أيام في ظفار

محمود الرحبي

زار ابن بطوطة ظفار مرّتين في عهد الدولة الرسولية التي حكمت ذلك الإقليم في منتصف القرن الثامن الهجري، وترك تفاصيل مهمة ودقيقة، ما كنا لنعرفها لو لم يفد إلى المكان، من أهمها ذكره طبيعة الأطعمة والألبسة وأنواع البيوت، إلى جانب الأنشطة التجارية في ذلك الوقت. والسؤال: ما الذي جعل الرحالة الكبير لم يكتف بزيارة واحدة؟ لقد جذبته ظفار، ربما لأنها الأقرب إليه إلى المغرب، وهو عائدٌ في الرحلة الأولى من الصين، وفي الثانية من الهند. وقد ذكر ذلك التشابه بتفصيلٍ دقيق، ولم يكتف بالانطباع النفسي، بل أورد امثلة عديدة، حيث يقول في كتابه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”  إن “من الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم”، قبل أن يستطرد في ذكر تفاصيل هذا التشابه، كما عرف عنه أنه من أوائل من تحدّثوا عن عروبة البربر، تدلّل على هذا عبارته” قبائل صنهاجة من حمير”.
كثيرون زاروا ظفار مرّة أولى، ولم يكتفوا بها، بل منّى بعضهم النفس بزيارتها مرّات، كما سمعت الروائي واسيني الأعرج يكرّر لي هذا، بعد زيارة أولى له، وآخرون غيره، مثل الشاعر الذي جاء من مدينة وجده المغربية ومكث معلماً وقتاً، وحين غادر، كتب قصيدته “الخروج من ثمريت”، مشبهاً خروجه الحزين بما يشبه الخروج من الأندلس.
التنوع الحاصل في صلالة والجبال المحيطة بها تجعل الزائر يعشقها من أول نظرة، والجاذبية الحاصلة تبدأ من طيبة أهلها الواضح وتفاعلهم الإيجابي مع كل زائر، ثم هناك رحابة الطبيعة وشساعتها. زرتها أخيراً لإقامة ورشة للقصة القصيرة ثلاثة أيام. وحين تزور ظفار في شهر أكتوبر/ تشرين الثاني، تكون على مسافة من موسمها “خريف ظفار”، حيث تكتسي الطبيعة الجبلية بالبساط الأخضر، وتنتشر الأبقار والجمال التي تكون في أوج نشاطها من ازدراد العشب الذي سيتحوّل بعد ثلاثة أشهر إلى أرض جرداء. ولكن لكل موسم في ظفار طعمه وجاذبيته، حتى في غياب الخريف، وحلول الفصل الذي يسمّى “الصرب”. ويصلح هذا الموسم كثيراً للعزلة، حيث تكون الأماكن السكنية متوفرة والشوارع خاوية إلا من سكّانها، بعد زحمة شديدة شهدها فصل الخريف. كما أن ظفار تتميّز بشوارعها العريضة الواسعة، بعد أن أولتها الحكومة عناية ملحوظة، إلى جانب تمتعها بالمرافق المتنوعة والمتنزهات والشواطئ. وفي كل زيارة يمكنك أن تكتشف جديداً في سياق الجذب السياحي. وفي هذا الفصل تكون خيارات السكن شبه مفتوحة، وبأسعار تنافسية، قياساً بموسم الخريف الذي تكون الزحمة فيه على أشدّها.
يولي الصديق محمد الشحري، وهو مثقف وصاحب مؤلفات روائية وبحثية، أصدر أخيراً ( 2026) كتابه “ظفار الإنسان والرمز”، اهتماماً ملحوظاً بمحافظته، حين يقترح على وزارة الثقافة بعض الفعاليات، وإن يحتاج تنفيذ مثل هذه المشاريع الثقافية إلى موازنة ومهرجان سنوي ثقافي، ليس بالضرورة أن يرتبط بموسم الخريف المزدحم، إنما حتى موسم “الصرب”، تكون فيه الظروف مواتية. يقوم أيضاً محمّد بجولات شخصية لضيوفه تشمل مرافق متعدّدة من محافظة ظفار، مثل المقاهي المعلقة في الجبال. ومن هناك تقترب الأبقار والجمال من أطراف المقهى، وهي تبحث عن الكلأ بطريقة مسالمة وبطيئة.
كان الحضور إلى الورشة متنوعاً، ومن مختلف الأعمار، وكان ضمنهم نادر البحريني الذي جاء خصيصاً، وقد غادر إلى بلاده في نهاية الفعالية. كما كان الحضور متحمّساً لمحاولة الكتابة. وقراءة ما كتبوه، مع احتمال أن تجمع لاحقاً في كتاب. وكانت من أطرف المحاولات القصصية التي قرأها الستيني سعيد الراشدي”، وهو نجل أحد الذين رافقوا الرحالة الإنكليزي ألفرد ثيسجر صاحب كتاب “الرمال العربية” في عبور الربع الخالي مرتين. وكانت قصته تنطلق من البئية الظفارية الجبلية الرعوية والزراعية، حين زار رجل مجموعة من الناس منشغلين بأبقارهم وجمالهم، وحين تحمّسوا لضيافته، وقد قرّبوا منه وعاء فيه الحليب الطازج، عطس عطسة قوية تشبه الصرخة، جفلت على إثرها الدواب، وسكبت إناء اللبن في الأرض. قال لهم” حصل خير”، وانسحب من دون أن يتذوق شيئاً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى