
في 11 آب/أغسطس 2026، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة المختصة بقضايا العدالة الانتقالية في دمشق، بموجب القرار رقم 1 لعام 2026، أحكامًا غيابية بالإعدام بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعدد من المسؤولين السابقين الفارّين.
ووفقًا لما نشرته الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، نص القرار على الإبقاء على مذكرات التوقيف الصادرة بحق المتهمين الذين ما زالوا فارّين، وتوجيه الجهات المختصة إلى متابعة إجراءات التعاون الدولي لإلقاء القبض عليهم. وفي 22 تشرين الأول/أكتوبر، صرّح رئيس المحكمة، القاضي فخر الدين العريان، وفقًا لما نقلته سانا، بأنَّ الأحكام الصادرة غيابيًا تُرسل إلى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول). وتُظهر هذه الأحكام استعداد المحاكم السورية لممارسة اختصاصها الجنائي بحق القادة السابقين للبلاد، غير أنَّ إمكان الاستناد إليها لتفعيل تعاون دولي فعّال يظل مسألة منفصلة. فالدولة تستطيع محاكمة الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها القضائي، لكنها لا تستطيع تنفيذ أوامرها القضائية على أراضي دولة أخرى من دون تعاون تلك الدولة. ويسهّل الإنتربول هذا التعاون، لكنه لا يلغي القيود القانونية التي تحكمه. كما أنَّ قدرة الدول الأخرى على التعاون، ومدى استعدادها له، يعتمدان إلى حد كبير على مصداقية الإجراءات القضائية السورية.
لا يُعد تقييم الإنتربول إجراءً شكليًا، إذ يتضمن دستوره ضمانتين أساسيتين. فالمادة الثانية تشترط أن يجري التعاون بروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يجعل احترام حقوق الإنسان اعتبارًا مستقلًا بذاته.
يشير تصريح تشرين الأول/أكتوبر إلى أنَّ السلطات السورية تسعى إلى تفعيل التعاون الشرطي الدولي، لكنَّه لا يتضمن رقمًا مرجعيًا لأي طلب أو تاريخ تسجيله، ولا يؤكد أنَّ الإنتربول قبل طلبًا أو أصدر نشرة حمراء. أما الحكم القضائي نفسه، فلا تتوافر عنه سوى المعلومات التي نشرتها سانا في روايتها الرسمية. ولا يشترط الإنتربول بالضرورة تقديم النص الكامل للحكم لإصدار نشرة حمراء، لكن عدم إتاحته يحدّ من إمكان التدقيق المستقل في النتائج التي توصلت إليها المحكمة. كما قد تحتاج السلطات الأجنبية التي تنظر في طلبات التسليم إلى وثائق قضائية وأدلة أكثر تفصيلًا.
وحتى لو قُبل الطلب، فإنَّ آثاره القانونية تظل محدودة، إذ يمر التعاون بسلسلة من القرارات المستقلة. فعلى السلطات السورية أولًا تقديم طلب يستوفي المتطلبات القانونية، ثم يتولى الإنتربول تقييم مدى توافق إصدار نشرة حمراء مع دستوره وقواعده المتعلقة بمعالجة البيانات. وإذا صدرت النشرة، فإنَّ الدولة التي يُعثر على الشخص المطلوب داخل أراضيها تقرر، وفقًا لقانونها الوطني، ما إذا كانت ستلقي القبض عليه. أما تسليمه، فيتطلب إجراءات إضافية تخضع لقانون تلك الدولة ولأي معاهدة واجبة التطبيق. ولا تؤدي أي مرحلة من هذه المراحل تلقائيًا إلى المرحلة التالية. فالنشرة الحمراء طلب موجّه إلى أجهزة إنفاذ القانون في أنحاء العالم لتحديد مكان الشخص المطلوب وتوقيفه مؤقتًا، تمهيدًا لتسليمه أو نقله إلى جهة مختصة أو اتخاذ إجراء قانوني مماثل، وليست مذكرة توقيف بحد ذاتها. ولا يملك الإنتربول سلطة إلزام أي دولة بإلقاء القبض على الشخص موضوع النشرة الحمراء.
ولا يُعد تقييم الإنتربول إجراءً شكليًا، إذ يتضمن دستوره ضمانتين أساسيتين. فالمادة الثانية تشترط أن يجري التعاون بروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يجعل احترام حقوق الإنسان اعتبارًا مستقلًا بذاته. أما المادة الثالثة، فتحظر على المنظمة حظرًا باتًا أي نشاط أو تدخل في مسائل ذات طابع سياسي، أو عسكري، أو ديني، أو عنصري. وفي الممارسة العملية، يطبق الإنتربول اختبار
الطابع الغالب، الذي يبحث فيما إذا كانت الطبيعة الجنائية للأفعال المنسوبة إلى الشخص تغلب على أبعادها السياسية أو العسكرية. ولا يشكل تولّي منصب رسمي سابق، بحد ذاته، مانعًا من التعاون، فالحياد السياسي لا يعني الحصانة من المساءلة الجنائية، وإنَّما يهدف إلى منع استخدام التعاون الشرطي أداةً للاضطهاد السياسي. وعليه، فإنَّ السؤال هنا هو ما إذا كان الطلب يتعلق بأفعال جنائية محددة ويستوفي الضمانات التي تعتمدها المنظمة. وإلى جانب ذلك، تشترط المادة 83 من قواعد الإنتربول المتعلقة بمعالجة البيانات توافر معلومات قضائية كافية، تشمل ملخصًا للوقائع، والتهم المنسوبة إلى الشخص، والقانون الواجب التطبيق، وإشارة إلى مذكرة توقيف سارية المفعول أو قرار قضائي معادل لها. وعندما تتعلق الاتهامات بإصدار الأوامر أو بمسؤولية القيادة، يجب أن يوضح الطلب الأفعال المنسوبة إلى الشخص المعني وصلتها بالجرائم موضوع الملاحقة. أما تحديد ما إذا كانت الأدلة تثبت هذا الشكل من المسؤولية، فيبقى من اختصاص المحكمة المختصة، وليس الإنتربول.
وتؤثر الطبيعة القانونية للأحكام الصادرة في الإجراءات اللاحقة. فوفقًا لمنطوق الأحكام المنشور وتصريح رئيس المحكمة في تشرين الأول/أكتوبر، يؤدي إلقاء القبض على المحكوم عليه غيابيًا أو تسليمه نفسه طوعًا إلى سقوط الحكم الغيابي وإعادة محاكمته. وهذا يحول دون تنفيذ العقوبات الصادرة بموجب الأحكام القائمة بصيغتها الحالية، وينبغي أن يوضح أي طلب للتعاون هذه النتيجة صراحةً. فالمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تقتضي إجراء المحاكمة أمام محكمة مستقلة ومحايدة، واحترام قرينة البراءة، وضمان حق الدفاع الفعّال، وإتاحة الفرصة لمناقشة الأدلة والطعن فيها، وضمان الحق في مراجعة الحكم أمام محكمة أعلى. كما أنَّ إعادة المحاكمة لا تستبعد احتمال صدور حكم جديد بالإعدام.
ويُعد هذا الاحتمال من أبرز العقبات التي تواجه تسليم المطلوبين. فقد انضمت سوريا إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1969، لكنها لم تنضم إلى بروتوكوله الاختياري الثاني، ومن ثمّ فهي غير ملزمة بموجب هذا البروتوكول بإلغاء عقوبة الإعدام. ومع ذلك، تقصر المادة السادسة من العهد، في الدول التي لم تلغِ عقوبة الإعدام، تطبيق هذه العقوبة على أشد الجرائم خطورة.
ولا يقتصر تأثير القرارات المتعلقة بالعقوبات على تسليم المطلوبين، بل يمتد إلى أشكال أخرى من المساعدة الدولية. فالآلية الدولية المحايدة والمستقلة بشأن سوريا، التي تتولى جمع الأدلة وحفظها وتحليلها وإعداد ملفات القضايا، تقدم الدعم للجهات القضائية التي تحترم معايير المحاكمة العادلة، شريطة ألا تكون عقوبة الإعدام قابلة للتطبيق. وتختلف ولاية هذه الآلية عن ولاية الإنتربول، الذي لا يطبق قاعدة قطعية مماثلة بشأن عقوبة الإعدام. وتُظهر هذه المقارنة أنَّ الخيارات الوطنية المتعلقة بالإجراءات القضائية والعقوبات قد تحدد مدى الدعم الدولي الذي يمكن أن تحظى به الملاحقات الجنائية السورية.
إنَّ الإعلان عن إحالة القرارات القضائية إلى الإنتربول يعكس سعي السلطات السورية إلى توسيع نطاق الملاحقة الجنائية خارج حدود البلاد.
ولا يعني أيٌّ مما سبق أنَّ الملاحقة القضائية السورية تتحول إلى ملاحقة جنائية دولية. فعندما تطلب سوريا مساعدة الإنتربول، فإنَّها تسعى إلى الحصول على تعاون دول أخرى لتمكين محكمة وطنية من ممارسة اختصاصها القضائي. ولا يشكل تقييم الإنتربول لمدى امتثال الطلب لقواعده حكمًا بشأن إدانة الشخص المطلوب، كما أنَّ إصدار نشرة حمراء لا يُعد شهادة على عدالة أي محاكمة لاحقة. فمصداقية الإجراءات القضائية تعتمد على المؤسسات السورية نفسها، وعلى نشر الأحكام القضائية المسبّبة، وإتاحة المراقبة المستقلة للمحاكمات، وضمان تكافؤ وسائل الادعاء والدفاع، واعتماد استراتيجية للملاحقة الجنائية تتتبع الأدلة عبر التسلسل
القيادي. وقد أبقى قرار آب/أغسطس على حق النيابة العامة في ملاحقة مسؤولين آخرين، وكذلك الأشخاص الذين أسهموا في ارتكاب الجرائم أو اشتركوا فيها، ضمن إجراءات قضائية منفصلة. وسيخضع كل طلب من هذا النوع لتقييم مستقل وفقًا لظروفه، وسيتطلب أساسًا خاصًا به من الأدلة.
إنَّ الإعلان عن إحالة القرارات القضائية إلى الإنتربول يعكس سعي السلطات السورية إلى توسيع نطاق الملاحقة الجنائية خارج حدود البلاد. وقد تساعد النشرة الحمراء، في حال إصدارها، على تحديد مكان الشخص المطلوب، وربما تؤدي إلى توقيفه مؤقتًا. ويستطيع الإنتربول تعميم معلومات عن شخص مطلوب بموجب أمر قضائي سوري، لكنه لا يستطيع أن يجعل ذلك الأمر قابلًا للتنفيذ في دولة أخرى. فسلطات القبض والتسليم والمحاكمة تظل موزعة بين مؤسسات وطنية في كل دولة، تخضع كل منها لقوانينها والتزاماتها في مجال حقوق الإنسان. ولا يكتسب المسار القضائي الوطني مشروعيته لمجرد حصوله على تعاون دولي، بل تتوقف إمكانات هذا التعاون على مدى سلامة الإجراءات القضائية السورية وامتثالها للمعايير القانونية الدولية، إلى جانب الالتزامات المترتبة على الدول المطلوب منها التعاون.
المصدر: تلفزيون سوريا






