من غزّة إلى غرينلاند… الأوطان ليست أراضي للبيع

المهدي مبروك

يُعيد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إحياءَ خصال أسلافه القادمين من أوروبا في بداية القرن الخامس عشر الميلادي. إنه الإقبال (إلى حدّ النهم) على شراء الأراضي والعقارات عموماً. كانت أوروبا قارّة مترامية الأطراف، يقطنها آنذاك سكّانٌ قليلون بمقاييس تلك الفترة، تكفيهم أراضيهم لإشباع حاجتهم الضرورية من غذاء وزراعة وصناعة (أولية) وتجارة ناهضة، بل كانت تضمن لهم عوائد وخيرات عديدة. ولم يكن الأوروبيون يحتاجون إلا إلى تنشيط التبادل بينهم وبين من جاورهم من قارّات: آسيا وأفريقيا، لرشّ بعض التوابل حتى تكون موائدهم فاخرة. ومع ذلك، امتطوا ألواحاً تقاذفتها أمواج المحيطات للرسو في عوالم أخرى سمّوها لاحقاً “أدغال أفريقيا”، و”بلاد الهنود الحمر”… إنه “العالم الجديد” الذي نشّط التجارة، وفرض نمطاً جديداً من التبادل سيعرف لاحقاً بالمركنتيلية.
غدت الوفرة هوساً يدفع المغامرين والمستكشفين إلى مزيدٍ من الاستيلاء على الأراضي وضمّها إلى ممالكهم وممتلكاتهم هناك في أوروبا، القارّة العجوز كما ستُوصم لاحقاً. وتطمس الكتابة (إلا نادراً) الثمن الإنساني والكلفة الأخلاقية التي دفعتها البشرية مقابل هذا الهوس بالاستيلاء على الأراضي: اندثار ثقافات بكاملها، وإبادة شعوب…
لا يعلم ترامب أن التسمية الأصلية لهذه الجزيرة تفيد، في لغة السكّان الأصليين، “أرض الناس”
يصرّح الرئيس ترامب علناً، ومن دون خجل أو حياء، أنه يريد اقتناء جزيرة غرينلاند، فهو لا يرى فيها سوى مساحة عقارية في غاية الأهمية الاستراتيجية، وقد لا يعلم الرئيس ترامب أن التسمية الأصلية لهذه الجزيرة تفيد، في لغة السكّان الأصليين، “أرض الناس”، قبل أن تجري عليها بعض التحريفات لتتحوّل لاحقاً إلى ما يفيد معنى “الأرض الخضراء”. وهي ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا، ارتبطت دوماً بالثقافة الأوروبية سياسياً، رغم أنها تُعدّ جغرافيّاً جزءاً من أميركا الشمالية، وهي أقرب مسافة إلى الكتلة الكندية، وأول من قطنها شعب الإنويت، وقد استقرّ أسلافهم بها منذ أواخر القرن الثالث عشر، غير أن الأبحاث الأركيولوجية (الآثارية) تذهب إلى أن الجزيرة العملاقة غدت مأهولة منذ ما يناهز خمسة آلاف سنة.
ولا يختلف الأمر كثيراً حين يتحدّث ترامب أيضاً عن غزّة، فتاريخها المثقل بالرموز، الذي تقف عليه شواهد التاريخ: آثار ومواقع تاريخية وتراث عريق، لا يعنيه في شيء. إنه يستحضرها عقاراً بلا تضاريس ولا ذاكرة ولا هُويّة؛ إنها مجرّد عقار يحتاج فقط إلى جرف ركام هائل يحول دون “إعمارها”. ولقد ذهب إلى حدّ المطالبة بترحيل سكّانها والبحث لهم عن أرض بديلة. وتقول بعض التسريبات إنه أجرى بالفعل اتصالات أولية قد لا تكون مشجّعة، فثنته لاحقاً عن مشروعه. وقد يكون فكّر في سيناء (مصر) أو غور الأردن أو حتى الصومال وغيرها.
وحين عدّل خطته مجدّداً لغزّة، وعاد ببديل آخر هو “مجلس السلام”، وتشكيلاته التنظيمية الأخرى، ظلّت أطروحته تراوح في المكان نفسه تقريباً مع بعض اللطف التسويقي: تحويل غزّة منتجعاً استثمارياً يطيب فيه العيش للمستثمرين قبل سكّانه. لم تسلم عضوية المجلس من أتاوات تُدفع، كل شيء في مشروع غزّة الترامبي قابل للبيع والشراء، بما فيها العواطف والمشاعر والأحاسيس والذاكرة.
ليس للأرض في المخيال الترامبي معانٍ أنثروبولوجية تحيل إلى جذور أو انتماء، فالمخيال الترامبي فقير في هذه المسألة
يفعل ذلك تقريباً مع غرينلاند، ولا ينظر إليها إلا أرضاً قد لا تصلح للزراعة أو الاستثمار، بل تصلح للمراقبة؛ إنها موقع استراتيجي يتيح للولايات المتحدة أن تتحكّم في تلك المنطقة من أجل بسط “الهيمنة على…” و”التحكّم في…”. قد يكون لهذا الهوس الترامبي بشراء العقارات والأراضي عموماً تداعيات خطيرة. وفي هذا الهوس كثير من نزوات تمتزج فيها مشاعر العجرفة والشراهة، وفي جميع الأحوال ستكون كلّها (لو تجسّدت) مؤشّراتٍ على دخول العتبات الممنوعة من النظام العالمي. كانت مداخلة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، أثناء انعقاد منتدى دافوس، بليغة وموحية بهذه المعاني كلّها. لقد لمّح الرئيس الأميركي، في أكثر من حديث، عن أطماع توسّعية في كندا ذاتها. وليس للأرض في المخيال الترامبي معانٍ أنثروبولوجية تحيل إلى جذور أو انتماء. فالمخيال الترامبي فقير في هذه المسألة؛ لا يكتنز سوى أرقام الاستثمار والعقارات وفائض الأرباح… وكلّها مفردات من معجم الاقتصاد السياسي المتجدّد من المركنتيلية العقارية.
قد تعجز السياسة عن المقاومة، وتتلعثّم الألسن عن الصداح بالحقيقة، لذلك ينوب الفنّ، بحيله وخدعه الجميلة وخياله الشاسع، عن الإنسانية ويتحوّل ناطقاً مختالاً باسمها دفاعاً عن القيم النبيلة فيها، فلقد ظلّت السردية الأميركية الغازية سائدة قبل أن تُنقد وتُفضح، خصوصاً في العقود الماضية حين بادر الأدب والسينما (خصوصاً) إلى تعريتها. ولعلّنا نتذكّر بشكل خاص الفيلم الساحر “قتلة زهرة القمر” (Killers of the Flower Moon)، للمخرج الاستثنائي مارتن سكورسيزي، الذي احتُفي به احتفاء باهراً، لقصّته المستوحاة من رواية للكاتب الأميركي ديفيد غران. أما الممثّلون فكان من بينهم ليوناردو دي كابريو، وروبرت دي نيرو. وتدور أحداثه (وقعت فعلاً) حول سلسلة جرائم قتل متتالية ظلّت غامضة، في مناخ شجّع المضاربين العقاريين على الاستيلاء على أراضي شعب “الأوساج”، أحد شعوب السكّان الأصليين القاطنين آنذاك في “العالم الجديد”، وهي الأراضي الغنيّة بنفط لا يزال حديث الاكتشاف. وفي سبيل الحصول على هذا الذهب الأسود، لا يتورّع مضاربو العقارات وسماسرتها عن استعمال حُقن الأنسولين (المكتشف حديثاً) لتسميم السكّان الأصليين، وخصوصاً مرضى السكّري (مرض طارئ على السكّان)، من أجل دفعهم إلى الهجرة هرباً من الموت الغامض الذي يهاجمهم، أو بيع الأراضي حلّاً للبقاء هناك مُعدَمين. يقف الفيلم عند تفاصيل ذلك الهوس المرضي الذي أصاب فئات واسعة من الأميركيين وغيرهم لشراء الأراضي والاستيلاء عليها.
ها نحن مرّة أخرى مُقبلون على انتهاكات خطيرة لسكّان هذه الأراضي… ولا ندري إن كانت جرائم القتل، مرّة أخرى، سترافق هذه المشاريع العقارية كلّها. إنها الإبادة الناعمة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى