
حكايات العم عطا
ليست جدتي وحدها مصدراً لثقافة السوالف لدي، إنما قد تنطع لها بدوره العم عطا.
في تلك الأماسي الصيفية العذبة، حالما يتخذ العم عطا مقعده على الحجر المربع الأسود أمام داره، نهرع نحن الصبية للتحلق حوله، جالسين القرفصاء على سبيل متعة الإصغاء إلى ” سوالفه ” الطريفة.
عالم العم عطا في سوالفه متنوعاً، لم يكن كجدتي متقوقعاً في حلبة الغيلان والأشباح، يتنقل من ساح إلى ساح.. مرة يجري لسانه مسهباً في عوالم الخرافة.. أميرة وجن وكنز مرصود- وأخرى مع الأمير البدوي في غزواته ومغامراته العاطفية – وثالثة مع الحرب والطعان- ورابعة مع الجن والجان.. يطرق كل الأبواب دونما تردد أو حساب.
لم يتورع في أقاصيصه عن الإطناب في ذكر أقاصيص الحب المحرم.. عالم القصص وحده يبيح الخروج على المكشوف، عن عالم الممنوع في المألوف.
في البداية، أدمنت على حضور أمسيات العم عطا، بيد أنني قد لاحظت، كثيراً ما كان العم عطا يعيد سرد حكاياته، حتى حفظناها عن ظهر قلب.
دأب العم عطا كل مرة يطنب في الاستزادة ولا يردعه رادع من تحويرها وتغيير مسراها، يلج من الواحدة إلى الأخرى، تفقد الحكاية أصلها وأصالتها، حسبما وردت لنا في أول عهدها بنا.
نحن الأطفال، يحلوا لنا أن نرى لدى القصص مذاقاً حقيقياً، نعيش عوالمها كأنها حقيقية.
بعد لأي وعلى حين غرة، تجرأت وقلت للعم عطا ” لم تكن تلك الحكاية هكذا قبلاً يا عم عطا “.
رحت في كل مرة أتصدى لتصحيح مروية العم عطا، حتى ضاق ذرعاً مني، وطردني شر طردة..
فقدتُ متعة المؤانسة، ورحت من بعيد أرمق الجلسة. لم يكتفِ العم عطا بعقوبة طردي، إنما أشتكى أمري إلى أبي، فعنفني. [يبدوا لي، أن القاموس الشتائمي في لغتنا المحكية.. لا مثيل له لدى الثقافات الأخرى.. بالمقابل، إن لغتنا الفصحى أقل اكتنازا بمثيلها.. – وبهذه المناسبة، إن بوسع لغتنا الفصحى قديمها وجديدها رفع ذائقتا في المحادثة.. ناهيكم عن مرونة ووسع التعبير في قضايا التفكير.. — أنتم يا أصحاب الدعوة للانحدار إلى اللهجات المحلية…!! تريدون دفعنا إلى البدائية.. ( لا يعني قطعاً عدم وجود صور رائعة في الشعر الشعبي.. الذي بدوره يمتح من معين فصحانا..)].
لم يقف الأمر عند هذا الحد، إنما غدوت أمضي الأماسي وحدي.. والصبية كل الصبية يتحلقون حول العم عطا، وأنا الوحيد الطريد، ارمق الجلسة من بعيد.
لم أعد مكترثاً بحكايات العم عطا.. بيد أنني قد سئمت الوحدة.. تأملتها ووجدتها عقوبة لا معنى لها.. تفاقم حس الغبن في أعماقي.. طفح الكيل بي.. وقد كنت على شقاوة.. قلت في ذاتي: لا بد أن أسترد كرامتي، من هذا المأفون المسمّى عطا.. أيها الخرتيت.. ” يا ابن.. “الشتائم تزورني من كل القواميس، بعضها قد ابتدعته من لدني.. قررت شيئاً.. وازداد إصراري.. لأكوننّ ككاسر مزراب العين.. ولأفعلنّ.. وأفعلنّ.. سيعرفون من أنا. سأكون أنا.. أنا الحكاية، لم لا ؟ – ذاتي تخاطب ذاتيَ. ارتفعت في جوانحي على وتيرة القهر، حمّى العنف والثأر.. ” ذات يوم، وقفت من بعيد، أنظر العم عطا وهو ” يهرت ” الصبية أترابي كلهم آذان..” لا.. لن أكون جرن الأحزان.. لست العنزة الجرباء لا يقربها إنسان.. هيا.. تشجع يا ذا.. وأصرع هؤلاء ” الدشمان..”
شددت من عزائمي، حللت مقلاعي من زناري.. وقد غدوت رامياً ماهراً.. أطلقت لها العنان.. بدأ منجنيقي الصوفي يلقي تباعاً حجاراته.
صممت في البداية، أن تكون رماياتي على تخوم حلقة الجلسة، لا عليها.. فرغبتي ترويعهم وتبديد شملهم، لا أكثر.. وتعكير مزاج هذا العطا، وما ذا أحلى، من ذا! احتمى الصبية وراء الحيطان.. شتموني بشتائمهم الكبرى.. أمي.. أبي.. جدي.. ربي كلهم غرقوا في بحر الشتائم.. لم يعفوا عن شيء بما فيها الأعضاء الحميمة.
لا يهم.. قلت في ذاتي.. ربي عليه تدبير شأنه معهم.. ولم هو رب إذن…!! مقلاعي يذود عن عرضي.. طافت في رأسي كل هذه الصور.. وأنهمر.
وأنا في حمى المعركة الحامية الوطيس، بين مقلاعي وشتائمهم.. كنت أردد.. مع كل ضربة مقلاع..” خذوها من أبي زيد الهلالي “.
تفرق الصبية.. بعدما أحسوا بولوج أبواب الخطر.. ومع تعالي وتيرة غضبي، شرعت تقترب منهم حجارة منجنيقي… العم عطا كالهر اختفى.
حل الظلام.. راحت السكرة وحلت الفكرة.. بدأ الندم يدب في رأسي ومفاصلي.. ويحي ماذا صنعت.. وأبي…!! بدأت أفكر.. ورأيت، في هذه الليلة لن يكون بوسع العطا رؤية أبي. وفي الصباح رباح، كما كانت تقول جدتي. حينما لاح الصباح.. أطلقت ساقي للرياح، رحت أعدو بعيداً وحيداً وراء البيادر والحواكير والحقول، تعمقت في السهول.
كدأبي التجأت إلى الأكمة الصخرية التي تحمل اسم جدي.. وبدافع لا شعوري اعتدت للجوء إليها.
جلس بعضي على صخرة ومددت ساقيّ.. أتأمل في هذا الكون الشاسع.. رحت أفكر.. أتأمل بؤسي في يومي وشقاوتي في أمسي.
في لمحة خاطفة، وأنا في طواف الذكرى.. تذكرت، أنني في غمرة رماياتي كنت أتغنى بأبي زيد الهلالي. تذكرت ما كنت أسمعه لدى خالتي، التي أدمنت على رواية سيرة بني هلال.. وتساءلت، أتكون تلك الحكايات قد مسها التطويل والتطبيل.
طارت بي التساؤلات إلى تذكر القصص الدينية، التي كانت أمي تذكرها بين حين وحين.. ثم تذكرت قصص الخوري وما يسرده من حكايات عن أسفار العهد القديم.. هل يكون كل هذا، على مجرى حكايات العم عطا…!! بدأت أرتعد.. توقفت عند هذا الحد.. لم أكن معنياً آنذاك بالعثور على جواب، وما همي سوى النجاة من العقاب، وربك التواب.
حل الظلام برهبته.. في ظله رحت أجر خطاي، وئيداً، متثاقلاً.. وأنا جاهل فيما سألقى.. وجدت ذويّ بانتظاري، والقلق قد طاف بهم طوال النهار حتى لحظة حضوري.. بحنان أبوي استقبلني أبي.
في دفاعاتي عن نفسي.. بصوت مرتجف رحت أقول.. يا أبتي: أنه يهذر، ويهرت.. يجول ويصول دون رادع، فتفقد الحكاية أصلها. – ضحك أبي، وقال: دعك منها، إنها سوالف العم عطا.. لا تعد لها أبداً يا بني.. – بجلدي قد نجوت، وركنت.
رحل العم عطا وأبي والآخرون، إلا أنّ حكايات العم عطا راحت مثلاً يحتذي.
منذ تلك اللحظة، راحت كلمة أبي مثلاً سائراً في القرية.. غدت معها حكايات العم عطا مثار تندر بريء، يأتي على لسان الأجيال المتتابعة في قريتنا.
بدوري، غدوت مع الأيام أتعاطى ببهجة مع حكايات العم عطا..
ولقد ازداد إكباري لها وللعم عطا، حينما عثرت في زمني- ذا، على مقولة للباحث الألماني جنكل Gunkel وهو يغوص باحثاً في حقل تشكّل التوراة، وقد بدا لي، كما لو كان جليسنا في حلقة العم عطا.. [مقولة جنكل” مرويات التوراة لا ترقى في أصولها الأولى لأكثر من حكايات لمسامرات في ليالي شتوية، تجلس فيها العائلة حول نار هادئة، تصغي بشغف إلى أقاصيص القدماء المثيرة للدهشة، ونحن بدورنا نمد آذاننا للإصغاء إليهم]
لله درك يا عم عطا.. لكم كنت معلماً وحكيماً وذي بصيرة.. دونما أعلم!!
🛑
الليل والقمر والأطفال وأنا
مازلت أتذكر: في الليالي التي يختفي فيها القمر، ويغمر الفضاء بحر من الظلام الدامس، تغرق في لجته الدور والحقول والبيادر والروابي الصخرية والسهول الممتدة إلى البعيد.
يحاول ناس القرية فيها مقارعة الظلمة بأدواتهم البدائية.. وماذا بوسع مصابيح زيت الكاز والفانوس والسراج الزيتي، أن تفعل في عتمة هذا الكون الغارق في لجة العتمة.!
على تخوم هذا الضياء الشحيح، كانت ترتسم بين الفينة والأخرى خيالات لأشباح تتراقص باعثة الرعب الهائل في قلبي الصغير..
بيد أن رهاب الظلمة وأشباح الليل التي كانت تستحوذ على كياني، لم يقف قط حجر عثرة أمامي في الانصياع لجاذبية متعة اللعب مع أقراني، في الليالي المقمرة ونصف المقمرة.. فنداء الطفولة كان أقوى من رؤى الأشباح، ولعل للقمر قدر من الأثر في قهر الخواف الكامن لدي.. الأشباح تختفي من مخيلتي ونحن نجري بين الأزقة وبيادر القرية.. رهاب الليل يرحل عني ونحن نجري. في لهونا نغفل عن الكون، حتى لو غرق في الظلمة الحالكة إثر غياب القمر.
لا يستمر الأمر على هذا الوتر، اللحظات المخيفة وأحاسيس الرعب لا محالة آتية، أعاني فيها الأقسى والأمر.
يخفق فيها قلبي وينتصب فيه شعري من قمة رأسي حتى قدمي، وأغرق فيه بسيل عاصف من العرق.
تحتل دارنا موقعاً متطرفاً، في أقصى رأس الزاوية الشمالية الغربية من القرية، على مسافة قصيرة لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار من المقبرة، الواقعة على ربوة صخرية (رُقة تحمل اسمها)، عُرفت باسم “المجنّة ” (من جنون الخوف، ربما).
في خاطري يدور على الدوام، في كوني عاثر الحظ، مع دار لها مثل هذا الموقع المرعب.. لكم كنت أتمنى أن تقع دارنا في وسط القرية، أو أي مكان آخر تغيب فيه عن ناظري تلك المقبرة المخيفة.
كنت أكره تلك اللحظة، وأحاول التحايل عليها.. بيد إنها آتية بلا ريب بعتمتها بأشباحها وغيلانها.. ها قد آن أوان العودة.. لا مفر. لا بد لي من أن أأوب بدوري إلى داري ولا رفيق لي.. لم يكن بوسعي إظهار جبني.. ومن دأبي التباهي أمام أترابي برباطة جأشي.
اللحظة الحرجة آتية، في آخر المشوار، بين آخر دار في القرية ودارنا.. أطلق فيها ساقي للريح.. أدخل في سباق مع الأشباح، وقد دأبت مخيلتي على وضعها متربصةً بي في الهوّة القائمة في الحاكورة، على الجانب الغربي من الدرب الضيق، حيث لا أثر لدار أو بصيص لنور ونار.
لم تكن لمقلاعي أية قيمة هنا، لا تنفك غافية في زناري.. لم أتحسسها.. أشباح الغيلان لا يطردها أمثال تلك الأداة ولا غيرها.
أدير رأسي باتجاه دار الجوار، لأتحامى عن رؤية الأشباح الكامنة في فراغ الهوة، أقفز كالعفريت (حسب القول الدارج) وكنت قد خبرت مثل هذا القفز تحت قصف الخوف.
أتسلق بسرعة البرق، ملقياً بذاتي عبر الفراغ الضيق القائم بين الطرف الأعلى للباب المصفح بالتنك والسقف.. حال تلامس قدميّ أرض الدار تتلاشى فيّ أحاسيس هلعي، يعود شعري وخفقان قلبي إلى نظمها الأصلي.. تتوارى غيلان جدتي وضباعها لدي في ضوء النهار، أنسى وجودها. ذات يوم قالت لي جدتي: الضباع تخشى النهار وتختفي عن الأنظار..
أنسى غيلان جدتي في ليالي الصيف المقمرة، حينما يأتي نوره الفضي ليضفي السحر والبهاء على ليالي القرية، ويبعث في الناس والأمكنة رحيق النشوة.
تلفظ الحجرات الرجال والنساء إلى أسطح الدور ليتسامروا، ينطلق الصبية إلى البيادر والأزقة يلعبون ويهزجون، الجميع في تناغم بديع.
في تلك اللحظات السعيدة.. يتبدد في جوانحي رهاب الظلمة، وتتوارى عني أشباح جدتي وغيلانها وضباعها.. لعل لدور القمر في بعث النور وقهر أشباح الليل في مخيلة الناس في قريتنا ومحيطها.. والبشر فيما مضى، هو ما حدا بهم للخروج جماعات، جماعات لقرع الطبول وإقامة الشعائر والابتهالات، لإنقاذ القمر من جوف التنين، حين يعبر بظاهرة الكسوف.
ما زالت ذاكرتي تختزن مقطع من أغنية قمرية ذهبت إلى النسيان، كان يهزج بها صبيان وصبايا القرية، احتفالاً وتمجيداً للقمر، يقول المقطع- ” يا قمرنا يا عالي يلي نجومك بتلالي “.
لا يخامرني الشك بكون المقاطع الضائعة من الأغنية، تخفي في طياتها هالات من التعظيم بالجلال القمري، المتسلل من ميراث ألوهية القمر، في ماضي البشر. وماذا يعني العلا للقمر هنا يا ترى…؟ أما كان العلي أحد ألقاب الإله فيما مضى.. وبماذا ترمز نجوم الأغنية، وهي تدور متألقة في فلك القمر…!
هنا، هاهنا، ما برح القمر يأتي لنا، كشقيق للشمس، يضيء ليل الإنسان، ويطرد كالشمس الظلام، والخوف، والأشباح، والغيلان.
يراودني في يومي.. هل يحق لنا أن نتحدث هنا عن ثقافة القمر الآتية عبر تمجيده.. تماماً كما يحق لنا التحدث عن ثقافة الكهرباء…!!
هي ذي الكهرباء، قد حررت الناس من عالم الأشباح والغيلان. وأضاءت عوالم أخرى لا صلة لها بالعالم الخرافي.
نفسي تهمس لنفسي.. هوذا التلفزيون والفضائيات والعالم الافتراضي.. قد أفرز بذاته ثقافته.. وأليست الكهرباء هي الينبوع في هذا السطوع…!!
🛑
بنين وبنات
لم تكن الطفولة في قريتنا تعرف الفصل بين الجنسين. مدرستنا مختلطة فيها البنون والبنات. نلعب معاً في الخلوات، خارج القرية، في البيادر أو في الحواكير، دونما رقيب. تقودنا صبية تكبرنا عمراً. دأبت تلك الصبية أن تقترح علينا لعبة العروس والعريس. كنا نقوم بهذه اللعبة دونما حرج. مجرد مشهد تمثيلي، تنتظم فيه طقوسَ العرس والزفة والأغاني المحببة، بالاعتماد على أدواتنا المصنوعة من صفائح التنك والحجارة المصقولة..
ذات يوم ما حضرت تلك الصبية مع رفيقتها دارنا، قالت لي: لنلعب لعبة الأب والأم. هيا ندخل هذه الحجرة، إشارة منها للحجرة المهملة المجاورة لمدخل الدار..
دلفنا، داخل الحجرة رفعت ثوبها إلى أعلى، دعتني لنزع سروالي.. عن كثب ترمقنا الفتاة الأخرى، قلت: لا أنزع حتى ترفع الأخرى ثوبها.. رفضت هي.. وانأ في موقفي قد تمنعت.
على حين غرة دخلت جدتي، أدهشها ما بنا.. عنفتنا.. طرَدت الفتاتين شر طردة.. قالت لي: حذاري يا بني، سوف يؤدي بك مثل هذا الفعل الشنيع إلى السجن.. خرجت من الدار خجلاً، وسرت هائماً.. بين البيادر هلعاً. تذكرت شذى الصغيرة والرب المخيف.. ثم التهديد في السجن، وهذا التعنيف.. تملكني الخوف وحاذرت كل طيش.
🛑
على الرابية بين الصخور
ذات يوم من أيام الصيف.. تاقت نفسي أن أخرج بعيداً مع أترابي للتجوّل في تخوم القرية.
قلت لجدتي: ها أنا يا جدتي راغب في مرافقة أترابي لجني عرق السوس، من خلف الربوة الصخرية – الرُقة، المسماة ب ” رُقة السوس “.
درج الصبية على الذهاب إليها، لاقتلاع جذور السوس ونقعه في الماء الممزوج بالسمسم، يضعونه في قوارير ليستسقوا منه أثناء اللعب.
مشجعةً إياي: هيا اذهب.. قلت لها: هل يوجد الضبع خلف تلك الرابية؟
ضحكت وقالت: الضبع يخشى ضوء النهار ويهرب.. قلت: والغيلان؟
قالت، أنتم كثرة والغيلان تخشى الكثرة.. – لماذا تخاف ولديك المقلاع وللأولاد مقاليعهم..
تحزمت بسلاحي مقلاعي.. وقصدت مع الصبية تلك الرابية الواقعة على مسافة فرسخين من القرية.
كانت الرابية بمثابة هضبة صخرية صغيرة، حافتها المقابلة للقرية تتكون من صخور حادة متعددة الأشكال، يعلوها مساحة مسطحة تجمع بين الصخور والأتربة، ينحدر الطرف الصخري المقابل، ليصل إلى موقع سهلي ينبت فيه عرق السوس.
جلنّا حفاة، فالحذاء كالدفاتر والكتب من شأن المدرسة. كنت قد تعلمت من صبية القرية، أن الحذاء يعيق عن الحركة..
تخليت عن حذائي المحمول معي من حيفا.. حالما لمست كون صبيان القرية أكثر سرعة مني، عزوت ذلك للحذاء.
تخليت عن آخر ما بقي لدي من مآثر مدنية حملتها من حيفاي.. قبل التخلي عن حذائي الحيفاوي، تخلصت بطواعية عن بنطالي القصير، الذي سبب لي متاعب وإحراجاً مقيتاً من قبل الصبية في القرية..
اعتاد هؤلاء الصبية عندما يشاهدونني في بنطالي القصير، الترنم على الفور بنشيد ” الضرطلة ” مرددين بصخب ” لا بس ضرطلون “. كنت أعود مهرولاً، باكياً إلى دارنا.
لاكتفاء شر الصبية تخليت عن بنطالي القصير مرغماً، فاقداً الرمز العزيز لذكرياتي في حيفا.. ارتديت السروال الأسود ذي الفرج الواسع والمريح، الضيق من نهايته السفلية، وتخلصت من هم وغم ” الضرطلة “.
فقدت قدماي كغيرها من أقدام الصبية طراوتها، تسلحت بقشرة كثيفة تشكل حماية من الأرض الصلبة والحصى والأشواك.
كأترابي، لم أعد أكترث بوخز الشوك ولا بفعل قطع الزجاج ولا صدمات الحصى والحجارة ولا بكدمات الصخور. غدت آثارها كتضاريس جغرافية دائمة لأقدامنا وسيقاننا، لا نأبه بها.
شرعنا نتسلق الرابية لقطعها والانحدار خلفها، كنا نقفز بخفة الأرانب، من صخرة إلى صخرة، فجأة وعلى حين غرة ظهر بين إقدامي أفعى سوداء، ربما ثعبان، قفزت بأقصى ما لدي من قوة وهلع، وأنقذت نفسي من حتف محقق.
أصبت بكدمات وجروح متعددة في قدماي، بفعل الارتطام العنيف بالصخور. غمرني فرح وتفاخر بالقدرة على تجاوز الخطر، لم أحفل بما أصاب قدماي من أذى وضرر.
واصلنا سيرنا حتى أدركنا الغاية من حملتنا، ظهرت لنا، نباتات السوس، وقد بدت في مظهرها بهيئة مقاربة لنبتة الطماطم.
شرعنا باقتلاع جذور السوس المغروسة بقوة في الأرض الصلدة، الجهد الذي استلزم قوةً وصبراً ومثابرة، مما أدى إلى تشقق أيادينا.
عدنا تغمرنا أحاسيس الغبطة والظفر بعروق السوس، لم آبه البتة بما حل في قدماي وساقيّ من جروح.
يوم ونيف، ظهر التهاب مؤلم في قدماي، تلاه تقيح عمدت جدتي لطبابتها قائلة: لا عليك، هكذا تكون رجلاً صلباً.. وضعت شريحة من بصلة مشوية على سطح الدمل وحيناً آخر عجينه، ربطتهما في خرقة لا يعلم إلا الله مصدرها.. لا أدري كيف تعافت قدماي.. لكنهما تعافيا…!







في الجزء السابع من حكايات قريتنا ، يستمر الكاتب نقل الحياة التي عاشها بعد إنتقالهم من حيفا الى حوران بيت جدته ، ويسرد لنا حكايا العم عطا ، راسماً وضعية القرية ، وحيث المقلاع .