
دخل المغرب فعلياً، مع بداية سبتمبر/ أيلول الجاري، المرحلة الانتخابية بإيداع ترشيحات المتنافسين في اقتراع 23 سبتمبر، لاختيار 395 عضواً في مجلس النواب، الغرفة الأولى في البرلمان المغربي التي يُنتخب أعضاؤها بالاقتراع المباشر. ووفقاً للدستور، الحزب الذي يتصدّر نتائج الانتخابات يختار منه الملك الشخصية التي يعيّنها رئيساً للحكومة. وبعيداً عن سؤال مَن سيتصدّر النتائج ومَن سيشكل الحكومة المقبلة، يفرض سؤال آخر نفسه، وربما يكون أكثر أهمية: لماذا سيصوّت المغربي؟
ليس السؤال لمن سيصوّت، ولا أي حزب سيفوز، فهذه أسئلة ستجيب عنها صناديق الاقتراع. السؤال الذي يسبقها: ما الذي يمكن أن يدفع مواطناً، بعد أن فقد كثيرون الثقة في الخطاب السياسي، إلى أن يقطع المسافة بين بيته ومكتب التصويت، وهو مقتنع بأن لصوته قيمة وأنه قادر على إحداث فرق؟ فالانتخابات لا تبدأ يوم فتح مكاتب التصويت، وإنما قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي يقرّر فيها المواطن ما إذا كان لصوته معنى أصلاً.
هنا تكمن أزمة الانتخابات المغربية، فالأحزاب تستعد لها كما لو أن المعركة الأساسية إقناع الناخب بمنحها صوته، بينما يبدو أن جزءاً متزايداً من المواطنين تجاوز هذا السؤال إلى سؤال أكثر جوهرية: “ماذا سيتغيّر إذا صوتُّ؟ تكشف هذه المسافة الصغيرة في صياغة السؤال فجوة كبيرة في العلاقة بين المواطن والسياسة. فطوال السنوات الماضية امتلأت الحملات الانتخابية بالوعود من محاربة البطالة، إلى تحسين الصحة والتعليم، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ورفع القدرة الشرائية والأجور، وتطوير الإدارة ودعم الشباب، لكن المواطن لا يعيش بالبرامج الانتخابية ولا يتنفس الشعارات؛ إنه يعيش عندما يجد مدرسة لأبنائه، ومستشفى يقصده، وسوقاً يشتري منه حاجاته، وفضاء عمل يبحث فيه عن وظيفة، ومدينة يكون له فيها سكن لائق وخدمات وفرصة للحياة.
لذلك المشكلة التي تواجه الأحزاب في انتخابات 2026 ليست نقص الشعارات، وإنما تراكم الفجوة بين الخطاب السياسي والحياة اليومية للمواطن، وهذه الفجوة هي التي جعلت ناخبين كثيرين يفقدون الثقة في الأحزاب والسياسة والانتخابات وفي ما تنتجه من مؤسسات وحكومات. ومن هنا يمكن فهم لماذا بدأ المشهد الانتخابي، حتى قبل الحملة القانونية، بالانشغال بالصراعات حول التزكيات والترشيحات، وانتقال السياسيين بين الأحزاب، والتجاذب بين مكونات الأغلبية المنتهية ولايتها، أكثر مما انشغل بالبرامج التي ستقدم حلولاً لمشكلات المغاربة. فهل نحن أمام انتخابات لتجديد المؤسّسات، أم أمام معركة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الطبقة السياسية نفسها؟ حين تصبح المعركة حول المرشّحين والمواقع والتنابز بين أعضاء الأغلبية أهم من المعركة بشأن البرامج، يصبح الغائب الأكبر هو الناخب المغربي. وحين يستطيع سياسي الانتقال من حزب إلى آخر من دون أن يغير بالضرورة مواقفه أو قناعاته أو حتى خطابه، يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي بقي من معنى الانتماء الحزبي؟ وما الذي يميز حزباً عن آخر إذا كانت الهوية السياسية قابلة للتغيير مع كل استحقاق انتخابي؟
لا تقوم الديمقراطية على مطالبة المواطن بالتصويت فقط، وإنما على توفير الأسباب التي تجعله يرى في التصويت فعلاً ذا معنى
وتزداد أزمة الثقة عندما تدخل الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها الانتخابات، وهي تتبادل الاتهامات بشأن حصيلة خمس سنوات من الحكم. فكل طرف يتبرّأ من مسؤولية الأخطاء ويلقي بها على حليفه، في وقت بدأت تظهر فيه اتهامات وقضايا تتعلق بأداء الحكومة ووزرائها والفساد وسوء التدبير. وإذا كان من الإيجابي أن تكشف الصراعات الداخلية بعض ما كان يجري خلف الكواليس، فإن الخطر أن تتحوّل هذه الاتهامات إلى مجرد بهارات لإضفاء نكهة حارّة على حملة انتخابية باردة، ما لم تتبعها تحقيقات عدلية ومحاسبة قضائية فعلية.
ما تشهده الساحة السياسية يبدو، في جانب كبير منه، سباقاً على المقاعد والوصول إلى الحكومة أكثر منه سباقاً على الأفكار والبرامج. وعندما تتراجع البرامج، يحضر المال الانتخابي، فتتحوّل المنافسة في بعض الدوائر إلى قدرة على الإنفاق واستمالة الناخبين، بما يرجح كفة المرشّح القادر على صرف المال على حساب المرشّح صاحب الكفاءة والبرنامج. ولا يمكن فصل ما يجري عن سؤال السلطة، فالانتخابات المغربية تنظم داخل منظومة تلعب فيها وزارة الداخلية دوراً مركزياً في إدارة العملية الانتخابية من إعداد اللوائح إلى فرز الأصوات وإعلان النتائج، فيما تؤثر شبكات العلاقات والنفوذ والسلطة المحلية والمركزية في موازين المنافسة. ومع حضور المال وشبكات النفوذ وضعف الثقة في الأحزاب، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المواطن عن مدى قدرته الحقيقية على التأثير في نتائج معدّة سلفاً وفي سياسات مرسومة مسبقاً.
وفي بلد يدرك الجميع أن السلطة الحقيقية لا تملكها الحكومة “المنتخبة” ولا البرلمان “المنتخب”، يعود السؤال القديم المتجدد عند كل استحقاق انتخابي: ما الجدوى من انتخابات لا يشعر المواطن بأنها قادرة على تغيير موازين السلطة أو السياسات التي تمس حياته اليومية؟
المشكلة ليست فقط في إقناع المواطن بأن التصويت حق وواجب، وإنما في إقناعه بأن صوته ما زال قادراً على إحداث فرق
من السهل تحميل المواطن مسؤولية العزوف ودعوته إلى ممارسة حقه وواجبه الانتخابي، لكن الديمقراطية لا تقوم على مطالبة المواطن بالتصويت فقط، وإنما على توفير الأسباب التي تجعله يرى في التصويت فعلاً ذا معنى. لا يمكن أن يُطلب منه أن يثق بالمؤسّسات السياسية، بينما يشعر بأن صوته لا يغير شيئاً في حياته، كما لا يمكن إقناعه بأن الانتخابات لحظة لتغيير السياسات إذا كانت البرامج الانتخابية تتحوّل بعد الانتخابات إلى مجرّد أوراقٍ تُرمى في سلال المهملات.
ليس المواطن المغربي بالضرورة كارهاً للسياسة، لأنه لا يذهب إلى صندوق الاقتراع، فقد برهن، في مناسبات كثيرة، على اهتمامه بالشأن العام عندما خرج للاحتجاج ضد الغلاء والبطالة والتطبيع، كما حدث أخيراً في حراك جيل زد، كما عبّر عن رفضه واقعه بطرق أخرى، عندما “صوّت بقدميه”، وشارك الآلاف في موجة الهروب الجماعية نحو سبتة المحتلة، بحثاً عن أفق مختلف، لذلك لا ينبغي اختزال العزوف في اللامبالاة؛ لأنه قد يكون أيضاً فقداناً للثقة، أو احتجاجاً صامتاً، أو اعتقاداً بأن صوته لا يساوي شيئاً.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة الانتخابية الأخرى: لماذا سيصوّت المغاربة؟ ليس السؤال دعوة إلى العزوف، وإنما سؤال عن معنى المشاركة وجدواها، فالمشكلة ليست فقط في إقناع المواطن بأن التصويت حق وواجب، وإنما في إقناعه بأن صوته ما زال قادراً على إحداث فرق، وأن الورقة التي يضعها في صندوق الاقتراع لن تكون مجرّد ورقة أخرى تُضاف إلى صناديق تفرز المؤسسات نفسها، وتعيد إنتاج الوجوه نفسها، والسياسات نفسها.
المصدر: العربي الجديد






