من ساحة المرجة إلى سوق الحرامية.. النار تدفئ المارين على أرصفة دمشق

زيد قطريب

في شوارع دمشق القديمة، لم تعد النار دليل كرم كما كانت عند العرب، بل تحوّلت إلى وسيلة بقاء. على الأرصفة، قرب بسطات الساعات القديمة والمستلزمات المستعملة، يشعل الباعة النار داخل “تنكات” من الصفيح، لا ليرشدوا التائهين، بل ليدفئوا عظامهم من بردٍ يحيط بالعاصمة من كل الجهات. النار التي كانت تُوقد لاستقبال الضيف، باتت اليوم علامة فقر، وحاجة، وانتظار.
في ساحة المرجة وحدائقها، في سوق الجمعة و”الحرامية”، في زوايا لا تصلها شمس ولا كهرباء، يتكرر المشهد: بشر يتحلقون حول لهب خافت، يحاولون مقاومة ما هو أقسى من الشتاء، يحاولون فقط البقاء.
يبتسم أحد الباعة ثم يدعوك لاحتساء القهوة المرّة، قرب النار التي أوقدها قرب بسطة الساعات القديمة وقشاطات الجلد!.
هكذا يبدو المشهد في شارع الثورة، حيث الصقيع يوقف الزمن، فلا يمشي الوقت للأمام، بل يعود القهقرى، وتبدو البدايات متوافقة جداً مع نهايات المطاف!.
نسأل العمّ إن كان يشعر بالبرد إلى هذه الدرجة، حتى أشعل النار في “تنكة” وسط المدينة؟ فيقول إن الثلوج تحيط بدمشق من كل الجهات، عدا عن أن النار تعطي شعوراً بالاطمئنان.
فنقول له إن النار عند العرب القدماء، دليل على الكرم والخير، ومن كانت النار في مضاربه مشتعلة دائماً، يأتيه كل جائع أو مقطوع في الصحراء!. فيقول إن ذلك كان قديماً، أما اليوم، فمن يشعل النار في “تنكة” مستخدماً بقايا “الكراتين” ليسترزق على بسطته المتواضعة، فهو بحاجة لمن يتصدّق عليه!.
“نار في قلب دمشق”
إلى الأمام قليلاً، يأخذ إيقاد النار داخل الحديقة القريبة من ساحة المرجة، شكلاً مختلفاً، حيث تجلس سيدتان حول حلقة من النار، عالية اللهب، وحولهما مخلفات لا توحي بأنها أوقدت لهَدْي التائهين، أو إكرام الضيوف. ويدفعنا الفضول للاقتراب وإلقاء التحية على المرأتين اللتين تتوجسان من هذا الغريب الذي دفعته النار للقدوم، متخيلاً أننا في صحراء، مع أن المكان هنا، في قلب العاصمة!.
نار الحديقة التي تتحلق حولها هاتين المرأتين، تبدو أكثر شظفاً من نار البسطة التي سبقتها، فالجدّة كبيرة السن، تسهب في الحديث عن حال التشرد التي تعرضت لها مع أبناء جلدتها، ممن فقدوا أماكن مساكنهم بسبب الحرب، واضطروا للقدوم إلى هنا، والانتظار ريثما يتجمع بقية أبناء القبيلة. إنهم ممن يُعرفون بـ”القرباط” الرحّل.. أناسٌ طيبون يعشقون الغناء ويحاولون دائماً الفرار من أسر الجغرافيا.. تخاطبنا الجدّة بعبارة “يا ولدي”، فتوقد داخلنا ناراً أخرى من حنين، إلى مضارب أكثر اطمئناناً مما يعصف بالسوريين من شظف وفاقة هذه الأيام.

المصدر: تلفزيون سوريا

نار تدفئ العابرين في شوراع دمشق
بشكل ما، ينطوي إيقاد النار في شوارع دمشق، على دلالات تعيدنا للريف، واكتساح الكلاسيكيات البدائية، لمفهوم التمدن الذي من المفترض أن يسود معالم أقدم عاصمة في التاريخ. وحتى لا نكون رومانسيين، فإننا نتعاطف مع أولئك البشر الذي جارت عليهم الأيام، وأودت بهم إلى هنا، كي يوقدوا ناراً هي أشبه بانتظار الخلاص من معاناة ما، تختلف تبعاً لموقدها ومكان توضعها.
فالنار في سوق الجمعة، أو “الحرامية”، تبدو أكثر شظفاً عند الباعة المفترشين الأرض، بشوادر تعرض بضاعة، قلَّ من يشتريها. الدوام هنا طويل، يبدأ عند ساعات الصباح الأولى، ولا ينتهي إلى بعد حلول الليل، وبالتالي فإن ما ينتظره الباعة من النار في هذا المكان، أشبه بالصبر والاحتمال، وربما دعوة العابرين للاقتراب وتفقد البضاعة من أجل الشراء!.
ستشرب شاياً على الحطب وسط المدينة! تلك مفارقة لا يمكن تخيلها في الحالة الطبيعية، لكن الحنين للماضي، يبرر شغف الفقراء، مثلما يعطيهم الشعور بالدفء والاطمئنان.. النار هنا، هي الوقود الذي يمدهم بالاستمرار بلا مقومات.. لهذا السبب يضحك صاحب البسطة عندما نسأله إن كانت هذه النار دليل الجود والكرم وإغاثة الملهوف، فيقول: “صحيح، لكن، أنا الملهوف.. وأنا من يحتاج للكرم والإغاثة”!.
شرطة المرور، يشعلون النار في الشوارع كي يشعروا بالدفء.. المشرّدون أيضاً يوقدونها، كي تكون رفيقاً يؤنس وحدتهم، بغض النظر إن كان الوقت شتاءً أم صيفاً.. أما المنتظرون فيلجؤون إليها، حتى تخفف ثقل الوقت، والمتشائمون يرونها علامة على التفاؤل والانفراجات.. النار في شوارع دمشق، تأخذ دلالات مختلفة عما عبر عنه الشعر العربي القديم، في البوادي والصحارى، ومضارب القبائل التي كانت تتباهى بأن نارها لا تُطفأ أبداً!. لكن نار الشوق عند العاشقين، لا يمكن لحظها عبر ألسنة اللهب والدخان المتصاعد، بل في نَسيس الجسد والعيون الساهمة التي لا تجد مستقراً لها في الأفق.
هذا الحديث مع أحد باعة سوق “الحرامية”، يدفعه للتساؤل: “لماذا تفلسف الأمور أكثر من اللازم؟ نحن نشعل النار كي نتدفأ في هذا البرد فقط، دون أن يحمل هذا الفعل أي معنى آخر”.
تاريخياً، يعتبر اكتشاف النار حدثاً عظيماً في نشوء الحضارة والاستقرار، أما إشعال النيران في الشوارع اليوم، فيعني عطباً ألمّ بالإنسانية والعلاقات ومعنى المجتمع الحديث.. لكن يبقى للنار سحرها وإسقاطاتها حسب الوقت والظرف، وقد عرف العرب أنواعاً مختلفة من النار، مثل نار القِرى، التي توقد ليلاً ليراها الضيوف، ونار المزدلفة، التي توقد في أثناء الحج، ونار الاستمطار في الجاهلية، التي يوقدونها أعلا الجبل، إضافة إلى نار الطرد، حتى لا يعود المكروهون، عدا عن نار الحرب التي توقد على سبيل الإنذار، لكن لا يعرف أحد متى تُطفأ!.
قديماً، قال الشاعر العربي: “لا تتبعنّ كلّ دخان ترى.. فالنار قد توقد للكيّ”، ذلك أنها قد تكون خدّاعة مراوغة أحياناً، بقدر ما هي مطمئنة حنونة!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى