في مقاربة الموقف التونسي من الصراع الحوثي السعودي

سالم لبيض

دانت وزارة الخارجية التونسية، في بلاغ (بيان) مقتضب، بشدّة “الهجمات الآثمة التي استهدفت عددا من المدن بالمملكة العربية السعودية الشقيقة”، واعتبرتها تمثّل “تهديدا لأمن المملكة واستقرارها وانتهاكا صارخا لسيادتها وسلامة أراضيها”، وجاء في البلاغ: “تُعرب تونس عن تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، وتؤكد دعمها لكل ما من شأنه أن يصون أمنها واستقرارها ويحفظ حرية وأمن الملاحة البحرية”.

لم يذكر البلاغ الجهة المعتدية، وتجنّب، بصفة مقصودة، الإشارة إلى الطرف اليمني المكنّى في أغلب وسائل الإعلام العربية والعالمية بـ”الحوثي”، وتحميله بصفة مباشرة مسؤولية ما يجري من معارك طاحنة تجلّى تأثيرها المباشر في استهداف منشآت إنتاج النفط، عصب الاقتصاد السعودي، وفي سيطرة حكومة صنعاء على مضيق باب المندب الاستراتيجي وضم أكثر من 5000 كم² من الأراضي كانت تتبع الحكومة المدعومة من الرياض.

يندرج هذا الصنف من البيانات ضمن ما يمكن تسميتها بيانات الضرورة وسدّ الذرائع والبحث عن الإرضاء، فتونس ليست قوّة عسكرية أو اقتصادية حتى تسند السعودية في حربها، ولا تملك وسائل الإسناد الاقتصادي، بل هي من يحتاج الدعم السعودي في ظلّ الأزمة الاقتصادية والمالية المزمنة والخانقة التي تعيشها، ولا تستطيع لعب دور دولي يمكنها من حشد الدعم الدبلوماسي لتحقيق “دعوتها إلى تغليب الحوار والحلول السلمية”، بسبب ما تعيشه الدبلوماسية التونسية من انكماش، وما تعرفه السياسة الخارجية من انغلاق وضمور والاكتفاء بتسجيل المواقف من هذه القضية أو تلك.

لا يمكن فهم تجاهل بيان وزارة الخارجية الإشارة إلى الطرف المعتدي على السعودية خارج آليات صناعة السياسة الخارجية التونسية وتحديد ملامحها، واتخاذ القرارات الملائمة لها، من الرئيس قيّس سعيّد، انطلاقاً من الصلاحيات الممنوحة له في دستور 2022، وقد حددها الفصل عدد 100: “رئيس الجمهورية يضبط السياسة العامة للدولة ويحدّد اختياراتها الرئيسية”، وجعل الأمر 1242 لسنة 1984 من مهام وزارة الشؤون الخارجية “إعداد وتنفيذ السياسة الخارجية للدولة، طبقا للتوجيهات والاختيارات التي يحدّدها رئيس الجمهورية”.

وبناء على النصوص الدستورية والإجرائية الجاري بها العمل في تونس، لا يمكن لوزارة الخارجية أن تصدر بياناتها بما تتضمّنه من مواقف وخلفيات واختيار دقيق للجمل والمصطلحات والألفاظ بعيداً عن توصيات صاحب القرار النهائي في قصر قرطاج وخياراته، وهي اتجاهات لا تملك المؤسسة الدبلوماسية التونسية سوى الالتزام بها.

يستبطن الموقف الرسمي التونسي خشية من تصنيف تونس ضمن المعسكر والمجال الجغرافي السياسي الإيرانيين

والتذكير هنا بمرجعية السياسة الخارجية التونسية الدستورية والقانونية، وبالموقف من الصراع اليمني (الحوثي) السعودي، مردّه وصف بيان وزارة الخارجية بالهزيل والمتعارض مع مبادئ السيادة والإرادة الشعبية والدفاع عن القضايا العادلة من مجموعات سياسية، لها انتماءات قومية عربية وأخرى يسارية وثالثة تنتسب إلى تيار أوفياء الرئيس وأبناء مساره ومشروعه. وهي مجموعات داعمة للرئيس التونسي ومدافعة عن خياراته وأولوياته ومتيّمة بمواقفه وخطاباته وما يرفعه من شعارات تحرّرية مناوئة للقوى الاستعمارية وللتدخل الخارجي في الشأن الداخلي للدول والمجتمعات، نافية عنه الوقوع في الخطيئة السياسية وقصور الفهم الاستراتيجي.

ترى هذه المجموعات أن من الأجدر أن يكون الموقف الرسمي التونسي مسانداً الطرف اليمني- الحوثي، بدلاً من دعم المملكة ومساندتها، مبرّرة هذا بوقوف “أنصار الله” اليمنيين إلى جانب غزّة وحركاتها للمقاومة الوطنية والإسلامية وخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي في معركة 7 أكتوبر (2023)، وإمطار الكيان الصهيوني بالمسيّرات والصواريخ. وبسبب اتخاذ أنصار الله الحوثيين الموقف نفسه إبان الحرب الصهيونية – الأميركية ضدّ إيران، في جولتيها، في العامين الماضي والحالي، والذي حظي بتعاطف شعبي تونسي واسع، سواء في الجولة الأولى أو الثانية. وتعتقد هذه المجموعات أن مساندة أنصار الله الحوثيين في معركتهم ضدّ الحكومة اليمنية في عدن ومن ورائها القوات المسلّحة السعودية لها أرضية شعبية واسعة ودعم كبير من المجتمع السياسي بأحزابه ونقاباته ومختلف جمعيات المجتمع المدني، وهو ما لا يمتلكه الموقف الرسمي المعبّر عنه في بلاغ وزارة الخارجية التونسية.

لم يسارع الرئيس سعيّد هذه المرّة إلى الاستجابة إلى نبض الشارع وتأثير مسانديه من الأحزاب السياسية المؤيدة له ومن غير المنتمين إلى تلك الأحزاب، وتبني موقف مساند للحوثيين، كما تعوّد سابقاً حين ناصر فلسطين ورفع شعار “التطبيع خيانة عظمى”، والوقوف إلى جانب غزّة وشعبها والتنديد بحرب الإبادة التي شنتها عليها الدولة الصهيونية، والدعوة إلى تحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر وعاصمتها القدس الشريف، فهو يدرك أن الثمن سيكون باهظا.

أدرك سعيّد، بعد سنتين من الحكم المقيّد وخمس من السلطة المطلقة، أن الدول لا تدار بالشعارات، والمصالح لا تؤمّن بالعواطف

يستبطن الموقف الرسمي التونسي خشية من تصنيف تونس ضمن المعسكر والمجال الجغرافي السياسي الإيرانيين، وهو تصنيف يسعى أعضاء من الكونغرس الأميركي ومراكز بحوث استراتيجية أميركية إلى ترسيخه، وكل مساندة للطرف اليمني-الحوثي ستغذي تلك الفكرة، ما لا يخدم سلطة قيّس سعيّد ويهدد شرعيته، دوليا، واستمراريته في الحكم.

لقد أدرك سعيّد، بعد سنتين من الحكم المقيّد وخمس من السلطة المطلقة، أن الدول لا تدار بالشعارات، والمصالح لا تؤمّن بالعواطف، فبعد أن كان يصرّح سنة 2018، قبل توليه الحكم بسنة، معلقا على زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، تونس “ما دام الشعب التونسي الحر يرفض زيارة بن سلمان لتونس، فعلى الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي أن ينصت لشعبه قبل أن يفتح ذراعيه من أجل مصالح ظرفية”، وهو موقف قابلته الرياض بالترحيب بإجراءات 25 يوليو (2021)، ها هو اليوم يدعو إلى نصرة المملكة بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان نفسه.

لعلّ الرئيس سعيّد بتحوّل موقفه، من اعتماد الشعارات مرجعاً في تحديد طبيعة العلاقات الخارجية إلى الاستجابة لإكراهات المصالح والروابط التاريخية، قد فهم، بعد طول أمد، أن مصالح الجمهورية التونسية مع السعودية ليست “ظرفية”، وروابط البلدين عريقة، فتونس على مدى قرون طويلة كانت تخص الحرمين الشريفين بأوقاف خاصة وتدفع مداخيل تلك الأوقاف سنويا نقداً. ومنذ 1956، وبعد التبادل الدبلوماسي، والانتماء المشترك إلى جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وتبادل الزيارات الرسمية بمناسبة أو بدونها، والمشاركة المشتركة في القمم العربية والإسلامية والدولية وتنسيق المواقف والتحاق تونس سنة 2015 بالتحالف العسكري الإسلامي ضدّ الإرهاب الذي تقوده المملكة، تم توقيع عدّة اتفاقيات بين البلدين، بموجبها مُنحت تونس عدّة قروض وهبات وودائع سعودية وتمويل مشاريع مهمة في تونس، منها مستشفى الملك سلمان وترميم جامع عقبة بن نافع وفسقية الأغالبة بالقيروان.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى