من خلاف إلى توتر مناطقي.. كيف أطفأ وجهاء جديدة عرطوز ودير الزور توترا كاد يتوسع؟

   بيسان خلف

انتهت في بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق جلسة الصلح بين أهالي البلدة ووجهاء من أبناء محافظة دير الزور، بعد يومين من التوتر الذي بدأ بخلاف بين مجموعة من الأطفال، قبل أن يتطور إلى مشاجرات بين أفراد أكبر سناً، ثم يأخذ منحى أكثر حساسية مع انتشار التحريض والتجييش عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وأقيمت جلسة الصلح في مسجد الرحمن وسط البلدة، بحضور أعيان ووجهاء من جديدة عرطوز ووجهاء من أبناء دير الزور المقيمين فيها، في مسعى لإعادة تثبيت الهدوء وإنهاء تداعيات الحادثة.

وقال رئيس لجنة المصالحة في جديدة عرطوز، عياض عبيد، لموقع تلفزيون سوريا، إن المشكلة بدأت بخلاف صغير، قبل أن تتضخم نتيجة تدخل أشخاص أكبر سناً، ثم استغلالها من صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي عملت على التحريض وتضخيم الأحداث.

وأكد عبيد أن جديدة عرطوز “مجتمع واحد ومتماسك”، مشيراً إلى أن البلدة تضم سكاناً من مختلف المحافظات والطوائف السورية، وأن التجييش والتحريض كانا من أبرز العوامل التي ساهمت في توسيع الخلاف.

لكل عائلة مرجعيتها.. والوجهاء في واجهة الحل

لا تقتصر معالجة الخلافات الاجتماعية في جديدة عرطوز على الأجهزة الرسمية، إذ تلعب المرجعيات العائلية والاجتماعية دوراً بارزاً في احتواء النزاعات، ولا سيما عبر كبار العائلات والوجهاء.

وقال حسن بلال، أحد وجهاء جديدة عرطوز، لموقع تلفزيون سوريا إن لكل عائلة، على اختلاف الطوائف الموجودة في البلدة، كباراً ومرجعيات يتدخلون عادة عند وقوع الخلافات بهدف الوصول إلى حلول واحتواء التصعيد.

وأوضح أن الحل كان ممكناً منذ اليوم الأول للحادثة، لكن ما جرى على وسائل التواصل الاجتماعي من تحريض وتضخيم ساهم في تعقيد المشهد وإطالة أمد التوتر.

وأضاف أن جديدة عرطوز لطالما كانت “داراً للسلام”، واستقبلت سكاناً من مناطق ومحافظات سورية مختلفة، معتبراً أن ما حدث لا يعكس طبيعة العلاقات التي تجمع أبناء المنطقة.

وأشار بلال إلى أن تدخل كبار العائلات والوجهاء من أبناء دير الزور المقيمين في البلدة ساهم بدوره في تهدئة النفوس، معتبراً أن التجربة تشبه في جانب منها طريقة تدخل المرجعيات العشائرية في دير الزور عند نشوب الخلافات، حيث يسارع الوجهاء وكبار القوم إلى احتواء النزاع ومنع توسعه.

جديدة عرطوز.. نموذج مصغر عن التركيبة السورية

من جهته، وصف محمد عبيد أحد وجهاء جديدة عرطوز تركيبة جديدة عرطوز بأنها “جامعة” منذ ما قبل الثورة السورية، إذ تضم عائلات من خلفيات وطوائف ومناطق مختلفة.

وأشار خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن البلدة استقبلت خلال سنوات الثورة أعداداً من النازحين القادمين من مناطق محيطة بريف دمشق، بينها داريا والمعضمية وخان الشيخ، إضافة إلى عائلات من محافظات أخرى مثل حلب وإدلب ودير الزور.

وقال إن معظم العائلات الأصلية في جديدة عرطوز لديها مرجعيات اجتماعية تتمثل بكبار العائلات، مضيفاً أن التعاون بين هذه المرجعيات ووجهاء عائلات دير الزور أسهم في الوصول إلى حل للحادثة الأخيرة.

ويرى عبيد أن هذه التجربة يمكن أن تكون نموذجاً للتعامل مع الخلافات المحلية في مناطق أخرى، من خلال وجود لجان من وجهاء المناطق والعائلات تتعاون مع الأمن الداخلي في معالجة النزاعات قبل تحولها إلى صدامات أوسع.

من شائعة وفاة إلى انتشار أمني

وبحسب عضو لجنة أعيان جديدة عرطوز، نضال البدوي، بدأ الخلاف مساء الخميس بين أطفال من أبناء البلدة وآخرين من أبناء محافظة دير الزور، قبل أن يتدخل أفراد من عائلاتهم ويتطور الأمر إلى مشاجرة استخدمت فيها العصي وأدوات معدنية.

وتعرض أحد أبناء جديدة عرطوز لإصابة في الرأس، قبل أن تنتشر بين ذويه معلومات تفيد بوفاته، وهو ما أدى إلى ارتفاع منسوب التوتر ومحاولة الاعتداء على منزل أحد المشاركين في المشاجرة.

وتدخل الأمن الداخلي لمنع توسع المواجهات، قبل أن تشهد المنطقة لاحقاً حملات تحريض وتجييش مناطقي على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي دفع إلى تعزيز الانتشار الأمني وفرض إجراءات شملت حظر التجوال وإقامة حواجز في حي الزيتون.

كيف ينظر أهالي دير الزور للحادثة

ويعيش في جديدة عرطوز عدد كبير من أبناء محافظة دير الزور، بعضهم استقر في البلدة منذ سنوات طويلة، وتحولت علاقاتهم مع سكانها إلى علاقات جوار ومصاهرة وعمل، بعيداً عن الانتماء المناطقي الذي حاولت الأحداث الأخيرة إبرازه.

وبحسب شهادات من أبناء دير الزور المقيمين في البلدة، فإن التوتر الذي شهدته المنطقة خلال اليومين الماضيين لا يعكس طبيعة العلاقات بين السكان، وإنما بدأ بخلاف محدود سرعان ما خرج عن حجمه، قبل أن تؤدي منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى زيادة الاحتقان.

وقال ضياء محاميد أحد أبناء دير الزور المقيمين في جديدة عرطوز منذ عام 2019، إن “جديدة عرطوز بالنسبة لنا ليست مكاناً غريباً، نحن عشنا فيها سنوات، وأولادنا كبروا فيها، ولدينا جيران وأصدقاء من كل المناطق والطوائف”.

وأضاف لموقع تلفزيون سوريا: “الخلاف الذي حصل بدأ بين أطفال، ولم يكن في بدايته يحمل أي طابع مناطقي، لكن عندما دخل الكبار على الخط، ثم بدأت الصفحات بنشر الكلام والتحريض، تغيرت صورة الموضوع بالكامل”.

وتابع: “أحياناً منشور واحد أو مقطع فيديو قادر على إشعال منطقة كاملة، الشخص الذي يقرأ المنشور لا يعرف ماذا حدث فعلاً، لكنه يرى كلاماً عن الدير وعن جديدة عرطوز، فيشعر أن هناك مشكلة بين مجموعتين، بينما الحقيقة أن المشكلة بدأت بين أشخاص محددين”.

أما صالح المحمد والذي يعيش في حي الزيتون بجديدة عرطوز منذ عام 2021، قال لموقع تلفزيون سوريا: “نحن أبناء دير الزور الموجودون هنا لم نشعر في يوم من الأيام أننا غرباء عن أهل جديدة عرطوز، لدينا مصالح مشتركة، وبيوت متجاورة، وأعمال مشتركة، وعلاقات عائلية ومصاهرة لذلك من مصلحتنا قبل أي شخص آخر أن تنتهي هذه الأمور بسرعة”.

وأضاف أن تدخل الوجهاء وكبار العائلات كان العامل الأهم في إعادة الهدوء.

وتابع : “في كل عائلة هناك أشخاص يسمع لهم الناس، وعندما تقع مشكلة يتدخلون قبل أن تكبر. وهذا أمر معروف في مجتمعاتنا، سواء في دير الزور أو جديدة عرطوز”.

وأكمل: “الذي حصل في النهاية أثبت أن الحل موجود داخل المجتمع نفسه. عندما جلس كبار العائلات من الطرفين معاً، أصبح الكلام مختلفاً، لأن الهدف لم يعد معرفة من ينتصر على الآخر، بل كيف ننهي المشكلة ونحفظ الناس وحقوقهم”.

الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى مناطقية

ويعتقد خالد مصلح أحد أبناء دير الزور الذي حضر اجتماع الصلح أن حضور وجهاء دير الزور إلى جلسة الصلح حمل رسالة واضحة إلى أبناء المحافظة الموجودين في البلدة، مفادها أن الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى قضية بين أبناء مناطق.

وقال لموقع تلفزيون سوريا: “نحن نعرف أهلنا ونعرف طبيعة مجتمعنا، إذا أخطأ شخص، لا يعني أن كل أبناء دير الزور مسؤولون عن خطئه والعكس صحيح، وإذا حصل خلاف مع شخص من جديدة عرطوز فهذا لا يعني أن هناك خلافاً بين الدير والبلدة”.

وأشار إلى أن أبناء دير الزور في جديدة عرطوز مروا خلال السنوات الماضية بظروف صعبة، لكنهم وجدوا في البلدة مساحة للعيش والاستقرار.

ولفت إلى أن “كثير من أبناء دير الزور جاءوا إلى هنا واستقروا، اشتغلوا، فتحوا محالاً، وتزوجوا، وأصبح لهم أولاد في مدارس البلدة. هل يعقل أن تختصر كل هذه السنوات بمنشور على فيسبوك؟”.

وأضاف: “المشكلة أن بعض الناس يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وكأنها مصدر الحقيقة الوحيد، عندما تنتشر شائعة عن وفاة شخص أو اعتداء على عائلة، تبدأ ردود الفعل قبل أن يعرف الناس الحقيقة”.

وأكد أن مسؤولية الأهالي في مثل هذه الحالات تتمثل في عدم الانجرار خلف الشائعات.

العفو وتشكيل لجنة لحصر الأضرار

وانتهت جلسة الصلح بعفو من الأطراف المتضررة، بالتوازي مع الاتفاق على تشكيل لجنة لتقييم الأضرار التي لحقت بالأهالي خلال الأحداث، بما في ذلك الأضرار التي طالت السيارات وواجهات بعض المنازل.

كما شدد المجتمعون على التمسك بالسلم الأهلي ورفض دعوات العنف والتفرقة، في بلدة تشكل، بحسب وجهائها، نموذجاً لتداخل العائلات والمحافظات والطوائف السورية.

وتعيد حادثة جديدة عرطوز إلى الواجهة دور المرجعيات المحلية في احتواء الخلافات، إذ أظهرت مجريات الصلح أن لكل عائلة مرجعياتها الاجتماعية التي يمكن أن تتدخل في لحظة التصعيد، بينما يمكن للتنسيق بين هذه المرجعيات والجهات الأمنية أن يمنع الخلافات الصغيرة من التحول إلى نزاعات مناطقية أوسع.

وفي المقابل، برزت وسائل التواصل الاجتماعي كعامل قادر على تسريع انتشار الشائعات والتحريض، وتحويل خلاف محدود إلى حالة توتر مجتمعي، وهو ما دفع وجهاء المنطقة إلى التأكيد على ضرورة قطع الطريق أمام التجييش والحفاظ على طبيعة جديدة عرطوز بوصفها بلدة تستوعب سكاناً من مختلف أنحاء سوريا.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى