الانسحاب الأميركي من سوريا.. اختبار أمني جديد لتنظيم “داعش”

أيهم الشيخ

شهدت مناطق شرق سوريا، ولا سيما محافظتا دير الزور والرقة، تصاعدًا لافتًا في وتيرة هجمات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” خلال الأيام الماضية، حيث سُجِّلت ستُّ هجمات استهدفت مواقع ونقاطًا حكومية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات مرتبطة بانسحاب أو إعادة تموضع القوات الأميركية في بعض القواعد شرق البلاد، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المتغيرات الميدانية الأخيرة ونشاط التنظيم. وبحسب مصادر ميدانية، تنوعت الهجمات بين استهداف حواجز أمنية وتفجيرات بعبوات ناسفة وهجمات مسلحة، ما تسبب في سقوط ستة قتلى.
قال وائل علوان، مدير مركز جسور للدراسات، في تصريح لموقع “الترا سوريا”، إن تصاعد هجمات تنظيم الدولة في الفترة الأخيرة، بعد الانسحاب الأميركي من سوريا، يأتي في إطار محاولات التنظيم رسم صورة إعلامية توحي بأنه ما يزال موجودًا وقادرًا على النشاط والحركة، ومحتفظًا بأيديولوجيته. وأوضح أن البيان الصوتي المنسوب إلى المتحدث باسم التنظيم تضمن رسائل إعلامية بالدرجة الأولى، تهدف إلى تعزيز هذا الانطباع.
وأضاف علوان أن النشاط الميداني للتنظيم، رغم وجوده، يبقى ضعيفًا ومحدودًا ومتفرقًا. إلا أن الرسالة الأساسية التي يسعى التنظيم إلى إيصالها هي أنه ما يزال حاضرًا، وذلك بهدف تنشيط عمليات التجنيد، مستفيدًا من الأوضاع الاجتماعية الهشة والحالة الاقتصادية والمعيشية الصعبة في مختلف المناطق السورية، ولا سيما في محافظات شمال شرقي سوريا.
وأشار إلى أن التنظيم يسعى أيضًا إلى طمأنة أنصاره بأنه غير متأثر بالمتغيرات الأخيرة، خصوصًا بعد الانسحاب الأميركي وانحسار مناطق سيطرة “قسد”، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع مستوى السيطرة الأمنية للحكومة السورية. لكنه شدد على أن التنظيم متأثر بشكل كبير بهذه التطورات، خلافًا للصورة التي يحاول تسويقها إعلاميًا، مؤكدًا أنه بات مفككًا ويتجه نحو مزيد من المحاصرة وفقدانِ الموارد، سواء البشرية أو المالية.
مواجهة التنظيم لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية المغذية للتطرف
وبيّن علوان أن الجغرافيا الصحراوية والبادية لم تعد عاملًا مساعدًا للتنظيم كما في السابق، نتيجة قدرة الحكومة السورية على تغطية مساحات واسعة من البادية عبر عمليات الرصد والتمشيط واستهداف المراكز بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، أوصى بضرورة استمرار الحكومة السورية في أداء دورها الأمني والعسكري لمنع التنظيم من إعادة ترتيب صفوفه وخلاياه. ولفت إلى أن التنظيم تعرض لضربات كبيرة، خاصة بعد انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي، ما أفقده عنصر الجغرافيا كعامل دعم أساسي.
وختم علوان تصريحه بالقول إن الانسحاب الأميركي لا يشكل استثمارًا مباشرًا لصالح التنظيم، بل قد يكون على العكس من ذلك، نظرًا لكونه مبنيًا على تنسيق كامل مع الحكومة السورية، وعلى استمرار الدعم، لا سيما على المستوى الأمني، للقيام بالمهام التي كان ينفذها التحالف الدولي. وأكد أن التحالف ليس من مصلحته ترك الساحة السورية للفوضى أو لعودة التنظيم، بل سيواصل العمل مع الحكومة السورية من أجل إنهاء تنظيم الدولة وعملياته الأمنية بشكل كامل.
واعتبر أن التحرك الأخير للتنظيم جاء نتيجة الضغوط الكبيرة التي يعانيها داخليًا، سواء على مستوى الموارد البشرية، أو على مستوى القدرة على التحرك الأمني، أو على مستوى الموارد المالية.
ويرى مراقبون أن التنظيم يحاول استثمار أي فراغ أمني أو حالة ارتباك في خطوط السيطرة لإعادة تفعيل خلاياه النائمة، خاصة في المناطق الصحراوية الممتدة بين دير الزور والرقة.
وقال الصحفي والمحلل أحمد مظهر سعدو، في تصريح لموقع “الترا سوريا”، إن تنظيم الدولة يحاول، قدر استطاعته، الانقضاض مجددًا على الدولة السورية ضمن مساعٍ لإعادة تفعيل نشاطه الميداني. وأوضح أن التنظيم يسعى إلى استغلال ما وصفه بـ”حالات الفراغ النسبي” التي نتجت عن انسحاب القواعد الأميركية من بعض المناطق.
وأكد سعدو أن عودة التنظيم إلى نشاط واسع النطاق تبدو أمرًا غير ممكن، مشيرًا إلى أن “زمن التنظيم قد انتهى وانفرط عقده”، على حد تعبيره. وبيّن أنه رغم إمكانية أن يشكل التنظيم مصدر قلق أمني دائم، فإن تأثيره سيكون محدودًا في ظل اضمحلال وجوده وصعوبة وصول الدعم إليه، باستثناء ما وصفه بالدعم الإيراني، الذي اعتبر أنه أصبح أكثر صعوبة في المرحلة الراهنة.
وأضاف أن ما يجري لا يتعدى كونه “محاولات إعلامية” في ظل عجز التنظيم عن تنفيذ خطوات كبيرة على الجغرافيا السورية، خاصة مع وجود دولة تمتلك خبرات ميدانية متراكمة في مكافحة الإرهاب. ولفت إلى وجود “فارق كبير” بين الواقع الحالي والمراحل السابقة، نتيجة ما تعرض له التنظيم من ضعف وتراجع.
وأشار سعدو إلى أن المشهد السوري الجديد يختلف كليًا عما كان عليه في السابق، موضحًا أن التنظيم يواجه اليوم دولة وجيشًا نظاميًا، وليس ميليشيات كما كان الحال سابقًا.
وختم بالقول إن الدولة الوطنية السورية تعد جزءًا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ولديها قنوات تنسيق متواصلة مع هذا التحالف على المستويات الاستخباراتية والعسكرية والأمنية.
وتبقى هذه التطورات مؤشرًا على استمرار هشاشة الوضع الأمني في المنطقة، رغم تراجع نفوذ التنظيم عسكريًا خلال السنوات الماضية.
وقال الكاتب والباحث الدكتور باسل معراوي، في تصريح لموقع “الترا سوريا”، إن المهمة الأساسية لقوات الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة، بمساندة “قسد”، انتهت عمليًا في آذار/مارس 2019، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب القضاء على التنظيم بعد طرده من بلدة الباغوز، آخر معاقله المكانية في سوريا.
وأشار إلى أنه بعد تلك المرحلة لم يعد للتنظيم أي سيطرة جغرافية على الأرض، بل تحوّل إلى خلايا متنقلة تعمل بأسلوب حرب العصابات، وهو ما لا يتطلب – بحسب رأيه – انتشارًا عسكريًا واسعًا على الأرض، إذ باتت الولايات المتحدة تحارب التنظيم أمنيًا واستخباراتيًا في مختلف أماكن انتشاره، كما حدث في عمليتي قتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي وخليفته أبو إبراهيم القرشي في إدلب، من دون وجود قواعد عسكرية أمريكية دائمة هناك.
ويرى معراوي أن استمرار وجود القواعد الأميركية في سوريا بعد عام 2019 يرتبط بأهداف أخرى، في مقدمتها حماية منطقة شرق الفرات من أي محاولة للسيطرة عليها، لافتًا إلى أن روسيا حاولت عبر مجموعة “فاغنر” التقدم في تلك المنطقة وتم منعها.
ويعتبر أن أي انسحاب أمريكي كامل من سوريا سيتيح لإيران وروسيا ملء الفراغ، بما يفضي إلى إعلانهما الانتصار عسكريًا في الحرب السورية، وهو ما لا يخدم المصالح الجيوسياسية لواشنطن ويضعف قدرتها على التأثير في أي حل سياسي مقبل. كما أشار إلى أن وجود القوات الأميركية في قاعدة التنف يمنحها القدرة على مراقبة الممر البري الذي تستخدمه إيران ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، ويتيح لها – عند الضرورة – قطعه بالتعاون مع شركاء محليين.
وفي سياق متصل، قال معراوي إن تنظيم الدولة غالبًا ما يجد بيئات حاضنة في المناطق السنية التي تعاني من التهميش أو الاضطهاد، معتبرًا أن هذه الظروف شكّلت أحد أسباب نشأته وتمددِه، سواء في المحافظات السنية في وسط العراق بعد الغزو الأميركي وصعود نفوذ قوى شيعية متحالفة مع واشنطن، أو في سوريا مع تصاعد التدخل الإيراني دعمًا لنظام الأسد. وأضاف أن المظالم التي تعرض لها بعض العرب السنة في مناطق سيطرة “قسد” أسهمت، برأيه، في استمرار وجود بيئة تمد التنظيم بالموارد البشرية والدعم اللوجستي.
ويعتقد معراوي أن انسحاب القوات الأميركية وتفكك “قسد” من شأنه أن يضعف تنظيم الدولة، لأنه سيسحب – وفق تقديره – ورقة “المظلومية السنية” التي يعتمد عليها في التجنيد، ما يؤدي إلى نشوء بيئة طاردة له ويحد من قدرته على الانتشار، تمهيدًا لتلاشيه عبر العمليات الأمنية وتجفيف مصادر تمويله واستقطابه.
ويرى أن العمليات التي ينفذها التنظيم حاليًا لا تتجاوز، في معظمها، إطار إثبات الوجود، بعد انتظاره عامًا كاملًا ما يعتبره فشلًا لحكم الرئيس السوري أحمد الشرع في كسب الحواضن الشعبية، على خلفية ضرورات الحكم والتحالف مع الولايات المتحدة والتفاوض مع إسرائيل.
وحول الجهة المخولة بمحاربة التنظيم، أكد معراوي أن المسؤولية تقع على عاتق القوى الأمنية والعسكرية السورية النظامية التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، بوصفها الجهة المكلفة شعبيًا ودوليًا بمكافحة الإرهاب. وأشار إلى أن هذه القوات تمتلك خبرة سابقة في مواجهة التنظيم في مناطق حوران وأرياف حلب وإدلب والجزيرة السورية، وتمكنت – بإمكانات محدودة – من هزيمته في عدة مناطق.
وختم معراوي بالقول إن الدولة السورية تحظى حاليًا بدعم دولي، ولا سيما من الولايات المتحدة، بعد انضمامها رسميًا إلى التحالف الدولي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، متوقعًا أن تحصل على دعم لوجستي واستخباراتي وتدريبي إضافي للقضاء على التنظيم.
كما أكد أن لدى الحكومة خططًا لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تشمل معالجة أسباب التطرف عبر رفع المظالم عن البيئات الحاضنة المفترضة، وتنشيط الاقتصاد، وتعزيز الاستقرار الأمني، وإطلاق برامج توعوية يشارك فيها رجال دين معتدلون لدحض الفتاوى والسرديات التي يعتمد عليها التنظيم في التجنيد.
المصدر: (الترا سوريا)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى