معنى أن يكون المليشياوي قاتلاً والتشريني قتيلاً

  عبد اللطيف السعدون

يتفاخر زعيم منظّمة بدر هادي العامري، شيخ المجاهدين كما يسمّيه مريدوه، بأنّ “المقاومة الجهادية هي التي قضت بشجاعة على فتنة تشرين”، وأنّها بذلك حفظت الدولة كما حافظت على النظام السياسي. ويعيد لنا هذا التصريح مشهد العامري وهو يرفع سلاحه في قتال العراقيين بعد أن تطوّع جندياً ضمن وحدات الجيش الإيراني إبّان الحرب العراقية – الإيرانية، كما يذكّرنا بما قاله مرّةً، ردّاً على سؤال وجّه إليه، إنّه لو نشبت تلك الحرب مجدّداً فسيلتحق بصفوف الجيش الإيراني في مواجهة العراقيين.

ينطوي هذا المسلك على قدر مكشوف من الحماقة والوقاحة لا يقابلهما في القاموس السياسي الشعبي سوى كلمة واحدة، “الخيانة”، خيانة الشعب، وخيانة الوطن، والتماهي مع العدو على نحو يؤكّد، بلغة القانون، وقوع فعل الخيانة مع سبق الإصرار والترصّد. وفي الوقائع الثابتة لحراك أكتوبر (2019)، الذي يعنيه العامري في تصريحه، هناك أكثر من 600 شابّ وشابّة قُتلوا برصاص المليشيات بدم بارد، وجرح نحو 25 ألفاً أو تعرّضت أجسادهم لإعاقات لا يزال بعضهم يعاني منها. والذنب الذي ارتكبوه أنّهم خرجوا إلى شوارع بغداد وساحاتها دفاعاً عن السيادة، وعن الإرادة الوطنية، وللمطالبة بالإصلاح السياسي ومكافحة الفساد، وبناء مؤسّسات الدولة، وإنهاء هيمنة طهران على القرار العراقي. وفي حينها قالت حكومة عادل عبد المهدي إنّ “طرفاً ثالثاً” هو الذي واجه التشرينيين، وقتل مئات منهم، فيما اتّهم مسؤولون حكوميون “الصدّاميين” و”أبناء السفارات” بتدبير تلك الانتفاضة، وشُكّلت لجنة للتحقيق في هذا، لكنّ اللجنة، مثل لجان سابقة، انتهت إلى لا شيء، وقيّدت الوقائع الجرمية ضدّ مجهول.

ويجيء اعتراف العامري اليوم ليفكّ لغز “الطرف الثالث”، وليعزّز ما كان أهل الانتفاضة قد شخّصوه مبكّراً، كما يمثّل إقراراً بالغ الخطورة بتورّط المليشيات، ومنها مليشيا بدر التي يتزعّمها العامري نفسه، في قمع الانتفاضة. وثمّة ملاحظة جديرة بالتثبيت، هي أنّ المسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة على المليشيات من جرّاء أفعالها تقع بالضرورة على من يتزعّمها ويرسم لها خططها.

مرجعية العامري السياسية ليست في بغداد قطعاً، بل هي هناك في طهران

إلى جانب هذا، يحمل اعتراف العامري تهديداً مبطّناً لكلّ من قد تدفعهم حميّتهم الوطنية مستقبلاً إلى رفع أصواتهم، والمطالبة بحقوقهم بوصفهم بشراً، لكنّ العراقيين الذين أرهقتهم أعباء الحياة ومتطلّبات العيش الكريم ليسوا في وارد الانصياع لتهديدات العامري أو سواه من زعماء المليشيات، بل إنّ تلك التهديدات ستجعلهم أكثر شكيمةً وأشدَّ قوّة، وستحفّزهم على تصعيد حراكاتهم الشعبية على النحو الذي يرونه.

لا يعنينا هنا تفاخر العامري بقدرة مليشياته على الفتك بأبناء جلدته (هل هو من جلدة أخرى؟)، بل يعنينا في الصميم ضرورة التصدّي لطروحاته وطروحات أمثاله التي تعبّر عن نفوس أمّارة بالسوء، ويعنينا أيضاً كشف أنّ مرجعية العامري السياسية ليست في بغداد قطعاً، بل هي هناك في طهران، حيث يراد أن تتشكّل “إمبراطورية” إقليمية، تكون بغداد إحدى عواصمها، كما صرّح بذلك أكثر من مسؤول إيراني، في “طموح” غير مشروع يكاد يشبه أحلام العصافير.

وربّما كان مناسباً هنا سؤال العامري نفسه: ما دامت “الجمهورية الإسلامية” مشتبكة في حرب لا أوّل لها ولا آخر في مواجهة الأميركيين والإسرائيليين، فلماذا لا يذهب الى هناك للدفاع عن مرجعيته، وليشارك في مقاتلة أعدائها، ويكفينا شرّه وأذاه؟

يحمل اعتراف العامري تهديداً مبطّناً لكلّ من قد تدفعهم حميّتهم الوطنية مستقبلاً إلى رفع أصواتهم، والمطالبة بحقوقهم

إلى هذا، إذا كان قتلة التشرينيين قد استطاعوا نحو سبع سنوات أن يفلتوا من العقاب الذي يستحقّونه في غياب تقاليد وأعراف قضائية معتبرة، فقد آن الأوان لأن يلقوا العقوبات التي يستحقّونها، ولا يكون ذلك إلا بتنشيط ردّات فعل منظّمات المجتمع المدني وأسر شهداء الانتفاضة، وأن يصار إلى إعداد لوائح قانونية تفي بما هو مطلوب، ونثمّن في هذا المجال ما أعلنه مركز العراق لحقوق الإنسان وحزب البيت الوطني وحركة نازل آخذ حقّي، وما تعمل عليه حركات أخرى، وناشطون، وأسر الشهداء.

وهناك أيضاً القضاء الدولي، وبخاصّة المحكمة الجنائية الدولية التي يمكن أن توفّر مساحةً لجهد قانوني يسهم في فضح الظلم الذي لحق بالتشرينيين العراقيين، وقد يكون مجدياً أيضاً أن يفكّر من يعنيهم الأمر في الاتصال بشخصيات عربية وعالمية للحصول على دعمها ومساندتها.

وفي كلّ الأحوال، حتّى لو لم تؤدِّ هذه الجهود إلى الهدف المطلوب، إلّا أنّها بالتأكيد ستعرّف العالم إلى معنى أن يكون الزعيم المليشياوي قاتلاً والشاب التشريني قتيلاً، وأن تظلّ المسألة قائمةً حتّى يتحقّق العدل يوماً ما، وينصف القضاء دماء الضحايا.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى