
نظرة محايدة للواقع العربي تظهر كم هو متشابك القضايا متعقد الأخطار ومتعدد التحديات. في كل مستويات الفكر والوعي والثقافة والقناعات والقيم؛ الحاجة ماسة إلى عمل عربي شمولي يستند إلى رؤية متكاملة الأبعاد لكل ما يدخل في تشكيل الواقع الراهن وكل ما يحركه ويؤثر فيه أو يتحكم به. ظاهرا أو مستترا..
إن الفعالية الحقيقية للمثقف لا تأتي مما يعرفه من معلومات بل بكيفية توظيفها لتغيير واقع اجتماعي أو إنساني ما..
إن قدرة المثقف الحقيقية تتمثل في مدى إدراكه لفعالية القوانين التي تحكم الظواهر الاجتماعية وتتحكم بها..ومن ثم المعرفة العميقة بالقوة أو مجموع القوى التي تحرك تلك الظواهر..القوى الحقيقية غالبا ما تكون خفية أو مستترة تختبئ خلف واجهات أو شعارات أو أدوات محلية تقدم ذاتها على أنها مستقلة وحرة فيما هي تخدم مصالح غير واضحة غالبا ، ترتبط بتلك القوى..قد تكون قوى محلية بحتة بات وجودها ومصيرها مرتهنا لقوى ذات فعالية أكبر..وقد تكون واجهات لقوى خارجية ذات أهداف لا تريد لها أن تنكشف لعلمها أنها لا تخدم مصالح أبناء المجتمع ؛ فتسعى لتسويقها بوسائل دعائية منسقة تخفي حقيقتها..
# كيف تعمل هذه القوى :
1 – دائما ما تستخدم تلك القوى ؛ ما كان منها محليا صرفا أو محليا تابعا ؛ وسائل التمرير الجانبي للأهداف الخبيثة عن طريق
صرف ألأنظار عن الجوهر الفعلي للأحداث وخلفياتها المحركة..
2 – تشتيت الإهتمام العام بإثارة قضايا فرعية وهامشية والتركيز الإعلامي عليها ..
3 – نشر وترويج معلومات مضللة بهدف تسويق غير مباشر للهدف المطلوب..
4 – نشر أكاذيب عن الجهات التي من المتوقع أن تعارض الهدف المخفي بعد أن تتمكن من تقدير ملامحه والحديث عنه وكشفه..
5 – إبراز كل من يسوق للهدف المطلوب سواء عن معرفة وإرتباط أو عن إنسياق وراء حملات الترويج والتسويق..
6 – اثارة القضايا الخلافية المثيرة للفتنة والإنقسام في معسكر الذين يشكلون قاعدة المتضررين الحقيقيين من الأهداف المرسومة والمطلوب تنفيذها..
7 – التركيز على الشكل والمظاهر السطحية لإفقار كل الظواهر والمحركات الإيجابية من مضمونها الحقيقي الفاعل حتى تفقد دورها في كل مراحل الفعالية الإجتماعية المطلوبة للتغيير والتحرر والتقدم..
8 – صناعة نجوم تافهة وتابعة وتالفة وتلميعها وترفيعها لتكون الموجه الأساسي للسلوك العام والقدوة التي تحتذى بديلا من الرموز الوطنية والقيادات التاريخية التي تشكل مثلا أعلى للفرد والمجتمع..
9 – إثارة كل ما يحرض الغرائز والبهيمية والنوازع الفردية والأنانية لتكون بديلا عن كل قيم التضامن والتفاعل والجدل الإجتماعي الفاعل البناء..فيسهل حينذاك تفكيك المجتمع وبالتالي تزداد المقدرة على التحكم به وتوجيهه والسيطرة عليه..
10 – الغزو الفكري والثقافي الذي يستهدف الإنسان الفرد لنزع هويته منه ونزعها عنه بتشكيل : ” الإنسان اللا منتمي ” إلا إلى ذاته معيارا وحيدا لكل الأمور والقضايا..
كثيرة هي الوسائل التي تملكها قوى الأمر الواقع التي تمسك مفاتيح تحريكه وتوجيهه ؛ ظاهرة أو مخفية..وكبيرة جدا هي إمكانياتها للإبقاء على مصالحها بتكريس مجريات الأحداث وسير الوقائع بما يبقيها على حالها حائلة دون إمكانيات التغيير..
إن تعطيل إمكانيات التغيير يتطلب تعطيل فعالية القوى الحقيقية صاحبة المصلحة بالتغيير..يتم ذلك بتشتيتها وتشويهها وإلهائها وإبتزازها ومحاولات مستمرة لشرذمتها أو لإستيعابها أو إستقطابها فتنتقل من معسكر التغيير إلى معسكرات التبرير..
إن المثقف الحقيقي هو الذي يكشف للإهتمام العام كل هذه المسائل ومن يقف خلفها وكيف يوظفها لديمومة الواقع على حاله..
إن بقاء الواقع دون تغيير مستمر يجعله في وضع التراجع والإنحدار المستمر..
إن عدم التغيير الإيجابي لا يعني الجمود بل يعني التراجع حتما..
إن لم نتغير ونطور أنفسنا وواقعنا الآجتماعي إلى الأفضل وبشكل دائم ومستمر ؛ فهذا يعني أننا نتراجع وتزداد قبضة قوى الأمر الواقع فعالية ويزداد نهمها للسيطرة والتحكم شراسة..
إن صناعة المستقبل المتغير الى الأفضل لا يمكن أن تتم دون تدخل إرادة إنسانية عازمة على تحقيق التغيير الإيجابي ؛ تتوفر لها شروط المعرفة أولا كأساس لإمتلاك الوعي ثم التنظيم والتخطيط والتنفيذ ..فليس كل تغيير إيجابيا. فكثيرا ما يتحقق تغيير إلى الوراء أو تقدم على طريق مسدود..
إن المهمة الأصيلة للمثقف هي :
– معرفة الواقع على حقيقته ..
– الإضطلاع بما يكفي من معرفة بالمحركات الخلفية أو الخفية للوقائع وكشفها والرد عليها..
– المساهمة الفعالية بتوظيف المعرفة وتحويلها إلى وعي عام
– إثارة القضايا الأساسية التي تشكل حقائق الواقع الإجتماعي وتشجيع تبنيها والإلتزام بها والدفاع عنها..
إن الآكتفاء بالمعرفة دون صناعة وعي عام على أساسها إنما يشكل جانبا سلبيا من دور المثقف..في ذات الوقت الذي يشعل الوعي الزائف مزيدا من القضايا الخلافية ذات الإهتمام الشكلي الذي يصرف الأنظار ويبعد الإهتمام بالقضايا الأساسية التي توحد وتحرك وتغير..
إن توحيد قوة التغيير تشكل أساس ومنطلق أية إمكانية لمواجهة الواقع ومن يقبع خلف إبقائه رهينة الماضي دون إمكانية بناء المستقبل المتقدم إلى الأمام..
المثقف الحقيقي الأصيل هو من يستطيع رؤية المستقبل المتغير إلى ألأفضل وتكوين وعي موضوعي حوله وتشكيل قوة حركية تسعى إليه..
في واقعنا العربي لا بديل عن أدوار متعاظمة لمثل هذا المثقف المنتمي الذي يمارس نقدا إيجابيا معمقا وفقا لجدول أولويات الحفاظ على قوة الدفع التغييرية وتوحيد إتجاهاتها وليس وضع الحجارة في طريقها لعرقلتها..
إن فعالية القوة الشعبية العربية لا بديل أن تستند إلى وعي متكامل الأبعاد بكل المخاطر وكل القوى المعرقلة والمشتتة وكل طروحاتها ووسائل عملها وأدواتها المحلية وصنائعها ومن ثم إمتلاك ما يمكنها من ممارسة دورها الطلائعي المحوري وفي مقدمتها المؤسسات الشعبية الحرة المستقلة والفاعلة..
إن الإكتفاء بعرض أية مشكلة دون تشخيص أبعادها ومعرفة أسبابها وموقعها في إطار الوضع العام وما فيه من تحديات وما يتعرض له من أخطار ؛ إنما تنقصه مقومات الدفع بإتجاه التغيير والتقدم..ويبقى ناقصا ما لم يستكمل بتحديد الحلول الممكنة وكيفية تطبيقها و الجهة المعنية صاحبة المصلحة بالتنفيذ ..
إن هذا التكامل في رؤية المثقف هو الذي يحدد مكانته وسط قضايا مجتمعه ووطنه وأمته ؛ كما يحدد مدى فعالية ما يطرحه وقدرته على تشكيل وعي إيجابي يدفع بإتجاه إطلاق تفاعل إجتماعي بناء يقود إلى تحريك القوة الشعبية ويضعها في إطار الفعالية اللازمة للتغيير..