الاحتدام الإقليمي والمطلوب السوري

   عبد الباسط سيدا

ما يستنتج حتى الآن مما يُعلن عنه، أو يجري تسريبه، بخصوص المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، هو أن الخلاف بين الطرفين يتمركز حول الملف النووي، وتوقيت وآلية رفع العقوبات، والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمّدة. أما موضوع مضيق هرمز فهو مجرد حصيلة الأزمة وليس سببها الأساس.

غير أن هذا لا يستبعد وجود مسائل خلافية غير معلنة لها علاقة بالطرق التجارية الدولية، ومستقبل الدور الصيني في المنطقة، وآفاق العلاقة الإيرانية الصينية، وطبيعة الانعكاسات التي ستكون لهذه العلاقة في واقع الدول التي تعاني حالياً من النفوذ السافر لإيران عبر الأذرع المرتبطة بها بصورة عضوية مباشرة. ويُشار هنا بصورة خاصة في يومنا هذا إلى العراق واليمن ولبنان. ومن الواضح أن كل طرف ينتظر التطورات والتحولات التي قد تحدث في جبهة الخصم. فالإيرانيون يمنّون النفس بخسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية التي باتت على الأبواب. والرئيس الأميركي دونالد ترمب من ناحيته، يأمل في حسم مسألة الحكم في إيران لصالح مجموعة براغماتية يمكن التفاهم معها.

أما سلامة المنطقة، والحفاظ على أمن مجتمعاتها ودولها، ومساعدة شعوبها عبر تحسين مستواها المعيشي وتمكينها من التمتّع بحرياتها، فهي كلها مواضيع غائبة عن دائرة اهتمامات الرئيس الأميركي المنهمك بترتيب أولوياته مع حليفه بنيامين نتنياهو، الذي سيواجه هو الآخر بعد أيام انتخابات مفصلية تحدّد مصيره السياسي، وربما طبيعة السياسات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.

التصعيد الإيراني الأخير عبر الأذرع ضد السعودية تزامن مع الإعلان عن حلف مكة الذي جمع بين السعودية وباكستان وتركيا، هذا على الرغم من تأكيد جميع أطراف الحلف أنه مجرد حلف دفاعي

 

ولكن التطور اللافت في المتغيرات الإقليمية المتلاحقة المتسارعة هو التركيز الإيراني على السعودية، والسعي من أجل ضرب أمنها وهيبتها، وذلك سواء من خلال الحوثي في اليمن، أم عن طريق الفصائل الولائية في العراق. والسعودية بما تمثّله من رمزية عربية وإسلامية (خاصة في زمن ترنّح معظم الدول العربية وتفكّك مجتمعاتها)؛ وبما تمتلكه من إمكانات بشرية وثروات مادّية، تظل القوة العربية الأكثر قدرة على التأثير في المعادلات الإقليمية المختلّة، لا سيما إذا ما تم التفاهم بينها وبين مصر على أسس سليمة راسخة، تأخذ بعين الاعتبار ضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار في الإقليم، وهو الأمر الذي لا يمكن فصله عن مصالح البلدين الوطنية.

فمصر هي الأخرى تتعرّض لمخاطر عدم الاستقرار في جوارها الإقليمي، سواء من جهة ليبيا في الغرب، أو السودان في الجنوب، وحتى مع قطاع غزة الذي تريده إسرائيل أرضاً من دون شعب. هذا بالإضافة إلى تراجع لافت في حركة المرور عبر قناة السويس نتيجة لهجمات الحوثي. ولعل هذا ما يفسر القرار الذي أعلن عنه الرئيس المصري مؤخراً بخصوص الطلب من مجلس النواب ليناقش موضوع تقديم المساعدة العاجلة للسعودية، والوقوف إلى جوارها لصدّ أي عدوان تتعرض له، لأن الأمن المصري مرتبط بصورة عضوية مع الأمن السعودي، وذلك وفق وصف الرئيس السيسي نفسه.

من الملاحظ أن التصعيد الإيراني الأخير عبر الأذرع ضد السعودية تزامن مع الإعلان عن حلف مكة الذي جمع بين السعودية وباكستان وتركيا، هذا على الرغم من تأكيد جميع أطراف الحلف أنه مجرد حلف دفاعي، لا يستهدف أي طرف. ولكن النظام الإيراني الذي لديه منذ زمن بعيد أطماع مكشوفة في العراق ومنطقة الخليج واليمن، يرى في هذا الحلف، بصرف النظر عن حدود فاعليته الواقعية، تحوّلاً نوعياً في التفكير الاستراتيجي، لا ينسجم مع حساباته التي ترتكز على نهج إضعاف دول الجوار عبر التغلغل في مفاصلها، وبناء تشكيلات عسكرية سياسية موازية لسلطة الدولة، تشكيلات قادرة على التأثير في قرارات الدول، بل والتغلغل ضمن مفاصلها، والتدخّل في شؤونها السيادية، كما فعل “حزب الله” في لبنان، وفعله الحوثي في اليمن، وتفعله القوى الولائية في العراق.

ورغم الجهود الكبرى، التي بذلها، ويبذلها، الوسطاء من أجل التوصل إلى تفاهمات وتوافقات كان من شأنها دفع الأمور في منطقة الخليج نحو التهدئة، وهو الأمر الذي سيكون في مصلحة إيران قبل غيرها، ما زالت الأوضاع مضطربة، وتنذر بمخاطر التصعيد والانفجار في أي لحظة. والمسؤولية الأولى في هذا المجال تقع على عاتق مراكز القرار ضمن النظام الإيراني. فهذه القوى تدرك جيداً حيوية الدور الذي تقوم به السعودية على مستوى الاقتصاد العالمي، كما أنها على علم كامل بأن أي مساس بإمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج، والسعودية تحديداً، ستؤدي إلى أزمة على المستوى العالمي لا سيّما أن الشتاء على الأبواب. لذلك تستخدم القوى الإيرانية المعنية تهديداتها واستفزازاتها بصورة مباشرة، أو عبر الوكلاء، ضد السعودية، لتكون أوراق ضغط على الإدارة الأميركية والأوروبيين من أجل دفع الأمور نحو تسوية يمكن أن يسوّقها النظام الإيراني لداخله على أنه انتصار، أو حتى شبه انتصار، ليعزز استمراريته، ويتمكّن من مواجهة الاحتجاجات الكبرى التي يُحتمل أن تحدث في الداخل الإيراني بعد انتهاء الحرب، وانكشاف المآلات على المستويين العربي والإسلامي.

وفي مقابل هذا الاستهتار الإيراني بأمن الإقليم واستقراره، يلاحظ أن السعودية ومعها دول الخليج بصورة عامة قد أبدت باستمرار حرصاً ناضجاً بعيد النظر على علاقات حسن الجوار مع إيران، وعملت بصورة مستمرة من أجل التفاهم وإبعاد المنطقة عن المغامرات والكوارث التي تنذر بأفدح الخسائر التي ستطول الجميع، وستنعكس سلباً على مصير مجتمعات المنطقة ودولها.

وضمن هذا التوجه الاستراتيجي المستقر وافقت السعودية على المبادرة الصينية ووقعت على وثيقة التفاهم مع النظام الإيراني في بكين في شهر آذار/مارس 2023. وهي اليوم من تدعو روسيا من خلال مجلس التعاون الخليجي لتتدخل لدى النظام الإيراني وتقنعه بأهمية التهدئة.

لم تكتف السعودية بهذا فحسب، فقنوات الاتصال المباشر بينها وبين إيران لم تنقطع في يوم من الأيام، بل بين السعودية نفسها وإيران، وكل ذلك هو بدافع الحرص على عدم تصعيد الأمور في المنطقة، والفصل بين الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران على مستقبل المنطقة وطبيعة المعادلات التوازنية التي ستحدّد ملامح المنطقة مستقبلاً، وبين علاقات الجوار بين دول الإقليم خاصة بين دول الخليج وإيران، وهي العلاقات التي تحتاج إلى المزيد من الضوابط التي تقطع الطريق على أي تدخل في الشؤون الداخلية، أو أي تهديد للأمن الخاص بكل دولة، أو الأمن الإقليمي بصورة عامة، والعمل من أجل الحفاظ على أفضل العلاقات بين دول المنطقة ومجتمعاتها على أسس احترام وقائع الجغرافيا، والمشاعر الدينية، والروابط الثقافية، والمصالح الاقتصادية المشتركة.

المطلوب سورياً في أجواء الاضطراب الإقليمي العاصف الذي ينذر بمختلف الاحتمالات، فهو يتمثل في ضرورة بذل كل الإمكانات من أجل توفير شروط الاستقرار الداخلي والتماسك المجتمعي، وتعزيز الثقة بالمستقبل لدى الجيل السوري الشاب

 

الأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ستنتهي في نهاية المطاف بهذه الصيغة أو تلك، ولكن العلاقات السليمة القائمة على الاحترام المتبادل، والتوافق حول آلية مشتركة سلمية لحلّ الخلافات، وتوفير الأرضية اللازمة لبناء الشراكات الاقتصادية التي من شأنها إفساح المجال أمام استثمار موارد المنطقة لصالح أجيالها المقبلة، وذلك عوضاً عن تبديدها في صفقات شراء الأسلحة وعسكرة المجتمعات والدخول في مغامرات لم ولن تخدم مشاريع النهوض بالمنطقة وازدهارها.

أما المطلوب سورياً في أجواء الاضطراب الإقليمي العاصف الذي ينذر بمختلف الاحتمالات، فهو يتمثل في ضرورة بذل كل الإمكانات من أجل توفير شروط الاستقرار الداخلي والتماسك المجتمعي، وتعزيز الثقة بالمستقبل لدى الجيل السوري الشاب الذي تُعقد عليه الآمال في ميدان إعادة الإعمار ببعديها الاجتماعي الإنساني، والعمراني المادي. وكل ذلك يستوجب الأمن المستدام، وتوفير الحد الأدنى المعقول من مقومات العيش الكريم للمواطنين، وتوفير فرص التعليم والعمل للشباب، وطمأنة سائر السوريين على مستوى الأفراد والجماعات، ضمن إطار وحدة الوطن والشعب، بعقود مكتوبة تبدد الهواجس، وإجراءات وخطوات عملية تترجم على الأرض لبناء الثقة وتعزيزها بين سائر المكونات المجتمعية السورية من جهة، وبينها وبين الإدارة السياسية الراهنة التي تقود البلد خلال المرحلة الانتقالية من جهة ثانية.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى