
حظيت كل من الانتخابات الإسرائيلية والأميركية في الأيام العشرة الأخيرة باهتمام واسع لدى شرائح كبيرة من الجمهور العربي، كما في أرجاء واسعة من العالم، لأسباب عديدة، منها مخاطر استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وانعكاس هذا على الملاحة الدولية وعلى أسعار الطاقة وعلى منشآت نووية وعلى سلامة دول منطقتنا. وثانياً، لأن إدارة دونالد ترامب في واشنطن وحكومة تل أبيب تمثلان رأس الحربة لليمين الشعبوي المتطرّف في أوروبا وأميركا الجنوبية. وثالثاً، لأن نتائج الانتخابات في أميركا خصوصاً سوف تنعكس على جهود بلورة عالم متعدّد الأقطاب .
جاءت نتائج الانتخابات الإسرائيلية لتدلل على الفقر (أو التصحّر) السياسي، إذ يتنافس اليمين المتطرّف الديني و”العلماني” مع نفسه، بين أحزابه وحشوده الاجتماعية العريضة. ومع كسر لهذا الانتظام بتمكّن الأقلية القومية الفلسطينية من إثبات حضورها والخروج بكتلة نيابية وازنة تضاهي نسبة العرب إلى مجموع السكان (20%). غير أن أحزاب اليمين الفائزة سرعان ما تلاقت على تحريم الاستعانة بالأحزاب العربية الفائزة، أو وضعت شروطاً تعجيزية من أجل التعاون مع هذه الأحزاب. ومن شروط وضعها غادي أيزنكوت طلب الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية واعتبار حركة حماس منظمة إرهابية. وإلى جانب الكتلة العربية الفائزة، نال تكتل “ديمقراطيون” ثمانية مقاعد، وهو التكتل الوحيد الذي يضع السلام على أجندته، ويدعو إلى شراكة يهودية عربية في تشكيل حكومة جديدة. يضم هذا التكتل ما بقي من ممثلي حزب العمل وحركة ميرتس اليسارية. وبالنظر إلى عدد المقاعد التي أحرزها، فدلالة هذا الحجم من المقاعد تُخبر من يهمّه الأمر أن نسبة مؤيدي السلام بين الجمهور اليهودي تقل عن 10%، بما يعني أن 90% على الأقل من يهود إسرائيل لا يؤيدون، في هذه المرحلة، خيار السلام، ويدعمون استمرار الحرب الوحشية على غزّة، ويساندون الجهود المسعورة للسيطرة على مزيد من الأراضي في الضفة الغربية المحتلة. هذا رغم أن استمرار الحرب قد أدّى إلى إصابة آلاف الجنود وإغلاق آلاف الشركات وهجرة أعداد أخرى، وبالذات في صفوف نخبة المهنيين، إلا أن هذه الآثار الاقتصادية والاجتماعية لم تنعكس على خيارات الناخبين الذين منح معظمهم أصواتهم لتلاوين متعدّدة من اليمين وممن تتشابه رؤاهم السياسية والأيديولوجية، رغم النزاعات والمطامح الشخصية المحتدمة بين زعاماتهم.
وبينما يرى الإسرائيليون في دولتهم نموذجاً مصغّراً للدولة العظمى، بما في ذلك النظام السياسي والانتخابي، حيث يدور التنافس الانتخابي على أساس حزبي لا فردي، إلا أن نتائج الانتخابات هنا وهناك أثبتت أن الفروق كبيرة وجوهرية بين المجتمعين. إذ تضم أميركا مروحة واسعة من الأقليات والمكونات مع واقع التعددية الثقافية، ومع نظام متطوّر يحرُسه القضاء بمختلف درجاته مع الناشطين الاجتماعيين بما يفرزه هذا من حيوية وحراك، ومن تنافس مفتوح داخل حدود الولايات الخمسين، كما على المستوى الفيدرالي. ولهذا استجاب المجتمع لتحدّيات الحرب وغلاء المعيشة، وقال كلمته، ولم يتعلّق بأيديولوجية أحادية صلبة، كما هو حال المجتمع الإسرائيلي، الذي يشهد استقطاباً حول أفضل السبل للسيطرة على أرض الفلسطينيين، وطردهم من هذه الأرض، علماً أن عددهم يساوي عدد الإسرائيليين تقريباً، ولم يفدوا إلى البلاد من وراء البحار كما فعل الإسرائيليون.
استجاب المجتمع الأميركي لتحدّيات الحرب وغلاء المعيشة، وقال كلمته، ولم يتعلّق بأيديولوجية أحادية صلبة
وبما أن نتائج الانتخابات تعكس الخريطة الاجتماعية والثقافية، عكست نتائج الانتخابات الأميركية التنوّع والدينامية داخل هذا المجتمع الكبير، بينما أدّت انتخابات إسرائيل إلى التقوقع حول أيديولوجية مغلقة واستئصالية، لا ترى مكاناً أو دوراً أو حقوقاً ومصالح لغير اليهود، واقتصر الجدال الداخلي على شخص بنيامين نتنياهو: هل يبقى رئيساً للحكومة أم يرحل. أما في واشنطن، فلم يتوان نائب الرئيس جي دي فانس عن الجهر بأن الناخبين الجمهوريين قد حدّدوا أربعة مطالب لدعم الحزب الجمهوري: إنهاء الحرب على إيران، معالجة غلاء المعيشة والتضخّم، تقديم المصالح الأميركية أولا، وتغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل. وبهذا قدّم الرجل نقداً شاملاً لتوجّهات الرئيس دونالد ترامب، وسياساته، بينما لم تحظ سياسة نتنياهو بنقدٍ يذكر سوى لدى تكتل الديمقراطيين الوسطي، والذي ما زال يمثل أقلية وسط أغلبية اجتماعية يمينية تتغذّى على حرمان الآخرين من حقوقهم، بما فيها الحق في الحياة، وهو توجّه عنصري يثير الشعور بالفخر لدى أصحابه، بدلاً من الشعور بالخجل، فيما يزهو المجتمع الأميركي، والحياة الأميركية عموماً، بما حقّقه السود والمسلمون والسكان الأصليون، ومن هم من أصول لاتينية وعربية، علاوة على الحزب الكبير الديمقراطي، من نتائج باهرة في الانتخابات، بما في ذلك بين المترشّحين لحكام الولايات. وبينما يستند الإسرائيليون في صلفهم وغرورهم إلى الدعم الأميركي الموصول لهم، فإن نائب الرئيس الأميركي لم يتردّد في القول إن جمهور الحزب الجمهوري (وليس جمهور الحزب الديمقراطي فقط) يريد تغييراً في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وهو ما يكاد الإسرائيليون يُنكرون سماعهم له، ولا يصدّقونه بعد عقود من جني أموال طائلة من دافعي الضرائب الأميركيين لتمويل حروب التوسّع وإقامة المستوطنات في الأراضي المحتلة.
أما إعلان ترامب عن وقف مساعدات أميركية لإسرائيل، فقد جاء توقيته عشية يوم الانتخابات النصفية، ليثير التساؤلات في جدّيته، وبخاصة أن ترامب أعلن بوضوح أنه إنما يريد بهذا الإعلان سحب ورقة انتخابية من أيدي مترشّحي الحزب الديمقراطي. وأيا يكن الأمر، المساعدات الهائلة لإسرائيل والدعم الآلي لتل أبيب باتا يثيران حفيظة الأميركيين، بمن فيهم في صفوف حزب الرئيس الجمهوري كما كشف فانس. كانت المساعدات الهائلة غير المشروطة تمثل شذوذاً في العلاقات الدولية، وقد نجم عنها انتفاخ الدولة التي تتلقّى المساعدات وتغذية نزعاتها التوسّعية والعنصرية، وهو ما لا يقبل به أي حسٍّ سليم، وقد استيقظ الأميركيون أخيراً على هذه الواقعة الممتدة، وقالوا لزعمائهم: كفى. أميركا أولاً وليس إسرائيل أولاً.
المصدر: العربي الجديد






