
بدت الحروف المحفورة على أبواب الزنازين، وكأنها تنادي بأعلى صوتها، كي تلتفت إليها القلوب العابرة، في مغامرة الخروج إلى النور، بعد سنوات القهر، التي أجبرت الأصابع على حفر الأسماء على أبواب الحديد، قبل أن تمضي في الغياب. ولكن القلوب التي وقفت، أمام صوتها وصورة تكوّنها، هل كانت عابرة حقاً!
قبل حادثة اكتشاف الفتاة لاسم أخيها المفقود في سجون الأسد، على باب إحدى زنازين الفرع 248، في معرض دمشق الدولي، كنت استنكر جلب باب زنزانة إلى معرض عام، على أنه يمثل عبثاً ليس في أدلة جنائية فحسب، وإنما في الذاكرة الوطنية التي أضحت غنيّة وثرية، بحكايات من أُوصدت عليهم تلك الأبواب، وبمصائرهم التي توزعت بين النجاة والموت والاختفاء، طوال ما يزيد على نصف قرن على سجون وفروع أمنية في طول البلاد وعرضها.
تغير موقفي قليلاً، بعد أن توالت قصص اكتشاف الناس لأسماء مفقوديها، عبر باب الزنزانة الحديدي، الصدئ نفسه. لقد أورق الألم مشفوعاً بالأمل مرة أخرى ليعيد مشهد بحث السوريين عن أبنائهم، بعد ما يقارب عامين على اقتحام أسوار السجون وفتح أبوابها. ولكنني قلقٌ من أداء السلطات المعنية بحماية أماكن الاعتقال والتغييب، من عبث غير مسؤول – ربما – كما يتردد اليوم بشأن مطار المزة العسكري، الذي لا يقل ما حدث فيه من جرائم في تدمر وصيدنايا وغيرهما.
سؤال الجمهور
إن دهشة الاكتشاف لأسماء مثل أنس عوض، زهير، ومحمد مطر، فادي وفرات وخليل، والمصير الذي آلوا إليه. أسماء المدن والبلدات: درعا، مصياف وخان شيخون، التي نقشت على الأبواب كي تبقى! تنقلنا إلى صوت تلك الأم الحزينة في الرقة التي رفعت صوتها عالياً، وهي تطالب بمعرفة مصير ابنها الذي اعتقله تنظيم “قسد” في اللقاء الذي جمع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، الأسبوع الماضي. وبين هاتين الحالتين تكمن الآلاف من حكايا الاختفاء القسري للسوريين المغيبين، خلال الفترة ما بين 2011 إلى 2024، ولا تزال ملفاتهم مفتوحة على الأسئلة التي لم تجد أجوبة عنها حتى الآن.
لكن قوة الصوت ووضوحه، تستمد بريقاً لا يخفت، من الفضاء العام الذي شهد تحوّلاً مهماً بإعلان مظلوم عبدي حلّ “قسد”، ليفتح باب الأسئلة الملّحة على مصراعيه، في ملفين أساسيين، يتصلان بالعدالة الانتقالية، فيما يتعلق بالجرائم التي ارتكبها تنظيم “قسد” إبّان احتلاله لمناطق غرب وشرق الفرات، وإدارتها عبر سلطات الأمر الواقع، بماعُرفت به آنذاك بـ “الإدارة الذاتية”.
أما الملف الثاني، فهو معرفة مصير المفقودين، والذي يشتمل على معتقلي داعش، ومعتقلي “قسد”، بمن فيهم الذين تم التحفظ عليهم لسنوات من دون محاكمة ومن دون الإعلان عنهم في سجون قسد، قبل ترحيلهم إلى العراق.
العدالة لا يجب أن تكون بأي حال “انتقائية أو صورية“
تتحمل قيادات قسد (قبل حلّ التنظيم، وبعده) المسؤولية القانونية الكاملة، فيما يتعلق بملف المفقودين، باعتبارها السلطة الوحيدة التي فرضت سيطرتها على جميع المناطق التي انسحب منها تنظيم “داعش” الإرهابي، وبخاصة المواقع الأمنية والعسكرية، بما في ذلك الدوائر المدنية. ولم يصل إليها أحد من المواطنين، أو الفصائل العسكرية التي كانت في مواجهة مع داعش أو نظام الأسد، على خلاف ما حدث في الساعات الأولى لهروب طاغية دمشق، من تدافع الناس إلى المعتقلات والسجون، وفتح أبوابها وتحرير المعتقلين فيها.
ما يعزز هذه الأسئلة المشروعة، هو قناعة السلطة السورية، بأن تجاوز ملفات كهذه، سوف يؤدي الى ظهور مشكلات قد تتعقد، وتستعصي على الحلّ. من هنا يمكن فهم المبادرة التي أطلقتها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بالانتقال إلى الجمهور العام والاستماع إلى أسئلته ومطالبه، حتى وإن لم تكن تمتلك أية أجوبة في اللحظة الراهنة.
فتح المجال أمام النقاش العام في الرقة، تكمن أهميته في أنه لن يمكن إغلاقه في المستقبل من دون الوصول إلى نتائج ما، استناداً إلى معطى مهم يتمثل بحجم الجرائم التي طالت الرقة، منذ النظام الأسدي، إلى التنظيمات المسلحة، إلى داعش، وصولاً إلى تنظيم “قسد”، والتي تشترك جميعها في صبغة الممارسات الإرهابية ضد المدنيين، وفي ذلك تبدو الرقة نمموذجاً مهماً لما حدث في الحسكة ودير الزور وريف حلب، وأن العدالة لا يجب أن تكون بأي حال “انتقائية أو صورية”.
رؤية السلطة ومسار العدالة
ربما يكون المثل القائل “حساب القرايا، ما ينطبق على حساب السرايا” خير معبّر عن الحال التي تربط ما بين السلطة المركزية في دمشق، ومطالب أهالي الجزيرة السورية، فيما يتصل بالعلاقة مع تنظيم “قسد”: سياساته، وجرائمه، ومخلفاته، وموجبات، وأساليب إدماجه.
لقد استغرق العمل ما يقارب العام والنصف، للوصول إلى لحظة حل “قوات سوريا الديمقراطية”، وما كان ذلك ليتم لولا جهودٌ أميركية-تركية ضاغطة وقاهرة. والقهر ذاته تعيشه منطقة الجزيرة السورية، حين ترى اليوم، قادة “قسد”، في موقع الشراكة والقيادة إلى جانب السلطة الوطنية الجديدة، في ظل وجود عامل أساسي هو تغليب المصالحة السياسية، على الإرادات الوطنية بالمحاسبة والمساءلة، حيال “جرائم ضد الإنسانية” ارتكبها هؤلاء القادة، طوال عشر سنوات مريرة، مضت!
إن تغييب العدالة، وتغليب الانتقائية، لا يمكن أن ينصفا الضحايا، أو يستعيد بعضاً من حقوقهم، لكنها يضيفان حيفاً وظلماً جديداً، ومرارة، لا يمكن للفرات ابتلاعها!
لا يتوقف السؤال عن غموض سياسات السلطة السورية، حيال هذا الملف، فحسب، وإنما يتجاوزه نحو مسائل أخرى، تتصل بالسلاح الذي يمتلكه أعضاء تنظيم “قسد” والميليشيات المرتبطة بها، وعن الأنفاق التي تهدد حياة الناس بصورة جماعية في المدن والبلدات، التي حفرت تحتها. وعن الاندماج الذي يعني استيعاب “مقاتلي قسد” في إدارات الدولة، عبر استبعاد المستحقين من أهالي المنطقة، وفي ظل التسويات التي تطول مجرمي الحرب، الذين باتوا شركاء في صنع القرار.
الواقع، إن المواطنين اليوم، لا يجدون أي أجوبة من السلطة. ويعيشيون حالة قلق مشوب بالحذر، حتى وهم يتابعون دخول قوات الأمن إلى الحسكة ومناطق مختلفة. بلا شك هو أمر إيجابي للغاية، لكن حماية مستقبل المنطقة من أي توتر قد يقود – مع الوقت – إلى الانفجار، هو بالغ الضرورة، ولا يمكن أن يتحقق في ظل تجاهل لمطالب الناس/ الضحايا بالعدالة، والتي لا سبيل للاستقرار من دونها. إن تغييب العدالة، وتغليب الانتقائية، لا يمكن أن ينصفا الضحايا، أو يستعيد بعضاً من حقوقهم، لكنها يضيفان حيفاً وظلماً جديداً، ومرارة، لا يمكن للفرات ابتلاعها!
المصدر: تلفزيون سوريا






