لبنان أمام تحولات إقليمية: من يعيد رسم خريطة الجنوب؟

  غادة حلاوي

لم تعد الحركة الدولية حول الجنوب محصورة بوقف إطلاق النار. بات واقع الجنوب بالغ التعقيد والتشعّب: مستقبل الانسحاب الإسرائيلي، ودور الجيش اللبناني، والوجود الدولي البديل لليونيفيل، وإعادة الإعمار، كلها عناصر باتت محصورة في نقاش واحد: كيف يُعاد ترتيب الجنوب؟ وتحت أي إشراف؟ وما هو دور الدولة اللبنانية والجيش؟ وأي واقع يُراد للجنوب؟

يتزايد الاهتمام الدولي واللبناني بالجيش باعتباره المؤسسة التي يُفترض أن تتولى الأمن على الأرض. غير أن محاولات دعم الجيش تصطدم بتشكيك إسرائيلي وأميركي، بحيث يُربط هذا الدعم بقدرته على سحب سلاح حزب الله، ولو بالقوة.

الجيش نفسه مستعد لتولي مهامه على امتداد الجنوب، لولا ما تعتبره أوساط لبنانية تماهياً من السلطة السياسية مع المطالب الأميركية، بحيث يُطلب منه تارةً الانكفاء، وطوراً عدم التفاوض بالشكل الذي يحفظ لبنان ويحمي سيادته.

وتقول مصادر لبنانية إن تجربة الجيش في جنوب الليطاني، وفي المنصوري وصولاً إلى دير ميماس، تركت أثراً عميقاً فيه، وإن تداعياتها كانت من الأسباب التي حالت دون تسلّمه تلة علي الطاهر. والسؤال هنا: كيف يمكن ألا تتكرر المأساة وتستمر فصولاً؟

بدا واضحاً الانتقال في موضوع الجنوب من الكلام عن «منع الحرب» إلى البحث في “مَن يدير الجنوب بعد الحرب؟” هنا يصبح موضوع السلاح والسيادة جزءاً من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع. ولذلك يكتسب موضوع القوة الدولية التي ستخلف اليونيفيل أهمية بالغة، من وجهة نظر محلية ودولية.

وتفتح مرحلة ما بعد اليونيفيل سؤالاً أكبر عن القوى البديلة والدور المنوط بها، في ظل مسعى أميركي لعدم وجود أي قوة تتمتع بحماية أممية. وتقول قراءة مطروحة إن واشنطن تريد رفع ما يصدر عن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة، في مرحلة لاحقة، إلى مجلس الأمن، بحيث يتحول أي اتفاق إلى صيغة قرار دولي، بما يعيد رسم الإطار القانوني والسياسي للعلاقة مع لبنان.

وكان السفير الأميركي توم باراك قد عبّر عن مقاربة تقوم على أن عدداً من التفاهمات والقرارات السابقة، ومنها اتفاقية الهدنة، بات من الماضي، في إشارة إلى الرغبة في التعامل مع الواقع الجديد من خلال ترتيبات مختلفة.

ولا يعني انتهاء مهمة اليونيفيل بصيغتها الحالية انسحاب الاهتمام الدولي بالجنوب. بل إن البحث عن صيغة بديلة أو انتقالية يعني أن الفراغ ليس خياراً مطروحاً ولن يكون مقبولاً، خصوصاً من الجانب اللبناني.

وأمام الخلاف القائم بين دول أوروبا والولايات المتحدة حول البديل، ليس معروفاً بعد كيف سيكون شكل الحضور الدولي، وما حجم دور الجيش اللبناني. وهل سيسمح له بتسلّم زمام الوضع، أم سيكون مجرد مرافق لأي قوة دولية؟

خرج وضع الجنوب من الحيّز اللبناني، وبات لبنان بأسره معلّقاً على حبل مفاوضات متعثرة ووضع داخلي هش. وقد طرح أوراقه على طاولة التفاوض مع إسرائيل دفعة واحدة، حتى فقد جزءاً من هامش المناورة. كما أن التسرع في اتفاق الإطار وضعه أمام مأزق نتيجة خروج إسرائيل عن الاتفاق، وفق القراءة اللبنانية للمسار.

ويشعر المتحمسون للمفاوضات بخيبة أمل من واشنطن، على خلفية ما يعتبرونه تراجعاً عما تم الاتفاق عليه بشأن إسرائيل والوضع في الجنوب. وبات الرهان، وفق مصادر دبلوماسية، على ما قد تفرزه الانتخابات الإسرائيلية.

وتضيف هذه المصادر أن حل الوضع في جنوب لبنان يحتاج إلى وقت طويل واتفاقات معقدة، وأن إسرائيل قد لا تكتفي بما تقوم به طالما لا تجد من يتصدى لاعتداءاتها.

وفي موازاة هذا المسار، يفتح لبنان، الغارق في همومه الداخلية، أبوابه أمام عودة دمشق إلى المشهد الاقتصادي. فانعقد المنتدى اللبناني ـ السوري للاستثمار في لحظة مختلفة عن السنوات السابقة، فيما تغيّرت لغة العلاقة من الأمن والسياسة إلى الاستثمار والتجارة والطاقة والنقل وإعادة الإعمار.

سوريا لا تعود فقط ملفاً أمنياً أو سياسياً بالنسبة إلى لبنان، بل يمكن أن تصبح مجدداً جزءاً من المعادلة الاقتصادية. ولكن أي علاقة مع سوريا؟

لا عودة إلى علاقة الوصاية السابقة، ولا يفترض أن تعني السيادة السياسية قطيعة اقتصادية. المعادلة التي بدأت تفرض نفسها في العلاقة بين لبنان وسوريا هي: دولتان مستقلتان، ومصالح اقتصادية مشتركة.

موقع لبنان بين المتوسط وسوريا والعالم العربي يمكن أن يكون عاملاً اقتصادياً أساسياً: المرفأ، والترانزيت، والطاقة، والتجارة، والخدمات، وإعادة الإعمار.

لكن تحويل هذا الموقع إلى فرصة يحتاج إلى استقرار أمني، وسياسة خارجية واضحة، وقرار اقتصادي.

وما يجمع بين ملف الجنوب والعلاقة مع سوريا هو أن كليهما يضع لبنان أمام إعادة تعريف لموقعه: الجنوب يحتاج إلى تسوية أمنية وسياسية، فيما تحتاج سوريا إلى انفتاح اقتصادي، ولبنان يحتاج إلى تحديد مصالحه في الحالتين.

المطلوب في الجنوب تثبيت الدولة والاستقرار، والمطلوب مع سوريا إعادة تنظيم المصالح، والمطلوب مع المجتمع الدولي استعادة الثقة.

اعتاد لبنان أن يكون ساحة لتناقضات المنطقة، لكن تظهر اليوم فرصة مختلفة: أن يتحول من ساحة صراع إلى مساحة اتصال.

غير أن هذا التحول ليس تلقائياً؛ يحتاج إلى قرار لبناني.وهنا يكمن السؤال السياسي الحقيقي: ماذا يريد لبنان من المرحلة الجديدة؟ ماذا يريد من سوريا، وماذا يريد من الغرب؟

المنطقة تتحرك بسرعة: الجنوب يبحث عن ترتيبه الجديد، وسوريا تعيد فتح أبوابها، والممرات الاقتصادية تُرسم من جديد. لكن ماذا يتغيّر فعلاً في لبنان؟ هل نحن أمام تطورات منفصلة، أم أمام ملامح مرحلة جديدة؟

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى