
يبدو أن الثورة السورية منحت السوريين وعياً جديداً تجاه العلاقة بين المواطن والسلطة.. وخصوصاً لدى مرور شبابها بمفاصل أساسية، تعترض شؤون بلادهم، فقد تجدّد “الحراك الوطني” لدى نزول الشباب السوري ثانية بزخم قوي إلى شوارع كبريات المدن السورية، وبدفع مباشر جرَّاء رَفْعِ الحكومة أسعار الوقود، ما يمكن اعتبار نزول الشباب وعياً جدّياً مكتسباً من التجربة الثورية للسوريين الذين أسقطوا أعتى ديكتاتورية مرَّت في تاريخ سورية الحديث.
تجدُّد نزول الشباب إلى الشارع السوري، وبالزخم الذي جاء عليه، في ردَّة فعل قوية ومباشرة، يوحي بتجدّد الروح الكفاحية لدى الشعب، وبواقعية مطالبه، ومشروعيتها، بالإضافة طبعاً إلى وعي السوريين المكتسب من خلال ثورتهم، ومن طموحهم إلى بناء دولة مدنية تسمح بتداول السلطة سلميّاً.
كما يعود نزول السوريين ثانية إلى الشارع، في أسبابه الرئيسة، إلى الوضع المعيشي السيئ، إذ وصل إلى حال لا يستطيع الشعب السوري احتمالها، فيكفيه ما ذاقه من مرارة العيش، خلال 15 سنة، عانى فيها الفقد والخوف وقسوة التشرد في بلاد الله الواسعة. وقد لا يوجد اليوم بؤرة ضوء توحي بإمكانية تحسّن أوضاع الناس المعيشية، فها هي الأسعار ترتفع بادئة بالوقود الذي اعتاد السوريون على أن الغلاء الشامل يبدأ برفع سعره، وعندئذ تمرُّ موجاته العاتية على معظم السلع الاستهلاكية، في وقت تنحدر فيه أحوال الشعب المعيشية نحو هاوية لا قاع لها ولا مستقرَّ.
ولعلَّ الحراك من هذه الناحية يتكشّف عن جديَّة، فأسبابه موجبة، وموجعة في آن! وقد غدت على ألسنة الناس في الشارع السوري، إذ هي تحمِّل المواطن أعباء أكثر ثقْلاً.. ناهيك عن مرور زمن، غير قليل، على وجود الحكم الجديد الذي بلغ 22 شهراً تامة، لم ير السوريون خلالها ما يوازي ما قدموه من تضحيات من أجل عيش كريم للشعب.. وعلى عكس ما يتوقع السوريون من إجراء تحسُّنٍ يطرأ على أحوال الناس المعيشية. وبدلاً من أن يبحث النظام الجديد عن حلول آمنة لا ترهق كاهل المواطن، تأتي الزيادة على أسعار المحروقات لتزيد في ثقل أعباء السوريين أكثر مما هي عليه في الواقع.
اندفاعة الشباب المفاجئة، جاءت ردة فعل مضاعفة، ولعلها تترجمُ لسان حال الناس، فتقول لقد أسقطت الثورة السورية النظام السابق دفاعاً عن الحرية والكرامة، وإن أبسط شروط الحرية أن يعيش المواطن بكرامة، فمن أين تأتي الكرامة إذا كانت الأسعار تكوي روح المواطن، ترافقها نسبة بطالة تتجاوز حدود 13.6% بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، ما يعني أن عدد العاطلين عن العمل في سورية ما يعادل نحو مليون إنسان من بين القوى العاملة، ذلك بالإضافة إلى أن رفع أسعار الوقود سيجر خلفه، خلال أيام فقط، ارتفاعاً في بقية المواد الاستهلاكية التي تلامس حياة الناس الذين يعيشون، في الأساس، على الكفاف.
السوريون الذين تخلَّصوا من الاستبداد كانوا، في الجوهر، يحلمون بعيش أفضل، وحياة أهنأ، فجاءتهم الزيادة صفعة لهم ولأسرهم
وما يزيد المشكلة حدّة أن المواطنين الذين تخلَّصوا من الاستبداد كانوا، في الجوهر، يحلمون بعيش أفضل، وحياة أهنأ، فجاءتهم الزيادة صفعة لهم ولأسرهم.. وعلى عكس ما كانوا يتوقعون من إيجاد حلول لمشكلات كثيرة عالقة، أهمها ما يتعلق بالحياة المعيشية. وكان الأولى بالحكومة، التي تعرف جيداً مستوى معيشة السوريين الذي انحدروا إليه، أن تنظر إلى حال عموم الناس، وأخذ رأيهم في قرار رفع سعر المحروقات الذي يمسّ حياة الناس اليومية مباشرة.. قرار له حساسيته الخاصة، وله تأثيره العميق في حياتهم عموماً، خصوصاً أنه يأتي في وقت لم يُظهر الحكم الجديد فيه تميُّزاً ولا قدرة على جذب الناس إلى جانبه.
وتؤثر في الحراك الذي استجدّ أخيراً أحزاب وتجمعات سياسية حديثة التكوين، بعضها مرخّص، وبعضها يعمل على استكمال شروط ترخيصه، والإعلان عن نفسه، بالإضافة إلى أن هناك مَن يسعى إلى تشكيل تيارات سياسية جديدة، مثل “تيار سورية الجديدة”، كما جرى الإعلان عن “تيار المستقبل السوري” الذي ذكرت قيادته أنَّه قد ينتقل إلى معارضة وطنية، “سلمية ومنظمة” إذا استمرّت الهوة في الاتساع بين النظام الجديد وجمهور الشعب.. ما يشير إلى أنَّ ثمة نقاشات وحوارات لا تهتم بالاحتجاج وحده، بل تسعى نحو حياة سياسية أكثر رحابة. ومن هنا، ثمة ضرورة لإصدار تشريعات ترسم خطوطاً عامة لملامح المرحلة السياسية التي قد تجيء. وإذا ما كان فيها سماح لعموم الشعب بأن يشارك فيها.
يؤكّد كل ما تقدم أن السوريين ما زالوا يحلمون بمرحلة جديدة، تعيد ما اختطفه حزب البعث بتفرده بالسلطة، واعتدائه على الديمقراطية السياسية التي كانت قد عرفتها سورية في بعض مراحل تاريخها الحديث. ويبدو أن الحراك الجديد امتداد للثورة التي لم تنتهِ، ولم تحقق أهدافها كاملة، وهو إن استطاع جمع قواه، وجعلها قوة وطنية تعمل وفق قوانين تخص العمل السياسي السلمي وتتخذ منه نهجاً دائماً، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع برامج تتسم بالوضوح، وتهتم بالسياسة والاقتصاد والمجتمع، وتتقدم ببرامج واضحة ومقنعة.. وتمتع بالواقعية السياسية، سيطمئن الشعب، وخصوصاً إذا ما شاهد أمامه رسماً لملامح دولة يسودها القانون، وتسري في شرايينها روح المواطنة المتساوية، وتقودها إدارة فاعلة تسعى إلى بناء اقتصاد وطني يخفف عن الناس أوجاعها التي تزداد يوماً بعد يوم. وهذا ما لم تبدأ به الحكومة القائمة.
تنحصر مطالب السوريين اليوم في الأمور المعيشية، وهي، في الحقيقة، الأكثر وجعاً في حياة الناس
أما إذا ظلَّ الحراك يدور حول ردات فعل، ويعتاش على أزمات، قد تأتي لهذا السبب أو ذاك، وما أكثرها في الأحوال السورية، فقد يظل الحراك في الشارع، لكنه لن يتحوَّل إلى عامل مؤثر، ولن يتمكّن من الوصول إلى رأس الدولة، فالحراك العفوي يستطيع تقديم مطالب الشعب، ولكنه يعجز عن تلبيتها نتيجة غياب قوة التنظيم وعدم وجود أطر مدنية، وتنظيمات سياسيَّة تمكّن الحراك من الاستمرار.
ويبقى السؤال الأهم: هل يُتاح أمام الحراك السياسي السوري الجديد أن يساهم في صياغة أفق سياسي للدولة التي يتطلّع إليها الشعب، وتستحقها سورية، بعد أن صادرها الحكم السابق ستة عقود ونيّف، فهل تسمح الإدارة السورية الجديدة المحكومة بتنظيم معيَّن، وأفق سياسي محكوم بفكر تتبناه، بأن تنزل عند إرادة الشعب، وأن تلبي حاجاته الضرورية.
أخيراً يمكن القول: تنحصر مطالب السوريين اليوم في الأمور المعيشية، وهي، في الحقيقة، الأكثر وجعاً في حياة الناس. ولا أحد يستطيع تبرير ضيق الأحوال المعيشية بما يقنع، فالشارع ممتلئ بقصص وحكايا عن مظالم، وتجاوزات تجري في وقت لا يريد أحد فيه أن يترحم على ما مضى، ولا أحد راغب في النظر إلى الوراء، فهل يستطيع الحراك أن ينتقل من ردات الفعل إلى الفعل السياسي المنظم؟ الكل يرجو هذا، إذ يحدّد الجواب عن السؤال فعلاً آفاق الاحتجاج.
المصدر: العربي الجديد






