
اعتراف دولي مهم بدور النساء في البحث عن المفقودين ينبغي أن يترجم إلى كشف المصير وحماية حقوق الأسر وتحقيق العدالة
ترحب الشبكة السورية لحقوق الإنسان باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 31 آب/أغسطس 2026، من دون تصويت، القرار الذي تقدمت به الجمهورية العربية السورية لإعلان 19 كانون الأول/ديسمبر من كل عام يومًا دوليًا للاعتراف بالنساء الباحثات عن الأشخاص المفقودين
(International Day of Recognition for Women Searchers of Missing Persons).
وترى الشبكة أنَّ هذا القرار يمثل اعترافًا دوليًا مهمًا بالدور الذي اضطلعت به النساء في البحث عن المفقودين، والدفاع عن حق الأسر في معرفة مصير أحبائها والوصول إلى الحقيقة والعدالة.
وتؤكد الشبكة، في الوقت نفسه، أنَّ القيمة الحقيقية لهذا القرار ينبغي ألا تقتصر على الاعتراف الرمزي؛ فتخصيص يوم دولي لا يكشف، بحد ذاته، مصير شخص مفقود، ولا ينشئ آلية جديدة للبحث أو التحقيق أو المساءلة الجنائية. وإنَّما ينبغي أن يمنح زخمًا إضافيًا لحقوق والتزامات قائمة أصلًا، وفي مقدمتها البحث عن المفقودين، وتمكين الأسر من الوصول إلى معلومات موثوقة، وحماية الأدلة والسجلات ومواقع الدفن، وتحديد هوية الرفات، وتوفير الجبر والانتصاف، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
لماذا النساء الباحثات عن المفقودين؟
إنَّ تخصيص يوم للنساء الباحثات عن المفقودين لا يعني أنَّ قضية المفقودين تخص النساء وحدهن، ولا أنَّ النساء وحدهن يتمتعن بحق البحث ومعرفة الحقيقة، كما لا يعني أنَّ جميع ضحايا الاختفاء من الرجال. وإنَّما يعترف بأثر جندري محدد للاختفاء، وبالدور الذي تؤديه النساء في مواجهة هذا الأثر.
في سوريا، كما في نزاعات أخرى، يشكل الرجال نسبة كبيرة جدًا من ضحايا الاعتقال والاختفاء القسري. لكن اختفاء الرجل لا يجعل النساء في أسرته مجرد متفرجات على الانتهاك؛ ففي كثير من الحالات، تتولى الزوجة، أو الأم، أو الابنة، أو الأخت مسؤولية البحث لدى المؤسسات، ومتابعة الوثائق والإجراءات القانونية، وإدارة شؤون الأسرة، وإعالة الأطفال، وحماية الممتلكات، في وقت تبقى فيه من دون معلومات موثوقة عمّا إذا كان المفقود حيًا أم متوفى، أو عن مكان وجوده، أو ما الذي حدث له.
وفي المقابل، تؤكد الشبكة أنَّ النساء أنفسهن أيضًا ضحايا للاختفاء القسري، وأنَّ حقوقهن بوصفهن ضحايا يجب ألا تحجبها صورة المرأة بوصفها باحثة عن قريب مفقود. كما ينبغي التحقيق في ادعاءات العنف الجنسي وغيره من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبطة بالاحتجاز والاختفاء، وفق معايير تكفل حماية السرية، والكرامة، وسلامة الضحايا، والناجيات.
أكثر من 177 ألف شخص لا يزالون مختفين قسريًا وفق توثيق الشبكة
يأتي اعتماد القرار في وقت لا يزال فيه ملف المفقودين والمختفين قسريًا واحدًا من أكبر تحديات حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في سوريا.
ووفقًا لأحدث تحديث لقاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الصادر في 30 آب/أغسطس 2026، لا يزال ما لا يقل عن 177,021 شخصًا، بينهم 4,536 طفلًا و8,984 سيدة، في عداد المختفين قسريًا في سوريا منذ آذار/مارس 2011.
كما وثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 45,365 شخصًا بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية خلال الفترة ذاتها، بينهم 45,038 شخصًا قضوا داخل مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد السابق. وتستند هذه الحصيلة إلى منهجية الشبكة القائمة على معيار «ما لا يقل عن»، ولذلك يُرجح أن يكون الحجم الفعلي للانتهاكات أكبر من عدد الحالات التي تمكنت الشبكة من توثيقها.
وتشدد الشبكة على ضرورة التمييز بين مفهوم المفقود، وهو مفهوم أوسع يشمل كل شخص لا يُعرف مصيره أو مكان وجوده بصورة موثوقة، بصرف النظر عن سبب فقدانه، وبين الاختفاء القسري بوصفه انتهاكًا تتوافر فيه عناصر قانونية محددة. وينبغي أن تشمل عملية البحث جميع المفقودين دون تمييز، مع الحفاظ على التوصيف القانوني الصحيح لكل حالة، وعدم استخدام البعد الإنساني لعملية البحث لطمس المسؤولية عن الجرائم. وقد تبنت المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، بدورها، تعريفًا واسعًا للمفقود يقوم على عدم معرفة مصيره أو مكان وجوده بصورة موثوقة، أيًا كان سبب الفقد.
من الاعتراف إلى نتائج عملية
ترى الشبكة أنَّ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 أتاح فرصًا لم تكن متاحة سابقًا للوصول إلى الأرشيفات ومراكز الاحتجاز السابقة ومواقع الدفن، وربط قواعد البيانات والمعلومات. لكن تغير السلطة لا يغلق ملف المفقودين، ولا يسقط التزامات الدولة المستمرة بالبحث وكشف المصير وحماية الأدلة والتحقيق والجبر، كما لا يمس المسؤولية الجنائية الفردية لمن ارتكبوا جرائم الاختفاء والتعذيب والقتل أو أمروا بها أو ساهموا في ارتكابها.
ويجب أن تكون النساء وعائلات المفقودين شريكات فعليات في هذه العملية، لا مجرد أطراف تُستشار بعد اتخاذ القرارات. ويشمل ذلك المشاركة في تحديد أولويات البحث، وتصميم آليات التواصل مع الأسر، وتطوير سياسات استخدام البيانات، وتقييم أداء المؤسسات المعنية.
كما تلفت الشبكة إلى الأثر القانوني المباشر لاستمرار الفقد على الأسرة؛ فلا ينبغي إجبار الزوجة أو الأسرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على إعلان المفقود متوفى حتى تتمكن من إدارة الممتلكات، أو الحصول على الإعالة، أو معالجة مسائل الحالة المدنية وغيرها من الحقوق. وتوصي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بإتاحة شهادة أو إعلان غياب يعترف قانونًا بوضع الشخص بوصفه مفقودًا، ويحافظ على شخصيته القانونية، من دون افتراض وفاته أو إنهاء التزام الدولة بالبحث عنه. وتشير المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين إلى أنَّ القانون السوري الحالي لا يوفر، حتى الآن، مثل هذه الشهادة، ما يشكل ثغرة ينبغي معالجتها في التشريع الخاص بالمفقودين.
وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى:
- جعل كشف مصير جميع المفقودين والمختفين قسريًا أولوية وطنية مركزية ضمن مسار العدالة الانتقالية، دون تمييز على أساس الجنس، أو المنطقة، أو الانتماء، أو الجهة المسؤولة عن الاختفاء.
- ضمان مشاركة كاملة وهادفة وآمنة للنساء الباحثات ولأسر المفقودين في تصميم سياسات البحث وتنفيذها وتقييمها، وتوفير الحماية من التهديد والانتقام والابتزاز والوصم، إلى جانب تقديم الدعم القانوني، والنفسي، والاجتماعي والاقتصادي.
- حماية الأرشيفات والسجلات ومراكز الاحتجاز السابقة والمقابر الجماعية وغيرها من مصادر الأدلة، ومنع إتلافها أو العبث بها، وضمان التعامل معها وفق معايير الطب الشرعي ومتطلبات حفظ سلسلة حيازة الأدلة.
- اعتماد إطار قانوني خاص بوضع الغياب أو الفقد يتيح إصدار شهادة أو إعلان غياب وفق ضمانات قانونية مناسبة، ويحفظ الشخصية القانونية للمفقود وحقوق أسرته من دون افتراض وفاته أو وقف البحث عنه.
- تعزيز التكامل بين الهيئة الوطنية للمفقودين والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية والمنظمات السورية المتخصصة والجهات الدولية ذات الصلة، مع احترام استقلال كل جهة، وضمان حماية البيانات والسرية والموافقة المستنيرة ومبدأ عدم الإضرار. وكانت الجمعية العامة قد أنشأت المؤسسة المستقلة عام 2023 لتوضيح مصير ومكان وجود جميع الأشخاص المفقودين في سوريا، ودعم أسرهم والناجين والناجيات.
- انضمام سوريا إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ومواءمة التشريعات الوطنية معها، وتجريم الاختفاء القسري بما يتوافق مع المعايير الدولية، والنظر في إيداع الإعلانين المنصوص عليهما في المادتين 31 و32 لقبول اختصاص اللجنة المعنية بالاختفاء القسري في تلقي البلاغات الفردية والبلاغات بين الدول. وحتى 31 آب/أغسطس 2026، لا تظهر سوريا ضمن الدول الأطراف في الاتفاقية أو الدول الموقعة عليها في سجل الأمم المتحدة للمعاهدات.
- اعتماد مؤشرات علنية وقابلة للتحقق لقياس التقدم سنويًا في كشف المصير، وتحديد الهوية، وإعادة الرفات، وحماية الأدلة، والوصول إلى الأرشيفات، وإبلاغ الأسر، وتقديم الدعم إليها، وإحراز التقدم في التحقيق والمساءلة.
وتؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ الاعتراف بالنساء الباحثات عن المفقودين يجب ألا يكون بديلًا عن الحق العام لجميع الأسر، نساءً ورجالًا وأطفالًا، في معرفة مصير أحبائها. كما أنَّ البحث الإنساني، وكشف الحقيقة، وحماية الأدلة، وجبر ضرر الأسر، والمساءلة عن الجرائم مسارات مترابطة لا يجوز فصل أحدها عن الآخر.
دمشق – 2 أيلول/سبتمبر 2026
المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان






