
يبدو أنّ الاستشراق، بمعناه التقليدي، وبالأسماء الكُبرى التي صنعت حضوره الأكاديمي، أخذ يتآكل بهدوء عاماً بعد عام. فمع رحيل جيل من الباحثين والمُستشرقين الذين تركوا أثراً واضحاً في الجامعات ومراكز البحث في أوروبا والولايات المتحدة، تنحسر تدريجيّاً مدرسة معرفية كاملة عرفنا بعض رموزها عن قرب، سواء على مقاعد الدراسة، أو من خلال قراءة أعمالهم وأبحاثهم بصورة مُعمّقة خلال مرحلتي الماجستير والدكتوراه.
خلال هذا العام وحده، رحل جون ل. إسبوزيتو (John L. Esposito)، أحد أبرز أساتذة الدراسات الإسلامية والدين والشؤون الدولية في جامعة جورجتاون، وقد سبقه بابر يوهانسن (Baber Johansen)، الباحث الألماني البارز في الفقه والشريعة الإسلامية والأستاذ الفخري للدراسات الإسلامية في جامعة هارفارد. وبرحيلهما، يغيب اسمان من جيل أكاديمي كرّس عقوداً لفهم الإسلام ومجتمعاته من داخل النصّ والتاريخ والتحوّلات الاجتماعية.
كانت تلك المدرسة تنظر إلى الشرق والإسلام والعالم العربي بوصفها عوالم معرفية مُتداخلة، لا يمكن فهمها من خلال السياسة وحدها، بل عبر إتقان اللغة، والعودة إلى المخطوطات والمصادر الأصلية، والإحاطة بالتاريخ والأديان والثقافات، وقضاء سنوات طويلة في دراسة المُجتمعات من داخل نصوصها وذاكرتها وتحوّلاتها. ومع غياب ذلك الجيل، لا نفقد أسماءً بارزة فحسب، بل يبهت أيضاً نمط كامل من المعرفة كان يقوم على التراكم والصبر والاقتراب العميق من موضوعه.
ليس المقصود أنّ الاهتمام الغربي بالإسلام أو الشرق الأوسط قد انتهى؛ بل ربّما أصبح اليوم أكثر كثافة واتساعاً من أيّ وقت مضى. لكن طبيعة المعرفة نفسها تغيّرت. فالمستشرق الموسوعي الذي كان يجمع بين اللغة والتاريخ والفيلولوجيا والأديان والأدب أخذ يتراجع لمصلحة الباحث المُتخصّص في ملفات أكثر ضيقاً؛ الإسلام السياسي، والحركات الاجتماعية، والإرهاب، والطاقة، والهجرة، والأمن، والسياسة الخارجية. وبذلك لم يتراجع الاهتمام بالشرق بقدر ما تتغيّر الطريقة التي يُقرأ بها.
يقتضي الإنصاف الاعتراف بأنّ بين المستشرقين أيضاً من دَرَس الإسلام والعربية وتاريخ المنطقة بجدّية ودقة استثنائيتين
ومع هذا التحوّل، يبرز سؤال يَستحق التوقّف عنده: ماذا نفقد برحيل المُستشرق التقليدي؟ لقد حمل الاستشراق إرثاً إشكاليّاً لا يمكن تجاهله؛ فقد اختلطت المعرفة فيه أحياناً بالقوّة، والبحث بالإمبراطورية، والفهم بالرغبة في التصنيف والسيطرة.
ولكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنّ بين المستشرقين أيضاً من دَرَس الإسلام والعربية وتاريخ المنطقة بجدّية ودقة استثنائيتين، وأمضى عمراً كاملاً في تحقيق نصّ أو دراسة حقبة أو تعلّم لغة. ومن غولدتسيهر وفلهاوزن إلى بلاشير وغيرهم، نجدُ أعمالًا يمكن الاختلاف معها ونقد فرضياتها، ويصعب إنكار أثرها في تشكيل الدراسات التاريخية العربية والإسلامية الحديثة.
لذلك، ينبغي ألا يدفعنا رحيل الاستشراق القديم إلى الاحتفال بنهاية “عين الغرب” على الشرق، بقدر ما ينبغي أن يدفعنا إلى سؤال أكثر إزعاجاً: هل نجحنا، ونحن نشهد أفول ذلك الجيل، في بناء معرفة عربية وإسلامية حديثة قادرة على أن تحلّ محلّ ما ننتقده، أم أنّنا اكتفينا بنقد من كتب عنّا من دون أن نمتلك الشجاعة والمنهج لإعادة كتابة أنفسنا؟… ليس من الإنصاف الفكري أن نضع الاستشراق كلّه في قفص اتهام واحد، وليس من الحكمة أن نتعامل معه بوصفه معرفة بريئة نشأت خارج علاقات القوّة والسياسة والاستعمار. كان، في جانب منه، ابناً للحظة التوسّع الأوروبي. ولم يكن إنتاج المعرفة عن الشرق مُنفصلاً دائماً عن الحاجة إلى السيطرة عليه. فالإمبراطوريات احتاجت إلى معرفة المجتمعات التي دخلتها، وفهم لغاتها وأديانها وتركيباتها الاجتماعية، لأنّ المعرفة كانت، ولا تزال، إحدى أدوات القوّة كما يُشير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
وهذه هي المنطقة التي وضع إدوارد سعيد يده عليها عندما أعاد قراءة العلاقة بين المعرفة والسلطة، وأظهر أنّ الصورة التي صنعها الغرب عن “الشرق” لم تكن دائماً وصفاً مُحايداً له، بل كانت أحياناً جزءاً من الطريقة التي أعاد بها الغرب تعريف نفسه وتبرير تفوّقه.
المجتمع الذي يثق بتاريخه لا يحتاج إلى حمايته من الأسئلة. والمجتمع الذي يمتلك ثقة حضارية حقيقية لا يخاف من مخطوطة جديدة، أو وثيقة مختلفة
ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل هذا النقد الضروري إلى حكم شامل: كلُّ مستشرق عميل للاستعمار، وكلُّ دراسة غربية للإسلام مؤامرة، وكلُّ نقد للموروث عداء للدين، وهنا نغادر النقد إلى الأيديولوجيا المُضادة. … لم يكن غولدتسيهر مجرّد رجل غربي يكتب عن الإسلام من بعيد. درس العربية، واقترب من المؤسسات العلمية الإسلامية، وشغل طويلاً بتاريخ الفكر والحديث والفقه والعقيدة. وكانت بعض فرضياته شديدة الجدل، ولا يزال كثير منها موضع اعتراض ومراجعة، لكن أهميته في أنّه حاول أن يتعامل مع المادة الإسلامية باعتبارها مادة تاريخية يمكن إخضاعها للسؤال والمقارنة والتحليل.
والأمر نفسه ينطبق، بدرجاتٍ مختلفة، على فلهاوزن وبلاشير وغيرهما، فقد حاول فلهاوزن أن يُعيد قراءة التاريخ السياسي للإسلام المُبكّر مُستفيداً من أدوات النقد التاريخي التي تطوّرت في أوروبا. أما بلاشير، فقد شغل باللغة العربية والأدب والقرآن والسيرة، وترك أعمالاً أصبحت جزءاً من تاريخ الدراسات العربية والإسلامية في الأكاديمية الغربية.
ليس المطلوب أن نقبل كلّ ما كَتب هؤلاء. بعض فرضياتهم تجاوزتها الدراسات اللاحقة، وبعض استنتاجاتهم تأثّر بالمناخ الفكري الأوروبي الذي عاشوا فيه، وبعض قراءاتهم تحتاج مراجعة جذرية. لكن ذلك كلّه هو بالضبط ما يحدث في المعرفة: لا يوجد كتاب أخير، ولا مؤرّخ أخير، ولا تفسير يمتلك حصانة أبدية من النقد.
مُساءلة التاريخ ليست اختراعاً استشراقيّاً، بل لها جذور عميقة داخل الثقافة الإسلامية نفسها
المفارقة أنّ بعضنا يريد إخضاع المُستشرق لهذا المبدأ، لكنّه يرفض إخضاع تراثه هو للمبدأ نفسه. نطالب بنقد غولدتسيهر، لكنّنا نرتبك عندما يقترب النقد من رواياتنا التاريخية. نطالب بتفكيك فرضيات فلهاوزن، لكنّنا نتحسّس من تفكيك فرضيات مؤرّخينا. نرفض أن تتحوّل الكتابة الغربية عن الإسلام إلى حقيقة مقدّسة، وهذا صحيح، ثم نحوّل نحن بعض ما كتبه السابقون إلى منطقة محرّمة لا يجوز للعقل أن يدخلها. وهنا تصبح القضية أكبر من الاستشراق. القضية هي علاقتنا بالمعرفة نفسها.
فالمجتمع الذي يثق بتاريخه لا يحتاج إلى حمايته من الأسئلة. والمجتمع الذي يمتلك ثقة حضارية حقيقية لا يخاف من مخطوطة جديدة، أو وثيقة مختلفة، أو قراءة تاريخية تُعيد ترتيب بعض المُسلمّات. الحقيقة لا يحميها منع الأسئلة؛ بل قدرتها على الصمود أمامها.
لقد عرفت الحضارة الإسلامية نفسها تقاليد نقدية شديدة الصرامة. علم الحديث قام في جزء أساسي منه على فحص الرواية والرواة. والفقه تطوّر عبر الاختلاف والجدل والترجيح. وعلم الكلام نشأ في قلب المواجهة الفكرية. والفلاسفة ناقش بعضهم بعضًا بلا مجاملة، والمؤرّخون اختلفوا في تفسير الأحداث والدول والفتن والتحوّلات. بل إنّ ابن خلدون سبق كثيراً من المؤرّخين إلى التحذير من قبول الأخبار لمجرّد ورودها في الكتب. لقد فهم أنّ الرواية التاريخية يمكن أن تخضع للهوى والمبالغة والمصلحة والوهم، وأنّ مهمة المؤرّخ ليست جمع الأخبار فقط، بل اختبار إمكان وقوعها في ضوء طبيعة الاجتماع والعمران.
نقد الاستشراق واجب حين يتحوّل إلى أيديولوجيا، والاعتراف بمنجزه واجب حين يتحوّل إلى علم
بهذا المعنى، فإنّ مُساءلة التاريخ ليست اختراعاً استشراقيّاً، بل لها جذور عميقة داخل الثقافة الإسلامية نفسها. المشكلة إذن ليست في أنّ الغرب دَرَسنا. فالحضارات تَدرس بعضها بعضاً، والقوّة الكبرى تَدرس العالم من حولها، والأمم الحيّة تُريد أن تعرف الآخرين كما تريد أن تعرف نفسها. المشكلة الحقيقية أنّنا تَركنا في مراحل طويلة مهمّة دراسة تاريخنا للآخرين، ثم غضبنا لأنّهم قرأوه بأدواتهم وأسئلتهم ومفاهيمهم. وهذه مفارقة معرفية تستحق التأمل. فبدلاً من أن يكون السؤال: لماذا درس المستشرقون تاريخنا؟ ينبغي أن يكون السؤال الأكثر إزعاجاً: لماذا لم ننتج نحن من المؤسسات والمناهج والباحثين ما يجعلنا شركاء مُتكافئين في كتابة هذا التاريخ؟
والإنصاف العلمي يفرض علينا أن نقول الأمرين معاً: نقد الاستشراق واجب حين يتحوّل إلى أيديولوجيا، والاعتراف بمنجزه واجب حين يتحوّل إلى علم. فلا إدوارد سعيد ينبغي أن يصبح ذريعة لإلغاء غولدتسيهر، ولا غولدتسيهر ينبغي أن يتحوّل إلى سلطة جديدة على التاريخ الإسلامي. كلاهما يُقرأ، وكلاهما يُناقش، وكلاهما قابل للنقد والتجاوز.
قد يكون أخطر ما أصاب العقل العربي الحديث أنّه ظلّ طويلًا مَشغولًا بالسؤال: ماذا يريد الآخر منا؟ بينما كان السؤال الأكثر أهمية ينتظر بلا إجابة: ماذا نريد نحن أن نعرف عن أنفسنا؟ هل سنظلّ موضوعاً يدرسه الآخرون، أم سنصبح أيضاً مُنتجين للمعرفة عن أنفسنا وعن الآخرين؟ وربما يكون رحيل آخر المستشرقين فرصة أخيرة لكي نتوقّف عن سؤال: كيف يروننا؟ ونبدأ بسؤال أكثر صعوبة: كيف نفهم نحن أنفسنا؟
المصدر: العربي الجديد






