
زين العابدين القادري مواطن سوري من أبناء مدينة قطنا في ريف دمشق ، من الجيل الذي عاصر أغلب المتغيرات التي عاشتها سورية من الاستقلال حتى إسقاط نظام الاستبداد وبناء دولة الثورة السورية.
منتميا للفكر القومي العربي، يعتبر جمال عبد الناصر النموذج العربي الذي يجب أن يُحتذى. وكان معارضا للنظام الطائفي البائد ككل او اغلب السوريين.
عندما بدأت ثورة السوريين في ربيع عام ٢٠١١م ضد النظام وكانت في بدايتها عبر مظاهرات سلمية وكان اغلب اهل قطنا وخاصة شبابها منخرطين في هذه المظاهرات وكان على رأسها الاخ احمد القادري أبو مصعب وكذلك اخته رابعة القادري منخرطة بالتظاهر ايضا ، وبالطبع لم يتقبل النظام حراك الشعب السوري في كل سورية وليس في قطنا فقط، وانتقل إلى اعتقال الناشطين وزجهم بالسجون، ثم الى المواجهة المسلحة مع المتظاهرين والناشطين وبدأ يسقط شهداء من قطنا تباعا، وصلوا الى ما يقارب الالفين شهيد حتى إسقاط النظام المجرم البائد.
زين العابدين القادري الذي يكني نفسه ابو الوفا في هذه الشهادة ، حيث يبدأ التدوين فيها من الشهر الثاني شباط لعام ٢٠١٣م. متحدثا عن الحال الذي يعيشه وعائلته. حيث كان في متابعة أعماله في دمشق مع بعض عائلته، والطريق بين دمشق وقطنا حوالي ٢٥كم، وكان قد قطّع من قبل حواجز الأمن والجيش وكانت قطنا قد تمّ اجتياحها في السنة الاولى للثورة واعتقل الكثير من رجالها وشبابها واستمر اعتقالهم حوالي الأربعين يوما. كانت بمثابة إنذار لأهل قطنا و ناشطيها، وكان زين العابدين أبو الوفا من المعتقلين في تلك الحملة التي حصلت.
لكن أهل قطنا وشبابها و ناشطيها قرروا الانتقال الى العمل المنظم في حراكهم، وبدأت تظهر بعض المجموعات المسلحة من الشباب مهمتها حماية المتظاهرين.
وهكذا رويدا رويدا بدأ يتبلور واقع حراك ثوري انتقل من التظاهر الى العمل المسلح وكان على رأس الثوار في قطنا الاخ احمد القادري أبو مصعب. وبدأت الاجهزة الامنية تشيع ان في قطنا إمارة اسلامية بقيادة احمد القادري واخته رابعة القادري. ومنذ ذلك الوقت اصبحت عائلة القادري بامتدادها في قطنا تحت المساءلة والملاحقة الأمنية.
من هذا المدخل نفهم لماذا تم توقيف أبو الوفا زين العابدين وعائلته عند عودتهم الى قطنا عند احد الحواجز وتم اعتقال ابو الوفا وزوجته والسائق الذي كان يقود السيارة التي تقلّهم.
اخذوهم إلى فرع المنطقة الأمني سيئ الصيت. وهناك تم الافراج عن زوجته والسائق والإبقاء على أبو الوفا في المعتقل.
بدأ التنكيل بأبو الوفا بدءا من لحظة الوصول وتسليم أوراقه الشخصية ودخوله الى المهجع الجماعي الذي يحوي أكثر من طاقته الاستيعابية. ولتبدأ معاناة ابو الوفا داخل المعتقل.
كان الاستدعاء للتحقيق والتنكيل بالمعتقلين مستمرا كل الوقت ليلا نهارا. يذهب المعتقل ماشيا وقد يعود ميتا او محملا على بطانية وقد تعرض لتعذيب شديد.
المهجع لا يسع من فيه. لكل فرد فيه بلاطة واحدة ٢٥×٢٥سم. هي مكان عيشه ونومه، المرحاض الملحق بالمهجع لا يكفي للعدد الكبير للمعتقلين، لذلك هناك احتياج دائم للخروج الى المرحاض، خاصة بالنسبة لكبير السن الذي يعاني من مشاكل البروستاتا مثل ابو الوفا.
الطعام قليل جدا ملعقة لبنة أو بضع حبات زيتون او قليل من قطع البطاطا مع مرقتها و قليل من البرغل وخُمس كأس من الشاي، صباحا ومساء.
لذلك كان الجوع الشديد يراكم فوق الضيق في المكان والخوف والالم وانتظار الاسوأ دوما ، هو ما يعيشه المعتقل.
وزيادة على ذلك يتحول المعتقل بعد اعتقاله وعيشه في هذه الظروف الى انسان اناني ويفكر في نفسه ومصلحته فقط ولو على حساب الآخرين، بالطبع إلّا من رحم ربي. وكان يترأس المهجع أحد السجناء ، حيث يتحول الى حاكم بأمره ويتصرف وفق مصالحه، يقّرب من يملك المال ويرشيه هو ومن حوله من عصابته. ومن مسؤولية الشاويش ترتيب نوم المعتقلين بطريقة التسييف على جنبهم. وكان يرصّهم بقدميه لكي لا يترك أي فراغ ليتمكن المعتقلين جميعا من النوم، وهم ينامون على قسمين ليلا ونهارا، وهناك مسؤول عن دور المرحاض وقد حاول أبو الوفا الحصول على هذه المهمة ليستطيع حل مشكلة بوله المتكرر بسبب البروستات. حيث وصلت التهاباتها عنده الى مرحلة تحتاج الى علاج، وتم اخراجه الى الممر حيث استدعي طبيب من المعتقلين عالجه، وركب له قسطرة بولية، واستمر ذلك لأيام حتى شفي وعاد إلى المهجع وجحيمه.
التعامل داخل المهجع سيء وكذلك الخوف والترقب وصوت التعذيب ومشاهدة المعذبين، ووفاة بعضهم في المهجع بشكل شبه يومي. حيث يتم إخراج الميتين خارج المهاجع يوميا.
كان أبو الوفا حريصا أن يسترجع في ذهنه الأهل والأوقات الجميلة بالحياة حتى يستطيع التحمل.
مضى حوالي العشرين يوما على الاعتقال حتى تم استدعاء أبو الوفا إلى التحقيق ، كان الجو مخيفا ، وطلب المحقق من ابو الوفا معلومات عنه وعائلته واخوته واقرباؤه واصهاره، بحيث لم يترك احد يمت بصلة له الا دوّن المحقق معلومات عنه.
أُعيد أبو الوفا إلى مهجعه دون أن يتعرض لأي شكل من أشكال التعذيب. وترك هكذا في مهجعه تمر عليه الأيام والشهور، في ذات المعاناة اليومية التي سبق وذكرتها.
كانت حياة المهجع اقرب للجحيم على كل المستويات، الجوع ومشكلة البروستات عند ابو الوفا والمرحاض ومعاناة الكل من الضيق والتسلط من الشاويش وعصبته. كانت معاناة يومية اسوأ من التعذيب أو تساويه، خاصة ان هناك ترقب وخوف من تحقيق جديد وتعذيب وتنكيل.
مرت فترة أشهر وتم اخراج ابو الوفا من فرع المنطقة إلى فرع فلسطين كان يعتقد بداية أنه الافراج، لكنه استقر لأشهر أخرى في فرع فلسطين وهناك لم يحققوا معه، وبدأ يشعر أبو الوفا أن لا أفق واضح امامه، استمر ذلك زمنا، ثم بدأت تأتيه إشارات في نومه يظهر فيها والده المرحوم العلامة الشيخ محي الدين القادري، كان يستيقظ مبتهجا ومتفائلا بفرج قريب. وجاء الفرج اخيرا بالتحويل إلى المحكمة العسكرية. وهناك حوّل الى الشرطة العسكرية في القابون كأمانة للمحكمة حتى يتم محاكمته، وكانت الحياة هناك اسوأ من فرع المنطقة وفلسطين كما عايشها ابو الوفا حيث المعاملة السيئة على كل المستويات.
ومرت أيام وحكم على أبو الوفا بالبراءة وبعدها نقل الى سجن عدرا حيث أحسّ انه صار حرا طليقا نسبيا. وهناك تواصل مع الأهل واحضروا له كل احتياجاته.
ومرت الأيام وافرج عن ابو الوفا في اواخر الشهر الثاني عشر كانون أول من عام ٢٠١٣م. حيث كان قد أمضى حوالي الأحد عشر شهرا في الاعتقال.
جاء الاهل واخذوه من السجن ليبدأ مرحلة جديدة من حياته.
لقد كان لعائلته دور في الإفراج عنه عبر الواسطات التي حصلت والتي قد يكونوا بذلوا فيها المال الكثير.
تنتهي رحلة اعتقال ابو الوفا بالإفراج عنه.
بالتعقيب على الشهادة التي كتبها الاخ زين العابدين القادري الذي كنا نفسه في الشهادة ابو الوفا اقول:
نحن أمام شهادة اخرى عن الاعتقال السوري وما حصل مع اخونا ابو عبيدة زين العابدين القادري وما عاشه شخصيا و عاناه وما رأى وحصل معه وأمامه في المعتقل لمدة سنة تقريبا، بكل قساوتها وألمها وما ترسخ منها في النفس وما انعكس عنها في العقل والقلب والروح .
نعم نحن بحاجة لتدوين تجاربنا القاسية نحن السوريين لكي لا ننسى ولكي نحافظ على الحرية التي حصلنا عليها بكل امكانياتنا ونضحي باجلها بالروح ان الزم.
لقد عانى السوريون لعقود طويلة من ظلم نظام مستبد طائفي فاسد وسقط بعدما قدم الشعب السوري ما يزيد عن المليون شهيد ومئات آلاف المغيبين والمعتقلين. ودمرت بلدات ومدن، وشرد الملايين من السوريين. وانتصرنا اخيرا بعدما دفعنا الثمن الاغلى من ارواح شعبنا وماله وخيراته.
لاجل تحقيق الحرية والعدالة والحفاظ على الكرامة الإنسانية والوصول الى الدولة الديمقراطية وبناء الحياة الافضل.
لأجل ذلك ثرنا وضحينا وانتصرنا الحمد لله رب العالمين.






