعكس مباشرة على سلوك المجتمع، ويؤدي إلى تراجع الثقة العملية، حتى من دون تحولات سياسية أو أمنية ظاهرة.
في السياقات الانتقالية بالعموم، يتضاعف أثر هذا الانتظام، لأن المجتمع يكون أكثر حساسية تجاه التفاصيل، وأكثر ميلاً لقراءة الإجراءات كمؤشرات على اتجاه المرحلة.
ويتعامل علم السياسة مع الاستقرار في السياقات الانتقالية كمفهوم إجرائي يرتبط بقدرة النظام السياسي على إدارة التوتر، وبإبقاء الصراع ضمن قنوات يمكن التحكم بها. ضمن هذا المعنى، يقترب الاستقرار من تعريف صموئيل هنتنغتون الذي ربطه بدرجة مؤسسية النظام وقدرته على استيعاب المطالب المتزايدة من دون تفكك في البنية العامة.
في الحالة السورية، يكتسب هذا المسار طابعاً أكثر تعقيداً بسبب تزامن التحول السياسي مع تآكل عميق في البنية الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل الاستقرار نتاج تفاعل بين مستويات متعددة.
في حين يرتبط الضبط العام بطريقة التعامل مع الوقائع اليومية، وليس بحجمه ولا بطبيعته المعلنة، حيث يتأثر هذا الضبط بدرجة الاتساق في تطبيق الإجراءات، وبحدود الصلاحيات، وبالعلاقة بين الجهات المنفذة والبيئة المحلية.
وهنا يناقش علم الاجتماع السياسي الضبط باعتباره ممارسة اجتماعية قبل أن يكون وظيفة أمنية، حيث يربط ماكس فيبر فعالية الضبط بوجود شرعية إجرائية، أي قبول اجتماعي ضمني بطريقة تطبيق القواعد، وليس مجرد وجود القاعدة نفسها. كما يتأثر هذا القبول في المراحل الانتقالية بدرجة الاتساق في الممارسة، وبقدرة المؤسسة على تفسير أفعالها ضمن منطق قابل للفهم.
من التمثيل إلى الضبط
في المرحلة الانتقالية، تتجسد السياسة من خلال الإدارة اليومية، حيث تظهر السياسة في آليات التعامل مع الفاعلين المحليين، وفي إدارة الخلافات الاجتماعية والمناطقية، لذا فإن غياب قنوات واضحة لتنظيم المشاركة، أو محدودية القدرة على استيعاب المطالب المختلفة، يؤدي إلى فراغ عملي في المجال السياسي، ينعكس على الاستقرار من خلال تزايد الشعور بعدم اليقين.
هذا الواقع وإن لم ينتج أزمة مباشرة، لكنه يراكم توترات غير منظمة، ويجعل المجال السياسي أقل قدرة على الحضور والتأثير والاستمرار.
هذا الفهم يجعل من الاستقرار وظيفة مؤقتة، تتصل بترتيب الأولويات، وضبط المجال العام، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع ضمن شروط غير مثالية.
في تجربتي ليبيريا وسيراليون بعد الحروب الأهلية، لم يتأسس الاستقرار على إعادة بناء سريعة للدولة، إنما كان من خلال إدارة تدريجية للهشاشة، فاعتمدت السلطات هناك على مزيج من الضبط المحدود، وإعادة إدماج المقاتلين السابقين، وتوسيع دور الإدارة المحلية في ضبط الحياة اليومية.
في حين تقدّم رواندا نموذجاً مختلفاً، حيث ارتبط الاستقرار بعد الإبادة الجماعية بإعادة بناء قوية لمركز القرار، وبفرض نمط إداري صارم، هدفه منع تفكك المجال العام. في هذه التجربة، أُعطي للاستقرار أولوية مطلقة، وجرى تنظيم المجال السياسي والاجتماعي ضمن قواعد ضيقة، مع تركيز واضح على إعادة بناء الاقتصاد والخدمات. وهنا
يُظهر هذا النموذج أن الاستقرار في حالات ما بعد النزاع يمكن أن يتحقق عبر مركزية شديدة، لكنه يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على الحفاظ على انتظام الأداء، وبمدى قدرتها على تحويل هذا الانتظام إلى قبول اجتماعي طويل الأمد، وليس مجرد انضباط قسري.
المعيشة كعنصر استقرار مباشر
يشكل الوضع المعيشي أيضاً، عاملاً مركزياً في تشكيل المزاج العام، لارتباطه المباشر بقدرة الأفراد على إدارة حياتهم اليومية، حيث يتأثر هذا العامل بمستوى الأسعار، وتوافر فرص العمل، واستقرار الخدمات الأساسية. استمرار الضغوط المعيشية من دون مسارات واضحة للتخفيف يعمّق القلق الاجتماعي، ويحول المسائل الاقتصادية إلى عنصر دائم في تفسير القرارات السياسية والإدارية.
ضمن ما سبق، يصبح الاقتصاد بيئة تؤثر في مستوى القبول الاجتماعي، وفي قدرة المجتمع على التكيف مع التحولات الجارية.
وتُظهر تجارب أميركا اللاتينية، خصوصاً في تشيلي والأرجنتين بعد التحولات السياسية الكبرى، أن الاستقرار كان نتيجة إدارة دقيقة لفجوة التوقعات الاقتصادية. ففي هذه الحالات، واجهت الحكومات الانتقالية مجتمعات منهكة اقتصادياً، مع مطالب اجتماعية واسعة وسريعة. وقد نجحت بعض هذه التجارب في الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار عبر بناء شرعية إجرائية قائمة على انتظام السياسات العامة، وتدرج الإصلاحات، وتجنب الصدمات المفاجئة.
في المقابل، أظهرت حالات أخرى أن تجاهل البعد المعيشي يؤدي إلى تآكل سريع في القبول الاجتماعي، حتى مع وجود مؤسسات سياسية قائمة.
كما تعمل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية ضمن بنية واحدة، تتأثر عناصرها بعضها ببعض بصورة مستمرة، فأي اختلال في القرار الإداري ينعكس على الضبط، وأي انسداد في المجال السياسي يزيد من ثقل الضغوط المعيشية، وأي تراجع اقتصادي يوسع نطاق التوتر الاجتماعي.
هذا وتُستخدم الحوكمة الانتقالية في علم السياسة لوصف أنماط إدارة السلطة في الفترات التي تسبق استقرار النظام السياسي، حيث تشير الحوكمة إلى مجموعة ممارسات تهدف إلى تنظيم العلاقة بين الفاعلين، وتوزيع الموارد، وإدارة الخلاف ضمن قواعد قابلة للتعديل.
ترتبط قدرة المرحلة الانتقالية على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار بمدى استعداد المؤسسات لمراجعة أنماط عملها، وتعزيز الاتساق في الأداء، وتطوير أدوات تواصل فعالة مع المجتمع. يتطلب ذلك قراءة دقيقة للبيئة المحلية، وقدرة على تعديل السياسات وفق الوقائع، ضمن مسار تدريجي يركز على التفاصيل التنفيذية، أكثر من الإجراءات الاستثنائية.
المصدر: تلفزيون سوريا




