قراءة روسية في الانتخابات الأميركية

   بسام مقداد

لم تكن نتائج الانتخابات الأميركية مجرد هزيمة انتخابية للحزب الجمهوري، الذي فقد أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ، بل شكلت اختباراً لسياسة دونالد ترامب الداخلية والخارجية، وفتحت الباب أمام تساؤلات عن انعكاساتها على العلاقات الأميركية الروسية، وعلى مسار المفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

في موسكو، لا تبدو القراءة محصورة في احتمال تراجع قدرة ترامب على تنفيذ برنامجه السياسي، أو في ما يمكن أن يترتب على سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس من قيود على إدارته. بل ثمة اهتمام أكبر بما إذا كانت الهزيمة ستدفع بترامب إلى إعادة ترتيب أولوياته الخارجية، وما إذا كان سيحاول تعويض خسارته الداخلية بتحقيق اختراقات على الساحة الدولية، وفي مقدمتها الملف الأوكراني.

تصريحات المسؤولين الروس وتعليقات الإعلام على نتائج الانتخابات ركزت، بشكل أساسي، على استقلالية ترامب النسبية في السياسة الخارجية والعوائق التي تقف في وجه الكونغرس في التأثير على سياسته الداخلية. وكثيرون ما زالوا يذكرون كيف احتفلوا في مجلس النواب الروسي (الدوما) بفوز ترامب في انتخابات العام 2016، وبلغت الحماسة بالبعض أن وصفه “الرفيق ترامب”. وتحدث حينها النائب الراحل فلاديمير جيرينوفسكي كيف فتح أكثر من مئة زجاجة شمبانيا في الاحتفال مع زملائه بهذه المناسبة في قاعة المجلس النيابي.

موقع Lenta.ru الروسي نقل في 4 الجاري عن نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الاتحاد غريغوري كاراسين، قوله إن بعض المحللين توقعوا نتائج أكثر قسوة بالنسبة إلى ترامب. ورأى أن نتائج التصويت، صحيح أنها لا تسهم في تعزيز موقعه داخل الولايات المتحدة، لكنها لا تعني بأي حال من الأحوال أنه سيصبح رئيساً أميركياً أكثر اعتدالاً ولباقة. وأضاف أن الزعيم الأميركي عازم على مواصلة النهج عينه الذي اتبعه قبل ذلك في القضايا الداخلية والخارجية. ويصف هذا النهج بأنه متعرج أحياناً، “لكننا اعتدنا عليه”.

وكالة Interfax الروسية نقلت في 5 الجاري عن الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف قوله: “نعرب عن أملنا الصادق” بأن يواصل الرئيس ترامب جهوده لإحلال السلام. وفي رده على السؤال عما إن كان الكونغرس الجديد سيعرقل جهود الرئيس هذه، قال: “هذه مسألة داخلية أميركية”. ورأى أن هذه الجهود قد أسفرت حتى الآن عن “نتائج إيجابية”، وستُعقد قريباً جولة جديدة من المفاوضات الثلاثية. وأكد نجاح الجهود التي بُذلت لإحلال السلام، بما فيها تلك التي بذلتها ميلانيا ترامب في إطار المهمة الإنسانية، “ونأمل أن تتواصل كل هذه الجهود”.

موقع rosbalt الروسي الذي يتأرجح بين معارضة مضبوطة واستقلالية خجولة، نشر في 5 الجاري نصاً تحدث في عنوانه عن “سحق فريق ترامب، وكيف سيؤثر انتصار الديمقراطيين على المفاوضات الأميركية الروسية”. استضاف الكاتب أربعة خبراء روس مختلفي الاختصاصات تناولوا الانتخابات الأميركية وتأثيراتها على الداخل والخارج، وكذلك على المفاوضات مع روسيا.

وتظهر آراؤهم أن التقديرات الروسية تتباين بشأن قدرة ترامب على مواصلة سياسته الخارجية بعد خسارة الأغلبية في مجلسي الكونغرس. فهناك من يرى أن الديمقراطيين سيحاولون استخدام موقعهم الجديد لزيادة الضغط على الإدارة، وفرض قيود على أي تقارب مع موسكو، فضلاً عن الدفع باتجاه تشديد العقوبات وزيادة الدعم العسكري لأوكرانيا. في المقابل، لا يستبعد آخرون أن يؤدي الصدام بين البيت الأبيض والكونغرس إلى دفع ترامب نحو تكثيف نشاطه الخارجي، باعتباره المجال الذي لا يزال يتمتع فيه بصلاحيات واسعة.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في ضوء الرهان الروسي على استمرار قناة الاتصال المباشرة مع ترامب. فالرئيس الأميركي، الذي جعل إنهاء الحرب الأوكرانية أحد وعوده السياسية الأساسية، لا يزال قادراً على مواصلة المفاوضات، حتى في ظل وجود كونغرس تسيطر عليه المعارضة.

لكن ذلك لا يعني أن موسكو تستطيع تجاهل التوازنات الجديدة في واشنطن. فالاتفاقات التي قد يتوصل إليها البيت الأبيض مع الكرملين ستواجه لاحقاً اختبار القدرة على تمريرها وتنفيذها، خصوصاً إذا تضمنت التزامات مالية أو أمنية أو تنازلات في ملف العقوبات.

موقع الخدمة الروسية في BBC نشر في 4 الجاري مقابلة متلفزة مع الباحثة الروسية ألكسندرا فيليبينكو المقيمة في البلطيق، ربطت فيها بين نتائج الانتخابات الأميركية ومستقبل المفاوضات مع روسيا من زاوية المصالح الاقتصادية والمالية، وليس السياسة وحدها.

أشارت الباحثة إلى احتمال انتقال مركز الثقل في المفاوضات من القنوات الدبلوماسية التقليدية إلى الدائرة العائلية المحيطة بترامب، وبالأخص زوجته ميلانيا وأفراد أسرته. ولا يبدو هذا الاحتمال منفصلاً عن الدور الذي أخذت تلعبه المبادرات الإنسانية في الاتصالات الروسية الأميركية الأحدث. وإلى جانب دور الصهر كوشنر، يبرز في هذا السياق دور ميلانيا ترامب في المبادرات المتعلقة بالأطفال الأوكرانيين. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن هذه القنوات يمكن أن تكتسب أهمية سياسية تتجاوز طبيعتها الإنسانية المعلنة، وأن توفر مساحة للتواصل بين موسكو وواشنطن في ظروف يصعب فيها تحقيق تقدم على المسارات الأخرى. لكن هذا لا يعني، برأيها، أن الأسرة أصبحت بديلاً من المؤسسات الدبلوماسية، إنما تشير إلى اتساع دائرة الأشخاص والقنوات التي يمكن أن تؤثر في مسار الاتصالات بين روسيا وأميركا.

ومن النقاط الأخرى التي تستحق التوقف عندها في قراءة فيليبينكو، التركيز على المبادرات الإنسانية ووقف إطلاق النار في مناطق محددة، بموافقة الطرفين، بدلاً من جعل الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار شرطاً مسبقاً لاستمرار المفاوضات.

ويعكس هذا التوجه صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين موسكو وكييف، ولا سيما بشأن الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل أوكرانيا العسكري والسياسي. وقد يكون تحقيق تفاهمات محدودة، سواء في المجال الإنساني أو في مناطق جغرافية معينة، أكثر قابلية للتحقق من اتفاق عام لا تتوافر له شروط التنفيذ.

وترى الباحثة أنه ينبغي التفريق بين اعتبار هذه التفاهمات خطوات لبناء الثقة تمهد لتسوية أوسع، وبين تحولها إلى بديل من معالجة أسباب الحرب. فالهدنة المحلية، مهما كانت أهميتها الإنسانية، لا تعني أن الطرفين اقتربا من تسوية سياسية، كما أن تكرار المبادرات المحدودة لا يثبت وجود إرادة متبادلة لإنهاء الحرب.

للوقوف على رأي أوساط المعارضة الروسية، طرحت “المدن” عدداً من الأسئلة على الباحث في مؤسسة ميخائيل خودوركوفسكي، رسلان سليمانوف.

رأى سليمانوف أن بوتين سيستغل ضعف ترامب الذي أظهرته نتائج الانتخابات، وأن من السابق لأوانه الحديث عن تطور العلاقات الأميركية الأوكرانية في الوضع المستجد، بل لا بد من انتظار تشكل اللجان الرئيسية في الكونغرس الأميركي بمجلسيه. وإذ يعتقد أن الدعم الأميركي لأوكرانيا سيستمر، لا يرى أن سياسة ترامب ستشهد تغيرات كبيرة فورية، بل قد يحدث ذلك مع مرور الوقت.

ويرى الباحث أنه من الصعب الآن أن يقوم ترامب بأي عمل عسكري ضد إيران، إذ إن الكونغرس سيقوم بمساءلته مع وزير الدفاع. ويعتقد أن ترامب سيعمل ما بوسعه لتسوية الوضع حول إيران، لكنه يرى استحالة ذلك الآن، إذ لا يزال احتمال التصعيد من جديد مرتفعاً للغاية.

يتضح من القراءات المختلفة أن موسكو معنية بالحفاظ على الطابع الشخصي للاتصالات مع ترامب، والاستفادة من القنوات غير التقليدية والمبادرات الإنسانية، بالتوازي مع استمرار التفاوض السياسي والعسكري. ويبقى الاختبار الحقيقي ليس في عدد المبادرات أو اللقاءات، بل في ما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير ملموس في المواقف الروسية من شروط إنهاء الحرب.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى