
لم يكن فجر الثامن والعشرين من تشرين الأول من العام الحالي ليمر برداً وسلاماً على قرية هنيدة الواقعة في الريف الممتد بين مدينتي الرقة وحلب، إذ استيقظ الخمسيني “أبو محمد” على هدير مرعب للمياه التي تجاوزت مجاريها المعتادة لتجرف معها شقاء عمره المتمثل في قطيع أغنامه الذي تشتت في لحظات خاطفة تحت وطأة فيضان مفاجئ اجتاح المنطقة.
وأعلنت وزارة الطوارئ ارتفاع عدد ضحايا السيول والفيضانات في ريفي الرقة ودير الزور إلى 5 وفيات، بينهم 4 أطفال، بينما أنقذت الطواقم 25 شخصاً وأجلت 375 عائلة إثر الهطولات المطرية الغزيرة شرقي سوريا، وأوضحت الوزارة أن طفلاً قضى غرقاً في بركة مياه تشكلت بقرية هنيدة في ريف الرقة الغربي، في حين توفي طفلان آخران في قرية أبو حية بمنطقة عين عيسى.
ولم تتوقف المفارقة المأساوية عند حدود هذه الخسارة القاسية، بل امتدت لتشمل البعد الإنساني الذي يعيشه ابنه الشاب “حسن” المغترب في سلطنة عمان منذ خمس عشرة سنة، والذي تواصل مع عائلته للاطمئنان عليهم وفي قلبه حسرة مريرة ملخصها أمنية بسيطة يكررها دوماً هي أن يعود يوماً ليحتسي كأساً من الشاي المعدّ من مياه نهر “الفرا” كما يطلق عليه أهالي المنطقة محبة وتودداً.
تلخص هذه المشهدية واقع حوض الفرات اليوم، حيث يعيش السكان على حافة الخطر بين تدفقات مائية عارمة تجرف الأرزاق وتذهب هدراً، وبين غياب البنية التحتية المتطورة التي تحرم المغتربين والمقيمين من استثمار هذه العذوبة الطبيعية وتحويلها إلى ثروة وطنية تنعش الاقتصاد المحلي وتنهي عقوداً من التهميش التنموي.
كنز مائي مهدور
يضعنا هذا الواقع الميداني الصعب أمام قراءة اقتصادية استراتيجية يقدمها الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي، الذي يرى أن سوريا تقف على كنز مائي مهدر يمكنه أن يغير الخريطة الاقتصادية للبلاد، مفصلاً بالأرقام والوقائع الاقتصادية حقيقة تجارة المياه المعبأة كصناعة عالمية كبرى وكيف يمكن لسوريا اقتناص حصتها منها.
يرى العيلي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن العجز عن إدارة هذا التدفق المائي يتجاوز حدود المأساة المحلية ليمس فرصة استثمارية هائلة، حيث يتحول هذا الفائض من مصدر كوارث وتدمير للقرى إلى مشروع صناعي واستثماري ضخم مخصص لتعبئة المياه العذبة وتصديرها.
ويكشف العيلي أن سوق المياه المعبأة عالمياً يمر بطفرة اقتصادية قياسية، إذ تقدر قيمته السوقية بأكثر من 340 مليار دولار، متوقعاً وصولها إلى نحو 570 مليار دولار بحلول عام 2032، في حين بلغت قيمة حركة التصدير والتجارة الدولية العابرة للحدود للمياه المعبأة زهاء 24 مليار دولار.
ويستشهد الخبير الاقتصادي بالنماذج العالمية الرائدة التي حولت مواردها المائية إلى تدفقات مالية ضخمة لشركاتها واقتصاداتها، حيث تتصدر فرنسا قائمة الدول المصدرة للمياه المعبأة بعوائد تتجاوز 1.66 مليار دولار سنوياً من علاماتها الشهيرة مثل “إيفيان” و”بيرييه”، تليها إيطاليا بصادرات تتجاوز المليار دولار، بل إن دولة صغيرة مثل “فيجي” في المحيط الهادئ باتت تصدر مياهاً معبأة بقيمة 271 مليون دولار سنوياً للاستفادة من تسويق المنشأ الطبيعي الفاخر.
وفي المقابل، تأتي الصين والولايات المتحدة والمكسيك على رأس قائمة أكبر المستهلكين عالمياً بكميات تتراوح بين 30 و39 مليار لتر سنوياً لكل دولة.
الخليج.. السوق الأقرب
أما على الصعيد الإقليمي، فيشدد العيلي على أن الخليج العربي يمثل السوق الأكثر إغراءً وجاهزية لاستيعاب مياه الفرات المعبأة؛ إذ تتجاوز قيمة سوق المياه المعبأة في دول مجلس التعاون الخليجي 7.55 مليارات دولار سنوياً بمعدل نمو سنوي يبلغ 11%.
وتتصدر المملكة العربية السعودية الطلب الإقليمي باستهلاك يستحوذ على نحو 33% من هذا السوق، تليها دولة الإمارات العربية المتحدة التي تسجل أعلى معدلات نمو واردات واستهلاك المياه المعبأة في المنطقة.
ويردف العيلي موضحاً أن دول الخليج، نظراً لطبيعتها المناخية ومحدودية مواردها المائية المتجددة، تعتمد على مزيج من محطات التحلية المكلفة وعلى استيراد كميات ضخمة من المياه المعبأة والفاخرة من دول مختلفة مثل فرنسا وإيطاليا وغيرهما من الدول المكتفية إقليمياً.
وهنا تكمن النقطة المفصلية التي يطرحها العيلي، حيث يرى أن نهر الفرات يمنح سوريا ميزة تنافسية وجغرافية لا تُضاهى لتزويد السوق الخليجي بمياه عذبة طبيعية وبأقل كلفة لوجستية ممكنة.
وتستند رؤية العيلي الاستثمارية إلى ضرورة اقتناص مذكرات التفاهم الاقتصادي الموقعة مع الشركات الكبرى المتخصصة في حلول المياه والطاقة البديلة — وفي مقدمتها شركة “أكوا باور” العملاقة — لتحويل فائض الفرات إلى منتج تجاري جاهز للبيع. إذ يتيح الشريك الخليجي الاستفادة من تقنياته الفنية المتقدمة في فلترة المياه وتعبئتها، إلى جانب استغلال خطوطه التسويقية وشبكات التوزيع القائمة بالفعل داخل الأسواق الخليجية.
ويرى العيلي أن تنفيذ هذا المشروع يضمن تحقيق مكاسب اقتصادية وتنموية مضاعفة؛ تتلخص أولاً في امتصاص التدفقات المائية العارمة والحد من أخطار الفيضانات التي تدمر المحاصيل وتغرق القرى الحدودية، وثانياً في تشغيل شريحة واسعة من الأيدي العاملة وامتصاص بطالة الشباب في المحافظات الشرقية عبر إنشاء محطات تعبئة حديثة تعتمد على النقل البري الميسر والمباشر عبر الأراضي الأردنية نحو الأسواق الخليجية في غضون أيام قليلة، وبكلفة شحن منخفضة وآمنة تماماً تتفوق جدواها على مشاريع تحلية مياه الساحل المكلفة.
هذا البعد الاستثماري يرتبط بالواقع الجيولوجي والهيدرولوجي الذي يشمل معدلات هطول الأمطار، والرشح السطحي، والموصلية الهيدروليكية (قدرة الصخر على تمرير الماء)، وحركة التدفق الجوفي، إذ تشير البيانات إلى أن نهر الفرات يمر خلال الأعوام الأخيرة بحالة تدفق مرتفعة وغير معتادة تفوق بكثير الطاقة التشغيلية لشبكات الري القديمة ومحطات التوليد الكهرومائية المتهالكة، مما يتسبب في ضياع كميات فلكية من المياه الصالحة للشرب دون أي استغلال تجاري منظم.
وتخضع هذه المنظومة المائية تاريخياً لاتفاقية عام 1987 المؤقتة التي ألزمت أنقرة بضخ معدل سنوي يزيد على 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية السورية، وهي الاتفاقية ذاتها التي استندت إليها دمشق وبغداد لتقاسم تلك الحصة بنسبة 58% للجانب العراقي و42% للجانب السوري، وجرى تسجيلها رسمياً في الأمم المتحدة عام 1994 كضمانة حد أدنى للحقوق المائية.
غير أن التغيرات المناخية الراهنة أوجدت واقعاً جيولوجياً جديداً يتطلب رؤية استثمارية عاجلة لاستيعاب فائض التدفقات وحماية القرى الحدودية مع توجيه المياه الفائضة نحو التصنيع والتصدير.
وعلى صعيد المواقف والتكييفات القانونية، يؤكد الباحث محمد عمار سقباني، الدارس في برنامج الماجستير في القانون الدولي المائي وقانون البحار في جامعة هامبورغ، أن معضلة التقاسم المائي تنطلق أساساً من صراع مفاهيمي حاد بين أطراف النزاع؛ حيث تتمسك أنقرة بتصنيف دجلة والفرات بوصفهما نهرين عابرين للحدود يخضعان لسيادتها الإقليمية المطلقة التي تمنحها الحق الكامل في إدارة مواردهما وتشييد المشاريع التنموية فوق أراضيها دون قيد أو شرط، بينما خاضت دمشق وبغداد معركة دبلوماسية لتصنيف النهرين بوصفهما نهرين دوليين يخضعان لأحكام القانون الدولي والمواثيق التاريخية التي تلزم دول المنبع بضمان الحصص العادلة والمعايير المنصفة لدول الممر والمصب.
ويوضح سقباني لموقع تلفزيون سوريا أن سوريا صادقت مبكراً على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية التي كرست مبدأي عدم إلحاق الضرر والعدالة في التوزيع العادل للموارد، مما عزز الموقف القانوني لدمشق وبغداد، غير أن هذا المسار القانوني ظل قاصراً ومكبلاً لسببين رئيسيين، أولهما تصويت تركيا ضد هذه الاتفاقية ورفضها الانضمام إليها بدعوى مساسها بسيادتها، وثانيهما اشتراط القانون الدولي موافقة جميع أطراف النزاع للجوء إلى التحكيم الدولي أو محكمة العدل الدولية، وهو ما ترفضه أنقرة مفضلة إبقاء الملف في إطار التفاوض الثنائي والمقايضات السياسية.
المياه والحسابات الأمنية
ولم يكن ملف المياه معزولاً عن الحسابات الأمنية المعقدة في المنطقة، إذ واجهت تركيا اتهامات متكررة بتوظيف ورقة المياه للضغط على جيرانها ومساومتهم في ملفات شديدة الحساسية، أبرزها نشاط حزب العمال الكردستاني وامتداداته المسلحة في شمال سوريا والعراق.
وتجلى هذا الربط العضوي تاريخياً عندما تسبب الدعم السوري للحزب في تسعينيات القرن الماضي في تعنت تركي واضح تمثل في ربط التدفقات المائية بالملف الأمني، ليتطور الأمر لاحقاً عقب الثورة السورية التي شكلت فرصة لاستكمال المشاريع المائية التركية دون اكتراث بالجانب السوري، فأنهت أنقرة شبكة قنوات مياه شانلي أورفا لاستغلال بحيرة سد أتاتورك في ري السهول الحدودية في حران وماردين وجيلان بينار، كما أكملت حجز المياه في سد سيلوان.
في المقابل، تحولت السدود السورية مثل سد تشرين وسد الفرات إلى ساحات للصراع العسكري وتصفية الحسابات السياسية، مما أخرج ملف المياه السوري من معادلة التأثير الإقليمي بالكامل وجعل دمشق عاجزة عن تحصيل حقوقها التاريخية.
ويلفت سقباني إلى أن المشهد بدا على الجبهة العراقية أكثر تضرراً لكون البلاد تعتمد على تركيا في تحصيل نحو 60% من احتياجاتها المائية الإجمالية.
وقد بلغت التوترات ذروتها مع بدء تشغيل سد إليسو العملاق في أعلى مجرى نهر دجلة، الذي تسبب في خفض حصة العراق بنسبة تقارب 60% نتيجة تشغيل مولدات الكهرباء، مما أسفر عن موجة جفاف حادة وتدمير مساحات زراعية شاسعة وجفاف الأهوار المدرجة على لائحة التراث العالمي.
هذا القلق العراقي المستمر قاد مؤخراً إلى تحول تدريجي في طبيعة العلاقات بين بغداد وأنقرة، مدفوعاً بتبني الحكومة العراقية لسياسة عملية تقوم على تغليب المصالح الاقتصادية والتجارية وتطوير التعاون في مشروع طريق التنمية الاستراتيجي الذي يربط الخليج العربي بتركيا، وتوج هذا المسار بتوقيع وثيقة إطارية تاريخية للتعاون المائي تم بموجبها ربط ملف المياه بملف الطاقة من خلال تخصيص جزء من عائدات النفط العراقي المصدّر لتركيا لتمويل مشاريع بنية تحتية مائية وشبكات ري حديثة وسدود حصاد تنفذها شركات تركية داخل العراق لتحسين كفاءة التخزين والحد من الهدر.
الدبلوماسية المائية التركية
وفي الجانب المقابل، تنطلق الدبلوماسية المائية التركية من حقيقة علمية وديموغرافية تحاول فرضها كواقع في كل جولات التفاوض، وتتمثل في تفنيد الاعتقاد السائد بأن تركيا دولة غنية بالموارد المائية، وتأكيد وقوعها في منطقة مناخية شبه قاحلة تجعلها عرضة للفقر المائي الحاد مع تراجع نصيب الفرد السنوي من المياه المتجددة مقترباً من الخط الأحمر الدولي المتمثل في ألف متر مكعب سنوياً نتيجة النمو السكاني والتصنيع والتبخر الهائل خلف البحيرات الاصطناعية.
هذه التحديات الهيكلية والبيئية الجسيمة تدفع تركيا إلى التمسك الشديد بكل قطرة مياه عذبة وتعميم تقنيات الترشيد الحديثة وإعادة تدوير مياه الصرف لضمان أمنها المائي الداخلي أولاً قبل الالتفات إلى مطالب جيرانها في دول الممر والمصب.
وإلى أن تتوفر الإرادة السياسية لصياغة اتفاقيات دولية ملزمة، يظل التوجه نحو الحلول الاستثمارية والتجارية الكبرى — مثل مشروع تعبئة وتصدير مياه الفرات وفق الأرقام والمعطيات التي طرحها الخبير حسن حيدر العيلي — الخيار الوحيد القادر على تحويل الثروة المائية المهدورة إلى محرك تنموي ينقذ أهالي حوض الفرات من المعادلة القاسية التي تتأرجح باستمرار بين فيضان جارف وجفاف قاتل.
المصدر: تلفزيون سوريا






