حكايات قريتنا – الكتاب الثاني – الجزء الثاني

   د.عيسى بن ضيف الله حداد

في خضم السياسة

أطفال وسياسة – حالما حطت رحالنا في القرية بعد عودتنا من حيفا، وجدت أقراني من الأطفال والصبية يتعاطون الخوض في السياسة، يذكرون شيئاً عن الحرب الكورية.. عن أمريكا والسوفييت.

بعض الصبية يرفع يده تحية لستالين، وبعضهم يتعصب لأمريكا.. يمدحون ويقدحون في هذا وذاك من حكام البلاد والجوار.

وأنا ماذا في جعبتي أنا، سوى ذكريات وخيالات عن فلسطين…!  مازالت حيفا تملأ عليّ خواطري، ذكرياتها ترافقني.. أصغي باهتمام لأترابي، وأشارك بما لدي من معرفة وخبرة، حملتها عاقلتي عن فلسطين وحيفا.

لم تعد مسألة السياسة مقتصرة على مجرد ثرثرة.. المدرسة قد أشعلت فينا أطفالاً وصبية حس السياسة.. الأخبار تتسلل إلينا عن طريق الفتيان الكبار، وقد ضمتهم مدرستنا الحديثة النشأة.

 🛑

في الأعوام الأولى بعد عودتنا من فلسطين (بين 1948- 1949) – البلاد تعج بالاضطراب، ولها صدى في قريتنا.

درجنا نحن الأطفال والصبية على تقليد الطلبة في المدن. خرجنا مرات في مظاهرات لنجوب أزقة القرية، طفقنا نصيح ” سكر يا قليل الدين “.

كان صراخنا مجرد تقليد لما يحكى لنا عن إضرابات المدن، فلا سوق تجارية هنا.. ليس أمامنا سوى الدور لتغلق أبوابها.. كنا نرمي أبواب الدور المفتوحة على مصراعيها بالحجارة..

أذكر أنني رميت باب دارنا بحجارتي، ورمى أترابي بدورهم حجارتهم على أبواب دورهم.

لم تظهر أية غضاضة، بما فيهم أصحاب الدور إياها.. كيف لا.. ألا يصنع ذلك الطلبة، في دمشق العاصمة…!

كانت المظاهرات تجري بإيحاء من حركة البعث العربي، وقد بدأت طلائعه تظهر في المنطقة والقرية.

 🛑

صِبية في معترك السياسة – (ما بين 14/8/1949 طي صفحة حسني الزعيم، وانقلاب أديب الشيشكلي، في 29/11/1951).

منذ البدء وجدت نفسي على هوى مع فكر البعث العربي، غدوت أتصرف وأنا طفل، كأنني من عداد هذا التيار.

لعل لتجربتي في حيفاً دوراً ما في دفعي لاختيار هذا الاتجاه، أو ربما كان للثقافة الأولية التي تلقيتها من حكايات أبي البدوية وقصائده الشعرية إسهاماً ما في

تعزيز هذا الخيار.

كان لي أقران من الطيف البعثي، وأقران من الطيف السوري القومي..  بيد أن ذلك لم يمنع بحدوث صراع بين الفريقين.. كانت الغلبة في معظم الأحيان لصالحنا.

بالرغم من تلك المظاهر السلبية التي رافقت الحياة الحزبية في القرية، بيد أنها قد وفرت لذلك الجيل فرصة لصرف طاقته في فعالية ذهنية، تنطوي على نواحي ايجابية.. – وهل في القرية من نوافذ أخرى لصرف تلك الطاقة.!.

كان التوتر بين البعثيين والقوميين السوريين عالي الوتيرة.

في حمى هذا التأجج، وفي يوم صيفي من عام 1950، حضر إلى القرية، أحد رموز القوميين السوريين في منطقة حوران.

على نحو عفوي، تشكلت زمرة من الأطفال والصبية، لنسير في مظاهرة أطفال، مرددين أهازيج عدائية للزائر ولمضيفيه [ كان الزائر رمزاً أساسياً من رموز القوميين السوريين في حوران، وهو محامي على درجة من الشهرة، أمتنعُ عن ذكر اسمه، التزاماً مني بموقفي].

في مسيرتنا شرعنا ندق على صفائح التنك العتيقة، التي وفرتها لنا الأزقة ومزبلة القرية الكبرى.

على مشهد هذا الضجيج ومسمع من تلك الأهازيج، خرج علينا أهل الدار بالسباب والشتائم، رشقناهم بالحجارة.

وفرت لي تلك الواقعة فرصة سانحة لإمتشاق مقلاعي، وقد كنت أحزم بها زناري.. منذ أن صنعتها لي جدتي.

لجأت إلى حمى مقلاعي مرة أخرى، حينما عبرت عن رغبتي في حضور أحد الاجتماعات للبعثيين.

بعدما همَّ نفر منهم، إلى طردي نظراً صغر سني.. ما كان مني سوى أن امتشق سيف مقلاعي، لأرمي بها مركز الحزب، بقيت أرمي وألقي بالشتائم حتى تم الإذعان لمطلبي. أصبحت من تلك اللحظة أشارك في الندوات، حالما يروق لي.

لجأت إلى عنف مقلاعي مرة أخرى لفرض ذاتي على حزبيي قريتي، لأرغمهم على مشاركتي في مهرجان شعبي أقامه الحزب في مدينة بُصرى.

شكراً لجدتي.. لكم أعانتني مقلاعي في طفولتي وصباي الأول.. مقلاعي تلك الغالية لدي والتي غدت لي وسيلة سياسية راحت ترافقني حتى السنوات الأولى لحياتي الجامعية، لأرمي بها جنود حكومة الانفصال.

🛑

نحو الانخراط الفعلي في الشأن السياسي: حتى لا يدهشنّ أحد، نحن الصغار لم نكن بنظر أنفسنا صغارا، كنا أطفال وكبار معاً. لم نمارس طفولتنا على أكملها، دخلنا معترك الحياة صغاراً.

ألم نعمل مع الكبار في الحقل والدار والبيدر…! ها نحن نقرأ ونكتب ونسطر رسائل للكبار السادرين في أميتهم.. وما أكثرهم.. كنا نشعر بنوع من التمّيز، عزز فينا كبارنا هذا الحس.

لا غرو من أن ننخرط منذ تلك السن المبكرة في لجة السياسة.. ألسنا بجد رجال الغد… أجل، كنا صغاراً وكباراً في طفولتنا.

منذ عام 1950، ترسخ موقع البعث في القرية وقرى المنطقة.. غدوت أشعر وأقران لي، أننا في عداد هذه الموجة من الحركة البعثية، بالرغم من حداثتنا.

كان اختياراً فطرياً هبط علينا دون مشقة، كهطول الماء من السماء.. لا غرو، منبتنا الطبقي، كدحنا نحن وأهلنا، وفلسطين التي تقبع دوماً في خلدي، قصائد أبي وحكاياته عن رمز الثورة السورية سلطان الأطرش وعن قيم البدو العرب وشمائلهم، دروس التاريخ في المدرسة التي تتحدث عن مناقب خالد وصلاح الدين وسعد وعمر ابن الخطاب.

أجل، بما يتأسس المرء فيه عبر سنوات طفولته، تتشكل فطرته، تلك الفطرة تدفعه دفعاً نحو خياراته.. هكذا كانت فطرتنا.. عليها نشأت خياراتنا، أنا ومعظم أترابي، في قريتي.

كان الخطاب العروبي التحرري المناهض للهيمنة الدولية هو الخطاب القادر على الأخذ بتلابيب العقول والقلوب، في بلد كسورية.

كانت بلادنا منذ غداة الاستقلال، تدور عليها الدوائر من قبل القوى المتحكمة بالعالم.. وما كان أيسر لصدى هذا الخطاب من غزونا نحن الأطفال الصغار، عن طريق الفتية والكبار.. وماذا بقى بعد…!

أليس في الفطرة من قوة قادرة على تسيير المرء…!  وما أكثر ما لدى أترابي مثل ما لي، من عوامل ومكونات تأسيس لهذه الفطرة الدافعة لتبني تلك الفكرة.

في العام الدراسي الموافق (1951- 1952) – الملازمة للفترة الزمنية لنظام الشيشكلي..

كنت قد انتقلت للدراسة إلى الصف الرابع في مدرسة الطائي في درعا.. أخي الأكبر وصل إلى المدرسة الإعداديةـ.. مما أتاح له الانخراط التنظيمي في حزب البعث.

على وقع من ذلك.. تجلّى اهتمامي وأترابي في الشأن السياسي بشكل شبه فعلي.

تمثلت القوة الأساسية في حركة البعث وقتئذ على صعيد البلاد- بالطلبة.. وفي درعا بالذات بتلامذة المدرسة الإعدادية.. لم تكن المدرسة الثانوية بعد قد أشرق عهدها.. كان يقود التنظيم البعثي في درعا كغيرها، ثلة من المعلمين.

كنا جميعاً، أنا وأخي وأترابه وأترابي، قد خيم علينا في ذات الوقت طيف البعث.. للعمر حساب في ميدان الانتساب للأحزاب.. وهل لمن لم يناهز التاسعة من العمر، أن يحط قدمه في دائرة السياسة…!

انخرط أخي في الحزب وسبقني، مما أثار حفيظتي وأشعل غضبي، بيد أن أخي وفر لي من حيث لا يدري، فرص التسمع باهتمام إلى حديث الرفاق الفتيان.

كلمّا حاولوا إقصائي كان يشتد إصراري، لمزيد من التسمع ويقوى لدي شغف المعرفة.

لم تكن درعا بمنأى عن الأحداث الصاخبة، التي من شأنها تحفيز النبض السياسي القابع في ذاتي وأترابي. كحادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح. كان مخططها الفعلي مشيل الديك، القومي السوري- صاحب المقهى الوحيد في درعا، الواقع مقابل دار الحكومة..[ كانت الحكومة اللبنانية قد أعدمت أنطون سعادة، الذي حاول الثورة على النظام السياسي اللبناني آنئذ. الأمر الذي دفع القوميون السوريون لاغتيال رياض الصلح.  (في عمان تموز 1951).]

كان مجرد العبور من مركز درعا ورؤية حديقة المقهى، تذكرنا بالحدث الجلل. كنا في تعاطف مع رياض الصلح، الذي تَرآى لنا وقتها كعروبيين.

في العام التالي في غمرة انتقالي للصف الخامس الابتدائي، اشتد اهتمامي بالشأن السياسي.. قلدت نفسي بنفسي صفة المناضل، تلك الكلمة العزيزة على قلبي، التي كان يتبادلها رفاق أخي.

قررت أن أفعل شيئاً مما كانوا يفعلون، وقد دأبوا على توزيع منشورات سرية في غسق الليالي. طفقت أسطو كل مرة، على نسخة من تلك المنشورات السرية، أقوم بنسخها بخط يدي، أدسها خلسة في الدكان. العملية يسيرة على صبي صغير مثلي.. مما كان يبعث فيّ شعور الاغتباط، وتنامى اعتزازي بذاتي..

لا أدري كيف اقتنع الرفاق بكون أمثالنا من الصبية على جدارة للانضمام لحلبة النضال. تم تقليدنا مع أتراب لي صفة أشبال.. جرى أول اجتماع رسمي سري لنا، بإشراف مناضل متقدم، كان حينئذ معلماً. [الأمر يتعلق بالدكتور محمد الزعبي.. تقلد الدكتور الزعبي عدة مناصب قيادية في الحزب، كان آخرها عضواً في القيادة القومية لحزب البعث، في عقد الستينات من القرن الماضي.. ].

بادرنا الرفيق بسؤال اختباري لوعينا السياسي: ما رأيكم في نظام الشيشكلي…؟ – أجاب الواحد تلو الآخر: أنه نظام ديكتاتوري.. ليس من الحصافة بمكان تكرار ما قاله الآخرون، هكذا بدا لي.. قلت بدوري: يعد ولا يفي.. قال لي: هات مثلاً، قلت: وعد بتحويل مياه شلالات تل شهاب إلى حوران، ولم يفعل.. هز الرفيق رأسه بالإيجاب.. – طرقت تلك الحكاية مسامعي وصدقتها.. وأن كنت لا أدري مبلغ صحتها الآن…؟

منذ تلك اللحظة غدوت أمام نفسي وأمام الملأ بعثياً.. أخلصت لهذا الانتماء حتى النخاع..

إنّي وإن كنت قد تخليت عن الانخراط في التنظيم الحزبي في مستهل السبعينات من القرن الماضي، إلا أنني لم أتخل قط عن اختياري الفكري، وإن كان هذا الفكر لديّ، قد نما وتطوّر وسار سيراً حثيثاً نحو نمط متجدد من الماركسية، في عقد الستينات.. أجل، ولم أزل..

 🛑

على درب التشكل ” في الصبا “

المرحلة الإعدادية (بين عام 1954 وعام1957) – عبرتُ بكل جدارة إلى المدرسة الإعدادية، أصبحت من عداد أولئك الفتيان، وغدوت في عرف نفسي مناضلاً.. ولا غرو ألستَ فتى وفي الصف السادس ووزعتَ منشورات سرية.. وها أنت تشارك في الإضرابات الطلابية…!

ذات مرة، عندما دق الجرس وحانت لحظة الدخول إلى الصفوف، انطلق نفر من تلامذة الصف التاسع وتوزعوا في باحة المدرسة وهم ينشدون. كان ذاك النشيد وقتئذ بحكم العادة، يأتي كإشارة انطلاق للمظاهرة. وكان: [ظهر هذا النشيد أيام الانتداب الفرنسي، وكان ينشد في المظاهرات..]

يا ظلام السجن خيم    إننا نهوى الظلاما

ليس بعد الليل إلا       فجر مجد يتسامى

يا شيشكلي لا تبالي    سوف نسقيك الحماما…

طفقت أنشد بحماس متوقد.. تم حصار المظاهرة في داخل السور، كان تعاون بين الشرطة وإدارة المدرسة..

حينما هاجمت قوى الديكتاتور جبل العرب (عام 1954)، شاركتُ في المظاهرة الشعبية والطلابية التي نظمها حزب البعث في درعا. استطاعت تلك المظاهرة تحويل المدينة إلى ساحة معركة حقيقية..

حاول نفر من الناس مهاجمة الثكنة العسكرية في المدينة، كأنهم يستعيدون أمجاد ماضيهم الكفاحي حينما احتلوا الثكنة العسكرية أيام الانتداب الفرنسي..  تمخض الوضع إلى معركة ذهب ضحيتها عدد من الطلبة والمواطنين.

من نتائج الإضراب الطلابي الأول، تم طرد مجموعة من الطلبة من المدرسة، من بينهم أخي الأكبر، وقد كان في الصف التاسع.. قريباً سيحوز على شهادة الكفاءة.. في الأمر خطورة.

إخلاصاً مني لحقائق الأحداث، أطري على الموقف النبيل لمدير المعهد القومي العربي الأستاذ موفق الشرع وقد بادر إلى ضم الطلبة المطرودين إلى معهده، في تلك المدة.

لم تكن القرية بمنأى عن نضالنا السياسي. كان فيها ركيزة من الشبان والكهول. كنا نتردد إليها بين الفينة والأخرى في أيام العطل.

كان موقع القرية المتوسط بين منطقة ازرع شمالاً وبصرى جنوباً وجبل العرب شرقاً، قد وفر لها موقعهاً إستراتيجياً، جعل منها قاعدة تنطلق منها المنشورات السرية إلى محيطها. أقدم القوميون السوريون على الوشاية بأنشطة بعثيي قريتنا إلى السلطات. لم يدم الأمر طويلاً، جاء الانقلاب، رحل الشيشكلي إلى غير رجعة.

🛑

في ذلك اليوم المشهود، قيض لي أن أشهد عن كثب ما جرى في درعا، يوم الانقلاب العسكري.

لأول مرة في تاريخ البلاد تتحرك ثلة عسكرية مكونة من ضباط صغار لوضع أسس لنظام ديمقراطي، ينزع للتحرر من هيمنة القوى الدولية والإقليمية. [للمزيد من الاطلاع على تفاصيل هذه الحركة ينصح بالعودة لمذكرات الأستاذ أكرم الحوراني، الجزء الثاني ص 1564-1568]

ولأول مرة تنطلق فيه حركة انقلابية من موقع بعيد عن العاصمة. في الساعة الثالثة من فجر يوم (25/2/1954) انطلقت الشرارة الأولى للحركة الانقلابية من حلب. بمبادرة الرائد مصطفى حمدون.. واجهت هذه الحركة مخاطر عديدة، من بينها بعدها عن العاصمة التي تسيطر عليها القوى العسكرية الضاربة للنظام – فضلاً عن خطر التدخل العسكري من قبل نظام نوري السعيد في العراق. ومن قبل قوى مسلحة سورية متواجدة في لبنان والأردن (بقيادة العقيدين محمد صفا ومحمد معروف)

أقدم نظام نوري السعيد وحلفاؤه في المنطقة في الأردن ولبنان، على التلويح بالتدخل تحت ستار دعم الثورة. أعلن قادة الانقلاب بأن حركتهم وطنية تقدمية خالصة، ترفض التدخل الأجنبي، وسوف تقاتل بلا هوادة.

على وقع من أحداث حلب، سيطر النقيب أمين الحافظ في درعا على القطعة العسكرية فيها. كان لتحركه دوراً فاعلاً في نجاح الحركة الانقلابية.

 في ذلك اليوم وبعيد الظهيرة تجمهرنا وعلى مَرآى منا: [أصبح أمين الحافظ رئيساً لسورية في عهد البعث، بين 1964- حتى شباط 1966] حضر أمين الحافظ برفقة الملازم حمد عبيد، مع ثلة من العسكريين، ونصبوا مدافع مضادة للطائرات وأسلحة ثقيلة أخرى على قمة تلة الكرك. كان بوسع هذا الموقع الاستراتيجي قطع الطريق بين الأردن والعاصمة. حضر عدد من الضباط الأردنيين، تحاوروا هنيهة مع النقيب أمين الحافظ. أظهر النقيب أمين الحافظ رباطة جأش، وحزم لا يلين.

في اليوم التالي، انضمت القوة العسكرية في جبل العرب إلى الحركة، وبدأ مسلسل تأييدها يتتالى، من قبل قوى الجيش المرابطة في محافظات البلاد.

كان للمظاهرات الشعبية دوراً هاماً في نجاحها، اتجهت مظاهرة ضخمة في دمشق إلى مقر حركة التحرير- حزب الشيشكلي. وأضرموا النار فيه. كما حطم الشعب اللوحة التي كتب عليها: ساحة أديب الشيشكلي، وعلق مكانها لوحة كتب عليها، ساحة الحرية.

عمت الفرحة البلاد، تنفس الناس الصعداء.. هرب الشيشكلي من البلاد – (حقناً للدماء، كما أعلن) – تم تحرير السجناء السياسيين من سجن المزة العسكري، ومن بينهم قيادة حزب البعث التاريخية: الأقطاب الثلاثة، مشيل عفلق وأكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار.

وضعت تلك الحركة البلاد والمنطقة أيضاً، في ظرف سياسي جديد.. بدأت ملامحه تتشكّل. دخلنا نحن التلامذة في جولة جديدة من النضال السياسي.

🛑

إشراقه جديدة في أفق السياسة

لم يمثل لي عام 1954 مجرد انتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى، إنما كان للبلاد أيضاً نقلة نوعية تركت بصماتها على كل شيء.

تشهد البلاد مرحلة جديدة يمكن وصفها بالديمقراطية، أصبحت المسائل بكافتها تلقى على المكشوف، من دونما وجل..

واصلت القوى الدولية رهانها للسيطرة على مقادير البلاد، من خلال الوكلاء المحليين وأنصارهم.

في المقابل عملت القوى الشعبية بقيادة طلائعها لتعزيز الاستقلال الوطني، وتحقيق العدالة والتقدم الاجتماعي..

كما سيطر على هاجس القوى الحية ومن بينها حزب البعث، توسيع دائرة الحرية والاستقلال والتقدم لتشمل كافة بلاد العرب.

خرجت حركة البعث من تجربة النضال ضد الديكتاتورية قوية صامدة.. تعززت جماهيريتها – بعدما اتحدت مع الحزب العربي الاشتراكي. وكان قد تم توحيد الحزبين بشكل رسمي في شهر شباط من عام 1953.

 لم يكن اندماج التنظيمين مجرد حدث تحقق بقرار أراده القادة، إنما قد تحقق عبر النضال المشترك، علاوة على ضرورات تلك المرحلة المعقدة، الموبوءة بالمخاطر الآتية من كل فج..

كان الحزب العربي الاشتراكي، بقيادة أكرم الحوراني، حزباً جماهيرياً فلاحياً بكل معنى الكلمة، تشكلت قاعدته الفلاحية عبر سلسلة من المعارك النضالية ضد الإقطاع في أواسط وشمال سورية، المتميزة بشيوع النظام الإقطاعي..  [للمزيد من الاطلاع على تفاصيل الحركة الفلاحة ينصح بالعودة لمذكرات الأستاذ أكرم الحوراني، الجزء الثاني ص 1414-1425.]

أظهرت المهرجانات الفلاحية التي نظمها الحزب العربي الاشتراكي، قدرته على جمع حشود الفلاحين. بلغ من اهتمام الحزب الاشتراكي في شأن المسألة الفلاحية، أن طرح لأول مرة في سورية والبلاد العربية، موضوع الإصلاح الزراعي. ظهر ذلك جلياً في المهرجان الفلاحي حلب (في 15/9/1951).

في المقابل، كان حزب البعث، بقيادة مشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، حزباً لمثقفين وطلبة وتلامذة. تجلت مواقع انتشاره في بداياته في الجامعة وفي المدارس الثانوية والإعدادية.

أعطى هذا الاندماج للحزب ديناميكية خاصة، أدت إلى تكوّن الحزب الجماهيري الأوسع نفوذاً والأكثر انتشاراً آن ذاك، في البلاد.

طبع هذا الحزب بكيفية أو بأخرى الحياة السياسية في سورية منذ بحر الخمسينات.. امتد إشعاع الحزب إلى الفضاء العربي الأوسع كتنظيم، واستطاع التأثير في الحركات السياسية العربية الأخرى فكراً ولغةً واهتمامات.

أخذ النضال السياسي في ذلك الحين يصول ويجول عبر مسارات عدة، متصلة بمفاهيم التحرر السياسي والتقدم الحضاري والعدل والوحدة العربية وتحديد الهوية. [ الجدير بالإشارة، إنني أتحدث عن مرحلة الخمسينات تحديداً.. من دون تسويغ الأحداث التي ظهرت في المراحل التالية..]

🛑

في درعا

درعا آنئذ كمدينة في طريق النشوء، لا تملك الكثير من الطرق المعبدة لربط أجزائها. لم تكن خطوط شبكة الكهرباء فيها قد تجاوزت الشوارع الرئيسية في المدينة، لم تتعدَ أنوارها حدود بيوت المدينة الحديثة، بينما اكتفت معظم منازل البلدة، تماماً كحال القرى- بقناديلها الزيتية.

مازال في درعا القديمة آنذاك طريق يخترقها مرصوف بالحجارة المصقولة المربعة، مما يعكس ماضيها التليد. للجانب المديني في درعا سحرها، جذبت إليها أغلب التلامذة فآثروا السكنى فيها على مقربة من المدرسة، في حجرات مزودة بالكهرباء وصنابير الماء.

بينما آثر آخرون ومن بينهم أنا وفتيان قريتنا السكنى في درعا التقليديةـ في البلد.

انطلق هذا الخيار من دافع اقتصادي، ففي الركن التقليدي من درعا لم يتجاوز إيجار الحجرة الشهري الخمس ليرات سورية، ونادراً السبع ليرات.. بينما تراوح إيجار الحجرة في الركن المدني منها، بين العشرين والثلاثين ليرة.

توفر لنا مأثرة أخرى في الركن التقليدي من درعا، لم تتيسر قط لتلامذة الخيار المديني.. دأب الجيران على صنع خبزنا اليومي.. من دقيق القمح المجلوب معنا، فضلاً عن جلب الماء وخدمات أخرى..

🛑

بين القرية ودرعا

في كل عام وقبيل حلول الافتتاح المدرسي بيومين، ينظم أبي رحلتنا مع أمتعتنا إلى درعا.. كان يحرص على رزم كل ما يلزم للنوم ولتحضير الطعام، فضلاً عن الثياب، والكتب، ودقيق القمح، والبقول.

لمّ تكن السيارة التي تصل القرية بدرعا معنية بحمل كل هذه الأمتعة في زحمة روادها، مما أرغمنا على تقسيط رحلتنا إلى درعا.

كنا نرحل أبي وأنا فجراً، سيراً على الأقدام بصحبة حمارنا المتين البنيان.. على أخي الأكبر أن يجلب في اليوم الآتي ما تبقى من أمتعة متواضعة في وزنها.. عبر حضوره في السيارة.

درج أبي في رحلتنا، على انتهاج درب قديم لم يعد مطروقاً.. كان درباً موحشاً لا يطرقه أحد أو بالكاد.. اعتمده أبي لقصره، لكونه يقطع المسافة باستقامة من قريتنا في الشرق، إلى درعا في الغرب، دونما تعرج.

يعبر هذا الدرب بالقرب من ثلاثة قرى، هي الغرية الشرقية والغرية الغربية والنعيمة.. ظهرت لي المسافة بين قريتنا والقرية الأولى بعيدة، يرين عليها الوحشة، يكاد لا يطرق دربها أحد، بينما تقف القرية الثالثة- النعيمة بإطلالتها على تخوم درعا.

ذات مرة، ونحن نعبر المسافة بين قريتنا وقرية الغرية الشرقية حدثني أبي: على تلك الأكمة الصخرية، كانت تلجأ وتكمن عصابات قطاع الطرق، لذا سميت هذه البقعة، ” بقعة الدم “.. لم ترعبني حكاية الطريق هذه أو هكذا ترآى لي.

ذات يوم وقد هاجت أشجاني وأشواقي إلى القرية، حملت كتبي وسلكت ذات الدرب عائداً إلى القرية.

كان الأمر مثيراً للاستغراب.. بعض من مَن رآني عابراً الدرب سألني: ويحك إلى أين.. هل جننت…! – هززت كتفي باستخفاف.. لكنني بمجرد ما لمحت أكمة الصخرية المشهورة ببقعة الدم، ارتعدت فرائصي وانتصبت أشعار رأسي.. حال وصولي.. عنفني أبي..

🛑

الخريطة السياسية في درعا الطلابية – يأتينا التحدي الأكبر في أرض المكان، من قبل الإخوان. في معظمنا نحن البعثيون من أبناء القرى، مع عدد لا يستهان بها من فتيان درعا. [من أوائل البعثيين في مدينة درعا، على سبيل المثال، الأستاذ صالح المحاميد، الذي تسلم عدة مناصب وزارية في أعوام الستينات.. وهناك غيره من عشائر أخرى.]

في حالات الشجار يهبط إلينا.. من حي البلدة جمهرة من الشبان المنتمين لبعض من عشائر درعا، من الذين لا ناقة لهم ولا جمل بالمدرسة ولا في السياسة.. لم يكن الأمر لديهم أكثر من نصرة لأبناء عشيرتهم المنتمين للإخوان المسلمين، في مواجهة أولئك المارقين من أبناء القرى – (القرايا).

في الوسط الطلابي، تركز الخطاب الأساسي للإخوان المسلمين، في تلك الفترة من الزمن – على إنكار الهوية العربية والقول بالهوية الإسلامية، والعداء التام لتعلم المرأة، لتبقى سادرة في جهلها، كي تتمكن من كتابة رسائل إلى حبيبها.

كما أعلنوا الحرب بلا هوادة على كل أشكال التقدم العصري، باعتباره كفر وإلحاد. لم يتوانوا في عداد حملتهم هذه، من نسف دار السينما في الديناميت، عندما أقيمت لأول مرة في المدينة.

لم يكن الخيار السياسي في حوران كموقف وتحزب وعلاقات، متحرراً بالكلية من الهاجس القبلي.

كانت العلاقة بيننا وبين جماعة الإخوان متوترة على الدوام، هم على الدوام في المعسكر المقابل. [لسنا هنا بصدد البحث عن موقف الإخوان المسلمين في البلاد على الصعيد المركزي، الذي يمكن أن يكون متبايناً بدرجة ما عن ما لمسته من مواقف للإخوان في درعا. بيد أنه لا يمكن قطعاً عزل ما انعكس في درعا من مواقف لهم وقتئذ، عن المناخ السائد من فكر واهتمامات ومواقف لدى الجماعة بشكل عام.. أليس هناك على الدوام لدى الأحزاب والحركات صلة جدلية بين المواقف على الصعيد المركزي والكيفية التي تتمثل بها هذه المواقف على المدى القاعدي.. الجدير بالمعرفة أن درعا قد تحوّلت في عهد نظام الانفصال من قاعدة للإخوان المسلمين إلى قاعدة للناصريين، بل والكثير من رموز الإخوان المسلمين في عهدنا كطلبة أصبحوا بقدرة قادر من البعثيين، في العهد المتأخر من سلطة البعث.]

حالما نتظاهر ضد حلف بغداد ومبدأ إيزنهاور يتصدون لنا على الفور.. هل كانوا يرون فينا أنصاراً للسوفييت..؟  لم نكن نعلم حقيقة موقفهم بالضبط من هذه المشاريع، كأن الأمر لا يعنيهم البتة..

كنا مع الشيوعيين على حوار هادئ، يشتد الحوار بيننا حالما نتداول قضية فلسطين.. تبنوا الموقف السوفيتي كما كان عليه من دون أدنى مساءلة. لم يشكل القوميون السوريون في درعا مشكلة لنا.

كنا على تواصل واسع مع أبناء القرى الأخرى، أتاح لنا النضال السياسي التفاعل مع الوسط الأوسع..

تربعت العلاقات والصداقات على قاعدة السياسة.. خرجنا من دون رجعة على علاقات الدين، والطائفة، والمحلّة، والضيعة.. كانت الفكرة وحدها هي المشعر المهيمن على علاقاتنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى