عطبٌ في فرنسا

سمر يزبك

في مظاهرة باريس أخيراً، حضرت امرأة مع ابنتها الشابة للاحتجاج على تردّي أوضاع المدارس وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة. بحسب تقرير لـ”أسوشييتد برس”، كانت الأم قد شاركت في احتجاجات السترات الصفراء أيضاً. أن تعود امرأة إلى التظاهر بعد ثماني سنوات، وهذه المرّة إلى جوار ابنتها، يدلّ على عطبٍ ما. لا نعرف ماذا قالتا لبعضهما في الطريق. يكفي أن الابنة بلغت سنّ الاحتجاج خلال هذه السنوات، وصارت تطالب ببعض ما كانت أمّها تطالب به حين كانت الابنة طفلة. ثماني سنوات تتّسع لكثير من الانتظار في حياة إنسان. وقد مرّ خلالها على الفرنسيين، وعلى البشرية معهم، وباء أغلق الحياة تماماً، ثم جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا لتزيد اضطراب أسعار الغذاء والطاقة، وتوالت على الشاشات صور الإبادة في غزّة، وصولاً إلى حرب هرمز وما سبّبته من أضرار اقتصادية على كل العالم. دخلت هذه الوقائع البيوت بدرجاتٍ متفاوتة. وهناك أطفال كبروا في أثنائها، وتكوّنت معرفتهم الأولى بالعالم وهم يسمعون الكبار كل مرة يتحدّثون عن خطر جديد.
ثمّة شيء محيّر في عبارة “ما بعد كورونا”. توحي بأننا عبرنا حدثاً وانتهى، وقد عادت بالفعل تفاصيل كثيرة من الحياة اليومية، لكن الأمل الذي رافق الخروج من الوباء في أن تصبح الحياة أكثر استجابةً لحاجات الناس، أخذ يتبدّد. ولعلّ ما يرهق في هذا كلّه أن الإنسان مطالبٌ في كلّ مرّة بإعادة ترتيب نفسه، وتعلّم التكيّف، وإيجاد سبيل لتدبير حياته ضمن الشروط الجديدة. لسنا نتكلّم عن العالم الثالث هنا. نحن في قلب أوروبا الغربية، في قلب العالم الصناعي الحديث، حيث اعتقد كثيرون أنهم باتوا في مأمنٍ من الفقر والحرب، وأن الأثمان الباهظة التي دفعتها الأجيال السابقة أمّنت إلى الأجيال اللاحقة قدراً من الأمان. لهذا يستوقفني مشهد الأمّ وابنتها. ثمّة مرارةٌ في اضطرار الجيل التالي لخوض المعركة نفسها. ولا تكفي الأوبئة والحروب لتفسير ما يجري، فالسياسات النيوليبرالية أسهمت في إضعاف الحماية الاجتماعية التي أتاحت للفرنسيين قدراً من الأمان، حين جعلت خفض الإنفاق العام ومرونة سوق العمل أولويّتين تتحمّل الخدمات العامة والأجور وشروط العمل كلفتهما. ومع تراجع قدرة هذه الخدمات على تلبية حاجات الناس، انتقل جانبٌ متزايدٌ من أعباء التعليم والصحة والرعاية إلى الأفراد، وصار أمنهم مرتبطاً أكثر بقدرتهم على الدفع. وفي هذا التحوّل يتغيّر معنى المواطنة نفسه.
في الوقت نفسه، تتخذ الإبادة المستمرّة في غزّة وجهاً أشدّ قسوة. ومع استمرار مشاهد التدمير والتهجير وقتل الأطفال والنساء، بالتزامن مع تصريحاتٍ رسمية، متكرّرة إلى درجة تثير الإقياء، عن القانون الدولي وحقوق الإنسان. يزداد غضب الشباب في كل مكان، ويتعاظم شعورهم بأنّ القوى التي تتحكّم بحياتهم هي نفسها التي أتاحت ما جرى في غزّة ووفّرت له أسباب الاستمرار. صحيحٌ أنهم لا يرون بوضوح كيف تُتّخذ القرارات، ولا أين تتداخل المصالح، لكنّهم يشعرون بأنّ مستقبلهم يقع في أيدي من ارتكب الإبادة أو وفّر لها عوامل الاستمرار. بهذا المعنى، تدخل غزّة في عوامل الغضب وتعمّق فقدان الثقة بالعالم الذي يتظاهر ضده هؤلاء الشباب.
في المظاهرات، أُحرقت سيارات ونُهبت متاجر في باريس، واستخدمت الشرطة الغاز المسيّل للدموع وخراطيم المياه خلال المواجهات. يقلقني أن تستولي صور الحرائق على الحكاية، فيغيب عنها ما أخرج الناس أصلاً، والغضب مهما اتّسع لا يحمل في ذاته ضمانةً لإصلاح العالم.
أفكّر في الأمّ وابنتها وسط أخبار كهذه، ولا أعرف إن كانتا قريبتين من المواجهات. يستوقفني مشهدهما، لأنّ كثيرين في بلادنا يعرفون ما يعنيه أن يكبر الأبناء وتبقى أسباب الخوف على حالها، وأن يقضي الإنسان سنواتٍ وهو يعد أسرته بأنّ الأحوال ستتحسّن، ثمّ يجد أبناءه مشغولين بالنجاة مثله. كانت أوروبا، بالنسبة إلى بعض الهاربين من جحيم الاستبداد والفقر في العالم، المكان الذي يمكن أن تبدأ فيه حياة أكثر استقراراً، ويطمئنّ فيه الأهل إلى مستقبل أطفالهم. لكن الأزمات تلاحقت منذ الوباء. ثمّ جاءت الإبادة في غزّة لتجعل السؤال عن هذا المستقبل أشدّ إلحاحاً لدى من ظنّوا أنّ منظومة حماية حقوق الإنسان صارت ضمانةً يمكن الاستناد إليها. يصعب على من يرى ما يحدُث هناك أن يطمئنّ إلى مستقبل أبنائه لمجرّد أنّهم يعيشون بعيداً عن الحرب.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى