“البديل” يقترب من الحكم.. ماذا يعني صعود اليمين للسوريين في ألمانيا؟

   أحمد طلب الناصر

عادت جولات الانتخابات البرلمانية في ألمانيا لتهيمن على نقاشات اللاجئين السوريين، وترخي بظلالها على مخاوفهم مجدداً، نظراً لتنامي نفوذ حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) وخطابه اليميني المتطرف داخل أروقة الدولة السياسية ومفاصل المجتمع الألماني، وسعيه المتواصل للحصول على أعلى سلطة في البلاد، رغم عمره القصير نسبياً والذي لم يتجاوز 13 عاماً، بالتوازي مع إجراء الانتخابات البرلمانية على مستوى الولايات (Landtag).

ومن المقرر أن تجري الانتخابات في ولاية ساكسونيا- أنهالت في السادس من أيلول، بينما تُجرى انتخابات برلين ومكلنبورغ- فوربومرن في 20 أيلول. وذلك بعد أن أُجريت انتخابات ولاية راينلاند بالاتينات في 22 آذار الفائت.

ومن المتوقع أن يحقق “البديل” فوزاً تاريخياً في ولاية ساكسونيا- أنهالت، ويكسب أول أغلبية برلمانية في تاريخه، وإمكانية تشكيله حكومة بمفرده فيها، ما يثير قلق اللاجئين ومخاوفهم من تفاقم العنصرية في تلك الولاية الصغيرة نسبياً شرقي ألمانيا، ويدفع كثيرين منهم للتفكير بتركها.

عودة ميركل

القلق المتصاعد من اتساع شعبية حزب “البديل” واقترابه من قمّة السلطة، برزت مؤشراته بصورة جليّة مع عودة المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل إلى الواجهة، وظهورها المفاجئ، الأحد، ضمن فعالية في العاصمة برلين، بعد غياب طويل عن الواجهة السياسية، لتحذّر من تنامي نفوذ الحزب اليميني، قائلة إنه بات يهيمن على النقاشات السياسية في البلاد، وينجح في فرض موضوعاته على الحوار العام.

يأتي هذا الظهور قبل أسبوع من انتخابات ولاية ساكسونيا- أنهالت، التي تؤكد الاستطلاعات بأن نتائجها محسومة سلفاً لصالح “البديل”، على حساب حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي/ CDU” الحاكم، الذي تنتمي إليه ميركل.

ودعت المستشارة السابقة المواطنين إلى “الدفاع عن الديمقراطية”، لافتة إلى أن الجدل السياسي أصبح يدور بشكل متزايد حول القضايا التي يطرحها حزب البديل، محذرة من أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على شرقي ألمانيا بل امتدت لتشمل الولايات الغربية أيضاً.

بالمقابل، أشارت ميركل إلى أن الغالبية العظمى من المواطنين لن تصوت لصالح حزب البديل، ولكن المشهد يتطلب “الدفاع بحزم ووضوح عن القيم والمبادئ الديمقراطية”.

تقدم “البديل” وتراجع في شعبية الحزب الحاكم

وأظهر استطلاع للرأي أجري في الآونة الأخيرة أن ‌حزب ⁠البديل من أجل ألمانيا يتصدر بقوة في استطلاعات الرأي بنسبة بلغت 42 بالمئة مقارنة مع 22 بالمئة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ​المحافظ، برئاسة المستشار الألماني الحالي فريدرش ميرتس، في تطور سياسي لافت يعكس تغير المزاج العام داخل ألمانيا، وتصاعد حالة عدم الرضا عن الوضع السياسي وأداء الحكومة الاتحادية الحالية.

وبالعودة إلى شهر أيار الماضي، أظهرت نتائج استطلاع أجراه معهد INSA أن غالبية الألمان تؤيد إجراء انتخابات برلمانية مبكرة. وجاءت أعلى نسبة تأييد لفكرة الانتخابات المبكرة بين أنصار حزب (AfD)، فيما أبدى أيضاً عدد كبير من مؤيدي تحالف (BSW) اليساري، و”الحزب الديمقراطي الحر” (FDP) دعمهم لفكرة الذهاب إلى انتخابات جديدة.

أما أنصار CDU/CSU، فكانوا الفئة الوحيدة التي غلب فيها رفض الانتخابات المبكرة، وفق نتائج الاستطلاع. كما أظهر الاستطلاع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى المستشار ميرتس وأداء الحكومة الاتحادية، في ظل استمرار الجدل حول ملفات الاقتصاد والهجرة والطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة.

“البديل” يتوعد اللاجئين

ويُظهر حزب “البديل”، المعروف بتشدده إزاء اللاجئين وقضايا الهجرة، ثقة كبيرة بشأن وصوله إلى السلطة، ليس على مستوى الولايات فحسب، بل على المستوى الاتحادي أيضاً بما في ذلك منصب المستشار. وهذا ما بدا واضحاً في تصريحات زعيمة حزب البديل، أليس فايدل، ضمن مقابلة بثتها القناة الثانية الألمانية ZDF الأسبوع الفائت.

وخلال اللقاء، تبنت فايدل خطاباً أكثر تشدداً إزاء ملف الهجرة، منتقدةً السياسة الأوروبية في مجال اللجوء، وقالت إن ألمانيا تعاني من مستويات مرتفعة من الهجرة غير القانونية وأنها “لم تعد تتمتع باليقين القانوني”. كما طالبت زعيمة “البديل” بزيادة عمليات الترحيل وتقليص منح الجنسية للأجانب، وقالت إن جميع السوريين البالغ عددهم نحو 1.3 مليون شخص في ألمانيا ينبغي “إعادتهم إلى وطنهم”.

من اليورو إلى العنصرية “الانتقائية”

“حين تأسس حزب البديل، في 2013، كانت أهدافه لها علاقة بإخراج ألمانيا من منطقة اليورو ومعارضته لإنقاذ الدول الأوروبية الضعيفة اقتصادياً في ذلك الوقت، مثل إسبانيا واليونان. وهذا الشيء لم يكن له أي انعكاسات على الأجانب في ألمانيا حينذاك”، بحسب ما يوضّح الأكاديمي السوري- الألماني وسيم المطر.

ويضيف المطر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “وبعد موجات اللجوء، التي صدف أن تزامنت مع نشوء حزب البديل، توسعت قاعدة الأخير وتغيرت أهدافه، مستخدماً شعارات مواربة ومطاطة مثل: المحافظة على العادات والقيم الألمانية، وهذا الشعار تمكن من جلب جميع العنصريين والمناهضين للأجانب وللأديان الأخرى للانضمام في صفوف الحزب. وأضحى اليوم أكبر تكتل عنصري معروف، وتجاوز عتبة الـ5% (العتبة الانتخابية)”.

ويلفت المطر إلى أن العرب والأفغان عموماً، هم من أشد المحارَبين من قبل حزب البديل، كونهم من المسلمين، الذين يعتبرهم الحزب من أكثر المكونات التي بمقدورها تغيير المظهر العام الألماني، من لباس وغطاء رأس، وعادات وتقاليد مختلفة تماماً.

ولم يقتصر عداء الحزب على شرائح معينة من أولئك اللاجئين، كمرتكبي الجرائم مثلاص أو العاطلين عن العمل، وإنما توعّد حتى أصحاب الشهادات العلمية منهم، بمن فيهم الأطباء الذين تعتمد عليهم ألمانيا اعتماداً يفوق اعتمادها على الأطباء الألمان أنفسهم.

وتصاعدت انتقادات حزب البديل للأطباء الأجانب وخصوصاً السوريين منهم، واعتماد ألمانيا عليهم، ويدعو في برنامجه الانتخابي بولاية سكسونيا-أنهالت إلى عدم الاعتماد عليهم مستقبلاً، مبرراً ذلك بـ “حواجز اللغة والاختلافات الثقافية”، إضافة إلى التشكيك في مؤهلات بعض الحاصلين على شهادات طبية من الخارج.

وفي مطلع هذا الأسبوع، حذر رئيس نقابة الأطباء الألمانية، كلاوس راينهارت، من استغلال النقص في الأطباء لأغراض سياسية. وقال راينهارت إن الأطباء الأجانب “لا غنى عنهم” في ألمانيا، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً منهم يعمل في المستشفيات وعيادات إعادة التأهيل والرعاية الطبية خارج المستشفيات، وخاصة في المناطق الريفية، حيث هناك حاجة ماسة إليهم.

ويكشف المطر أن الأغلبية من مناصري حزب البديل هم من الأشخاص “غير المثقفين، ومن أبناء الطبقة العاملة، أو البروليتاريا، المتأثرين بالنظام الاشتراكي، ويصدقون أي شيء ينتشر عبر وسائل إعلام أوروبية من مخاوف إزاء المسلمين، وإشاعات حول سيطرتهم على البلاد وطرد أصحابها منها. لذلك نلاحظ أن غالبية أعضاء الحزب ومناصريه ينحدرون من مناطق شرقي ألمانيا، التي كانت تهيمن عليها الشيوعية في السابق”.

أصوات الأجانب بين “البديل” و”الاشتراكي”!

جميع الأحزاب في ألمانيا، يتمثّل اختلافها مع حزب البديل حول أفكار لا تشكّل العنصرية محورها الأساسي، وإنما حول مناصرة “المثلية” مثلاً، فالبديل يرفض المثلية ويعتبرها دخيلة على المجتمع الألماني، بينما تناصرها بقية الأحزاب “كي لا تُنعت بأنها عنصرية”، بحسب المطر الذي يضيف: “أما العرب والمسلمون، فهم يلتقون مع البديل في قضية رفض المثلية، لكنهم ضده بسبب موقفه المتشدد من اللاجئين، وتصريحات زعيمته فايدل التي تخرج كل يومين لتصرّح بأن أول الأمور التي ستنفذها بمجرد وصول حزبها إلى السلطة، ترحيل السوريين وبعدهم الأفغان، ثم التركيز على الخروج من منطقة اليورو”.

أما العرب بشكل عام، فيقول المطر إنهم “ما يزالون في حيرة من أمرهم بشأن منح أصواتهم بعد تفرق الأحزاب الثانية وضعفها مقابل البديل، لذلك سيمنح الغالبية أصواتهم إلى الحزب الاشتراكي الألماني (الحزب الديمقراطي الاجتماعي/SPD) من أجل تيسير أمور منح الجنسية”.

ويبيّن بأن الوضع الاقتصادي العام واستخدام شعارات “إعادة مجد ألمانيا” جعلت الكثير من الألمان وغيرهم ينضمّون إلى الحزب.

والمثير للاستغراب والسخرية أيضاً، يضيف المطر، أن الكثير من الإيرانيين والأتراك وأجانب آخرين، من قدامى المقيمين في ألمانيا، ومن الذين عاشوا فيها مراحل ما قبل الأزمات (الاقتصادية- كورونا- اللجوء… إلخ) جعلتهم ينظمّون إلى الحزب ويناصرونه.

كلمة السر.. “معاداة السامية”

وفيما يتخوّف كثير من اللاجئين السوريين الذين تواصل معهم موقع تلفزيون سوريا، من وصول “البديل” إلى سدة الحكم في ألمانيا، يستبعد الأكاديمي السوري وسيم المطر إمكانية أن يشكّل حزب البديل “حكومة بمفرده”.

ويقول المطر إن “أي حزب آخر سيحاول الدخول مع البديل لتشكيل حكومة، فسيندرج في خانة الأحزاب العنصرية، وبالتالي سيندرج أوتوماتيكياً في خانة (معاداة السامية)، هذه العبارة التي يكفي نطقها في ألمانيا بأن تغيّر سياساتها الخارجية بالكامل. وبالطبع لن تسمح (الدولة العميقة) في ألمانيا لحزب لم يتجاوز 13 سنة من العمر، بأن يغيّر استراتيجية البلد التي تعب عليها وعلى تغييرها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل ٧٠ سنة، وما زال يدفع ضريبتها من اقتصاده حتى اليوم”.

الجانب المتعلق بـ “معاداة السامية” يدرك الحزب الحاكم في ألمانيا أهميته جيداً، وهذا ما دفع بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس للخروج بتصريح، الإثنين، قال فيه إن “حق إسرائيل في الوجود غير قابل للتفاوض، وألمانيا ستدافع عنه بما في ذلك عسكرياً.

بالمقابل، يرى المطر أن المشكلة الحقيقية التي تثير المخاوف في ألمانيا في حال فوز البديل في الانتخابات الاتحادية، ولم يسمح له بتشكيل حكومة، فإن هذا من شأنه أن يثير “انقساماً شعبياً، وحقداً دفيناً لدى شرائح معينة، وفوضى عارمة في البلاد يرافقها تهييجاً عرقياً وشحناً عنصرياً، قد يدفع لأعمال عنف ضد الأجانب واللاجئين”.

أما عمران ناصر، أحد السوريين الذين نالوا جنسية البلاد عقب لجوئه إليها بعد اندلاع الثورة السورية، فيؤكد من جانبه أن هواجس الخوف من نتائج الانتخابات تسري داخل أوساط طالبي اللجوء السوريين والخاضعين لبند الحماية في ألمانيا، “أما الألمان، بمن فيهم المجنسون من السوريين، لا يأبهون كثيراً بنتائج الانتخابات”.

ويشير في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن غالبية الألمان اليوم، ونتيجة تغيّر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ليست لديهم مشكلة في وصول “البديل” إلى الحكومة، من منطلق قولهم: “دعونا نجرب”.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى